اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الصيام من منار السبيل [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح كتاب الصيام من منار السبيل [2] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
يشترط للصيام شروط وجوب كالعقل والبلوغ وغيرها، وكذلك شروط صحة كالإسلام وانقطاع الحيض والنفاس والتمييز والعقل والنية من الليل كل يوم.
شروط وجوب الصوم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال المصنف: [ (وشرط وجوب الصوم أربعة أشياء: الإسلام، والبلوغ، والعقل). فلا يجب على كافر ولا صغير ولا مجنون لحديث: ( رفع القلم عن ثلاثة ).(والقدرة عليه فمن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى زواله أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً) ].هنا في قول المصنف رحمه الله: (شروط وجوب الصوم) يعني: على من يجب الصوم، وتقدم الإشارة معنا في مسألة التكليف أن الصيام يجب على المسلم البالغ العاقل، وكذلك أيضاً في القدرة, ويشير إليها المصنف رحمه الله بعد ذلك في الإسلام؛ لأن الكافر لا يخاطب بفروع الإسلام، فلا يؤمر بالصيام، ولكنه يؤمر بالإمساك علانية لحرمة الشهر وحتى لا يكسر قلوب الناس، فيمنع من الأكل في الطرقات، ولو أكل في داره ما عوقب على ذلك.وأما بالنسبة للصغير فإنه يعذر في ذلك، كذلك أيضاً المسافر في سفره إذا كان في طريقه لا حرج عليه أن يأكل ولو علانية، لماذا؟ لأنه ليس في دار إقامة، وكذلك أيضاً المرأة قد تكون معذورة مثلاً لحيض أو نفاس، وكذلك أيضاً الرجل معذور أو المرأة لمرض أو نحو ذلك، فإنه ليس لأحد منهما أن يأكل علانية، لماذا؟ لأن هذا فيه كسر لقلوب الصائمين، وخرم لحرمة الشهر، فللشهر حرمة غير حرمة الناس، كذلك أيضاً فإن هذا ربما يجسر الناس من أهل الباطل، أن كل أحد يأكل ويعتذر بعذر ويسقط حينئذ الإنكار على من يفعل ذلك علانية لوجود من يفعله من أهل الأعذار علانية، فإذا منع أن يفعل ذلك الناس من الرجال والنساء علانية ولو كانوا معذورين فيمنع أيضاً وينهى ويزجر من كان ليس بمعذور من سائر الناس من باب أولى.ويقول هنا: (والبلوغ)، هذا من شروط الوجوب، ولكنه لو صام أجر على ذلك، كما جاء في حديث الربيع فإنهم كانوا يصومون صبيانهم كما جاء في الصحيح ويلهونهم بالعهن يعني: بالقطن، حتى يلهوا ويلعبوا إذا صاحوا من الجوع، وذلك كمسألة الصلاة، كذلك أيضاً الحج فلو أداها يؤجر عليه لكنه يجري عليه قلم الحسنات ولا يجري عليه قلم السيئات، فإذا بلغ في نصف الشهر وأفطر شيئاً مما مضى فإنه لا يجب عليه أن يقضي ذلك، ويقضي ما كان بعد ذلك في زمن الوجوب.وقوله هنا: (فلا يجب على كافر، ولا صغير، ولا مجنون، يقول لحديث: ( رفع القلم عن ثلاثة )، وحديث ( رفع القلم عن ثلاثة ) قد جاء عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فجاء من حديث شداد و ثوبان و علي بن أبي طالب ، وجاء من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى وهو الأشهر، وحديث عائشة عليها رضوان وحديث علي بن أبي طالب قد رواه الإمام أحمد ، ورواه أبو داود ، و النسائي ، و ابن ماجه من حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان في هذا، وهذا من مفاريد حماد بن سلمة كما نص على ذلك يحيى بن معين ، وكذلك البخاري رحمه الله، فقد سأل الترمذي رحمه الله الإمام البخاري عن هذا الحديث: هل يروى من غير حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان ؟ قال: لا أعلمه، ولعله محفوظاً يعني من هذا الطريق من حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان ، ويرويه عن إبراهيم النخعي عن عائشة عليها رضوان الله تعالى.وأما حديث علي بن أبي طالب فقد أخرجه الترمذي ، فــالترمذي لم يخرجه مسنداً من حديث عائشة، وأخرجه مسنداً من حديث علي بن أبي طالب من حديث الحسن عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى وهو معلوم.
 

قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه...) بين المفسرين والأصوليين والفقهاء
قال رحمه الله: أحسن الله إليكم، [ (والقدرة عليه فمن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى زواله أفطر وطعم عن كل يوم مسكيناً مد بر أو نصف صاع من غيره)؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:184]، ليست بمنسوخة, هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم، رواه البخاري ، والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا، رواه أبو داود ].هنا في قول المصنف رحمه الله: (والقدرة عليه فمن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى زواله أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا ًمد بر أو نصف صاع من غيره)، من ينظر في كلام المفسرين في قول الله عز وجل: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:184]، يجد في تقدير الأوصاف أنها متباينة، منهم من يقول بمدين، ومنهم من يقول بنصف صاع، ومنهم من يقول بمد على اختلاف الطعام.والإطعام منهم من يطلق فيه أمراً واحداً من باب التغليب كما جاء عن مجاهد بن جبر فيقول: الإطعام إذا جاء في كلام الله فالمراد به نصف صاع، يعني: قاعدة أنه نصف صاع، ولكن عند التحقيق نجد أن السلف يكاد تجتمع معاني أقوالهم على أن المراد بالإطعام هنا الإشباع, وليس المراد بذلك التقدير.وأما كلام المفسرين في تقديره بنصف صاع أو بمدين أو بمد فإنهم يريدون بذلك التقريب بما يشبع الإنسان، فإذا أكل وأطعمه وشبع فإن ذلك يجزئه على أي مقدار كان، والناس يتباينون في ذلك.وهنا يقول: (فمن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى زواله أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً)، وهذا يأتي الكلام عليه في المرض أو الأعذار التي تكون في الإنسان وتمنعه من الصيام، أو يعذر لأجلها بالفطر، منها ما هي أعذار زائلة وهذا نوع، ومنها أعذار ليست بزائلة يعني: دائمة، وهذا نوع، ولكل حكمه في باب الكفارة, ويأتي الكلام عليه.وهنا في قوله: (عن عبد الله بن عباس ليست بمنسوخة هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم)، اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى من السلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:184]؟أولاً: القراءة في ذلك: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ )) قرئت على أوجه، وأشهر هذه القراءات هي: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ))، وهذا الذي عليه العامة وهي أيضاً من المعاني في كلام السلف، بل قال ابن جرير الطبري رحمه الله: هي التي لا يجوز لأحد أن يقرأ إلا بها، (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ )).وجاء في قراءة: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ))، وجاء في قراءة ثالثة: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ))، وهذا جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وجاء في قراءة أيضاً شاذة: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ )).والقراءة المعروفة الصحيحة في هذا: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ))، وإنما اختلف العلماء في نسخ هذه الآية فمنهم من قال: إنها منسوخة، وهذا قول الجماهير، وقد صح ذلك عن سلمة بن الأكوع كما في الصحيحين وغيرهما من حديث يزيد مولى سلمة عن أبيه أنه قال: ( كان الصيام أول ما فرضه الله عز وجل من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يطعم أطعم وأفطر، وذلك في قول الله عز وجل: (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ))، ثم نسخ الله عز وجل ذلك في الآية التي بعدها: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] ) . وذهب إلى هذا عبد الله بن عمر فيما رواه عنه نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال بنسخها، وهذا الذي ذهب إليه جماهير السلف أيضاً، فقال بذلك علقمة ، وإبراهيم النخعي و الحسن و عكرمة وغيرهم من المفسرين من السلف كــعامر بن شراحيل الشعبي, فإنهم يقولون بنسخ هذه الآية.ومنهم من يقول بعدم نسخها, وهذا القول جاء عن عبد الله بن عباس، يرويه سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس ، وجاء عن سعيد بن جبير أيضاً القول بذلك.ولكن ينبغي أن نعلم أن السلف يسمون التخصيص نسخاً في التفسير، فإذا جاءت آية عامة، يعني: في عموم الناس، كما في قول الله جل وعلا: ((وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ))، يعني: جميعاً سواء كان صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، مسافراً أو غير مسافر هو مخير، لا فرق بين هذه الأحوال، فمن شاء صام ومن شاء أفطر.فإذا جاء تخصيص لهذه الآية، فخصصت بالشيخ الكبير والشيخة، ومن به مرض دائم فإنه يطعم ولا يجب عليه القضاء، فمنهم من يسمي ذلك نسخاً، وعلى هذا يجري كلام بعض السلف من المفسرين أن هذه الآية منسوخة وليست بمحكمة.وعلى هذا تفرعت جملة من مسائل الخلاف في هذا الموضع, منها أن المرأة الحامل والمرضع إذا تركت الصيام خوفاً على نفسها أو على ولدها، يعني أنها تطيق الصيام، ولكن تركته شفقة على الجنين أن لا يصل إليه طعام كاف، أو خوفاً على أيضاً على الرضيع أن لا تدر له فتطعم، فهي لا تخاف على نفسها وإنما على غيرها.فإذا قلنا بالنسخ العام في هذه الآية وأنه ليس بتخصيص فإننا نلحقها بالمريض فيجب عليها أن تقضي، ومن قال بعدم النسخ وأنها مخصصة في مثل هذه الحال بالشيخ الكبير، فإنها تدخل في حكم الشيخ الكبير فيجب عليها أن تطعم ولا يجب عليها أن تقضي؛ لأنها تدخل في حكم من أطاق وترك الصيام لغيره.ولهذا بعض الفقهاء يفرق بين المرأة الحامل والمرضع التي تخاف على نفسها، فمن خافت على نفسها إذا كانت حاملاً أنها إذا تركت الصيام استنزفها جنينها وأضر بصحتها، فجاءها شيء من الأمراض العارضة، كإغماء أو ضعف مثلاً أو غير ذلك مما يعتري النساء، أو تخاف على نفسها من ولدها أن يأخذ غذاءها إذا كانت مرضعاً فيأتيها شيء من ضعف البنية أو الإغماء، أو ضعف مثلاً في الضغط أو السكر أو غير ذلك، إذاً: فهي تخشى على نفسها لا على جنينها، فيفرقون بين هذا وهذا، وهذه المسألة يأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى.
 

شروط صحة الصوم
[ (وشروط صحته ستة: الإسلام).(فلا يصح من كافر)، (وانقطاع دم الحيض والنفاس) ].وذلك أنه فرق بين شروط الوجوب وشروط الصحة، وذلك أن شروط الوجوب قد يؤديها من لم يستوف شروط الوجوب وتصح منه كالصغير ليس ببالغ نقول: لا يجب عليه لكن لو صام فإن صيامه صحيح. ‏
 تبييت النية في الصيام
قال رحمه الله: [ (السادس: النية من الليل كل يوم واجب) لحديث حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له ) ، رواه أبو داود ].يقول: النية من الليل لكل يوم واجب لحديث حفصة ، النية مشتقة من النوى, والنوى محله الجوف أي: جوف الثمرة، والنية محلها القلب، فإذا أخرجت لا تسمى نية، ولهذا إظهارها خلاف أصلها ومعناها، ومن جهر بها فقد ابتدع, فليس للإنسان أن يجهر بالنية فيقول: اللهم إني نويت صيام يوم كذا وكذا، أو شهر كذا وكذا لك تعبداً، وذلك أنه بدعة ولم يقل بذلك ولم يعمل به أحد من السلف، لا من الصحابة ولا من التابعين، ولا من الأئمة الأربعة عليهم رحمة الله في أي عبادة من العبادات على خلاف يسير في ذلك عند الشافعي رحمه الله في مسألة الصلاة.ويقول المصنف: (النية من الليل لكل يوم واجبة)، النية من الليل يجب أن تسبق صيام الفريضة لكل صوم واجب، سواء كان رمضان أو كان من الأمور الواجبة على الإنسان كالنذور أو الكفارات، ويستدلون لذلك بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث سالم عن عبد الله بن عمر عن حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل ) ، فقيد الأمر بالليل.وهذا الحديث قد اختلف في وقفه ورفعه، والصواب فيه الوقف، وصوب الوقف جماعة الترمذي ، و البخاري ، و النسائي وغيرهم من العلماء، فالصواب فيه الوقف، واختلفوا في وقفه على قولين: منهم من يقول: الأصح أنه موقوف على ابن عمر . ومنهم من يقول: الأصح أنه موقوف على حفصة ، وجاء معناه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى من قولها. وأما بالنسبة لصوم النافلة فإنه يجوز أن يكون من النهار.ولهذا نقول: إن نية الليل هي واجبة للصوم الواجب، أما النافلة فيجزئ أن تكون من النهار، واختلف العلماء في من قال بأن نية النافلة تكون من النهار ما هو الحد الأقصى لها؟ اختلفوا في هذه المسألة على قولين: ذهب جمهور العلماء إلى أن الحد في ذلك هو نصف النهار، وجعلوا ذلك هو زوال الشمس في الظهيرة، وجاء ذلك عن جماعة من السلف، فجاء عن عبد الله بن عباس و عبد الله بن عمر و عبد الله بن مسعود وغيرهم.والقول الثاني: قالوا: لا حد في ذلك، وهو قول حذيفة بن اليمان , وهو الأظهر، فإذا نوى ولم يأكل قبل ذلك إلى العصر فبدأ من نيته أن يصوم فإنه يؤتى الأجر بإذن الله، لماذا؟ لأن تقييد الوقت يحتاج إلى دليل، ثم أيضاً أنه لا يوجد في الشريعة احتساب نصف يوم أو ساعة أو نحو ذلك، وإنما الحكم في ذلك واحد.وأما بالنسبة لليوم الواجب لصيام رمضان فيحكي غير واحد من العلماء الاتفاق على أنه لابد أن يكون ذلك من الليل في الصيام الواجب، ويذكر عن زفر من أهل الرأي أنه لا يقول بوجوب النية من الليل، فهذا قول شاذ، ونكمل بقية مسألة النية في الغد بإذن الله تعالى.ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الصيام من منار السبيل [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net