اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحاديث المعلة في الصلاة [40] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الأحاديث المعلة في الصلاة [40] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
من المهم جداً لطالب العلم الباحث في علل الحديث أن يلم بمعرفة فقه الراوي والفقه المنتشر في بلدته، لأن هذا يساعده في معرفة علة الحديث، فقد يروى الحديث عن ابن عباس مثلا ولا نجد للعمل به فتوى أو أثر ولا يكتفى بالراوي وحده وإنما ينظر إلى طبقته وتلاميذه، وفي حالة عدم وجود أثر للحديث في فتاويهم كانت هذه قرينة على رده، ومن الأحاديث في هذا المضمار حديث ابن عباس: (لا تقبل صلاة لا تمس أو لا يمس الأنف ما تمس الجبهة من الأرض).
حديث ابن عمر أنه كان يعجن إذا قام من الصلاة يعتمد على يديه وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فنتكلم على شيء من الأحاديث التي يتكلم عليها النقاد في أبواب الصلاة.وأول هذه الأحاديث: هو حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى ( أنه كان يعجن إذا قام من الصلاة يعتمد على يديه فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ).هذا الحديث أخرجه الطبراني في كتابه المعجم، وكذلك أيضاً أخرجه أبو إسحاق الحربي في كتابه غريب الحديث يروونه من حديث يونس بن بكير عن الهيثم بن علقمة عن الأزرق بن قيس عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.هذا الحديث فرد من هذا الوجه تفرد به يونس بن بكير به عن الهيثم بن علقمة عن الأزرق عن عبد الله بن عمر ولا يعرف بهذا اللفظ مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه.والحديث معلول بعدة علل، فهو معلول بالوقف والرفع، ومعلول كذلك أيضاً بمتنه.
 حكم الاعتماد على اليدين في الصلاة
إن الاعتماد على اليدين سنة لحديث مالك بن الحويرث ، وأي صفة زائدة في ذلك فمردها إلى الدليل والدليل في هذا لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغاية ما جاء في حديث عبد الله بن عمر أنه كان يعتمد على يديه من غير ذكر العجن فيه.
حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل في صلاته على يديه إذا نهض)
الحديث الثاني: هو حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يعتمد الرجل في صلاته على يديه إذا نهض ).هذا الحديث أخرجه أبو داود في كتابه السنن من حديث محمد بن عبد الملك الغزال عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ( نهى أن يعتمد الرجل على يديه في الصلاة إذا نهض )، وهذا الحديث بهذا اللفظ منكر، وذلك أن هذه اللفظة قد تفرد بها محمد بن عبد الملك الغزال فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعتمد الرجل في الصلاة على يديه إذ نهض، فقلب لفظه وغير معناه، ولا يعرف هذا الحديث عن عبد الرزاق إلا من طريقه بهذا اللفظ، وقد رواه الجماعة من أصحاب عبد الرزاق من الأئمة الحفاظ على غير لفظه، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعتمد الرجل على يديه في الصلاة وهو جالس، يعني: إذا كان جالساً في التشهد أو كان جالساً بين السجدتين فإنه لا يضع يديه معتمداً عليها، فليعتمد على جلسته، فهذا المعنى هو الذي أخرجه الإمام أحمد رحمه الله في كتابه المسند ورواه عنه أبو داود رحمه الله في كتابه السنن، أخرجه الإمام أحمد في المسند عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني يرويه عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن عبد الله بن عمر ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يعتمد الرجل على يديه في الصلاة وهو جالس )، ما قال: إذا نهض! فثمة فرق بين وهو جالس، يعني: لا يعتمد في جلوسه على يد واحدة أو بيدين وإنما يعتمد على نفسه على قدميه وذلك بصفة الجلوس إما أن يكون الإنسان في جلوسه مقعياً، والإقعاء في ذلك هو أن ينصب فخذيه ويجلس على إليتيه، أو يكون الإنسان مفترشاً أو يكون متوركاً، أو متربعاً في حكم مسألة صلاة المرأة وصلاة المريض، فهذه صفات الجلوس في الصلاة، أما الاعتماد على اليد فإن هذا هو الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في رواية الإمام أحمد عن عبد الرزاق . عبد الرزاق بن همام الصنعاني يروي هذا الحديث هذا الحديث عن معمر من هذا الوجه فجعل هذا الحديث من يرويه عنه على أنه في الجلوس إلا محمد بن عبد الملك الغزال فقد جعل هذا الحديث نهياً عن الاعتماد على اليد إذا نهض، رواه الإمام أحمد رحمه الله بهذا اللفظ، ورواه بنحوه جماعة من رواه من أصحاب عبد الرزاق ، توبع الإمام أحمد رحمه الله عليه مع جلالته وإمامته وكفايته في تفرده في هذا عن عبد الرزاق عند أبي داود في كتابه المصنف: محمد بن رافع و محمد بن شبوية كلاهما عن عبد الرزاق بنحو لفظ الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أخرجه الحاكم في كتابه المستدرك من حديث إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق بنحو لفظ الإمام أحمد ، وكذلك أيضاً جاء من حديث أحمد بن يوسف السلمي عن عبد الرزاق به بنحو لفظ الإمام أحمد ، وقد أخرج هذا البيهقي رحمه الله في كتابه السنن، فمدار الطرق التي تروى عن عبد الرزاق في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام ينهى عن أن يعتمد الرجل في الصلاة أو في صلاته على يديه وهو جالس، إذاً الحكم متعلق بالجلوس فقط لا في النهوض من الصلاة والقيام فيها، و محمد بن عبد الملك الغزال الذي تفرد بهذا الحديث وجعله في النهوض متكلم فيه ويهم في حديثه.ثم أيضاً إن هذا الحديث لو تفرد به محمد بن عبد الملك الغزال عن عبد الرزاق ولم يروه غيره ولم يتابع عليه ولم يخالف أيضاً لكان كافياً في رده، لأن محمد بن عبد الملك الغزال متأخر، وحديثه في ذلك عن عبد الرزاق مع شهرة الإمام عبد الرزاق وكثرة أصحابه ووفرتهم من الأئمة كالإمام أحمد رحمه الله ثم لا يروى هذا الحديث عنه، وهذا أمارة على نكارته.ثم أيضاً من قرائن الإعلال عند العلماء: أن الراوي إذا كان في طبقة متأخرة فتفرد بحديث من الأحاديث الذي يتضمن معناً لم يرد إلا عنده فهذا أيضاً من قرائن الإعلال عنده وذلك أن القاعدة الغالبة أن الأحاديث أو أحاديث الأحكام التي تتعلق بأمور الديانة ويشتهر فيها العمل ينبغي أن يستفيض فيها العمل فقهاً وأن يستفيض فيها أيضاً رواية وكذلك أيضاً تستفيض فيها الفتيا، فأين النهي عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الإنسان على يديه إذا نهض؟ جاء نهي الأحاديث الآثار في هذا معلولة، ما جاء عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله أنه كان يعتمد على صدور قدميه هذا فعل وليس بنهي، ولا يلزم من ذلك أنه في حال اعتماده على صدور قدميه أن ينهى أن يعتمد الإنسان على يديه، ولهذا نقول: إن تفرد محمد بن عبد الملك الغزال بهذا الحديث من هذا الوجه دليل على نكارته ورده، كيف وقد خالفه الثقات من أصحاب عبد الرزاق كالإمام أحمد و محمد بن رافع و محمد بن شبوية وإسحاق بن إبراهيم و أحمد بن يوسف السلمي ، وغير هؤلاء يروونه عن عبد الرزاق بنحو متقارب أن النهي إنما هو على الاعتماد في الصلاة، يعني: في حال الجلوس، وأدق الألفاظ في هذا هو لفظ الإمام أحمد رحمه الله وذلك أنه بين موضع النهي وذلك أنه في جلوسه، وبعض الرواة الذين يروون هذا الحديث كـابن شبوية وغيره يقولون: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يديه في الصلاة فذكر في الصلاة عموماً، وهذا فيما يظهر أنه يكون في حال الجلوس كما هو ظاهر النص عن الإمام أحمد رحمه الله.
 حكم الاعتماد على اليدين في الصلاة
إن الاعتماد على اليدين سنة لحديث مالك بن الحويرث ، وأي صفة زائدة في ذلك فمردها إلى الدليل والدليل في هذا لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغاية ما جاء في حديث عبد الله بن عمر أنه كان يعتمد على يديه من غير ذكر العجن فيه.
حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكن جبهته من الأرض، وإذا قام قام كالسهم)
الحديث الثالث: هو حديث معاذ بن جبل عليه رضوان الله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكن جبهته من الأرض، وإذا قام قام كالسهم )^ يعني: قياماً سريعاً.هذا الحديث جاء من حديث الخصيب بن جحدر عن النعمان بن نعيم عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل ، الحديث تفرد به الخصيب بن جحدر وهو متهم بالكذب، اتهمه جماعة من الأئمة كـشعبة بن الحجاج و يحيى بن سعيد القطان و البخاري وغيرهم، تفرد بهذا الحديث وتفرده فيه دليل على أن الحديث في حكم الوضع، ولهذا حكم على هذا الحديث بالوضع غير واحد من العلماء.ومن قرائن كذبه ورده: أنه مخالف لما جاء في الصحيح من اعتماد النبي صلى الله عليه وسلم على يديه أيضاً وما جاء في حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة، فإذا قلنا: إنه يمكن جبهته من الأرض فإذا قام قام كالسهم، يعني: أنه لا يجلس فيقوم من سجوده إلى الركعة الثانية أو الركعة الثالثة، وهذا جاء خلافه في حديث مالك بن الحويرث وهو في الصحيح. ولهذا نقول بأن هذا الحديث مطروح أو موضوع، وذلك لأنه قد تفرد به هذا الراوي الكذاب، وهو مخالف للأحاديث المعروفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً في الطمأنينة في الصلاة.
 حكم الاعتماد على اليدين في الصلاة
إن الاعتماد على اليدين سنة لحديث مالك بن الحويرث ، وأي صفة زائدة في ذلك فمردها إلى الدليل والدليل في هذا لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغاية ما جاء في حديث عبد الله بن عمر أنه كان يعتمد على يديه من غير ذكر العجن فيه.
حديث: (إذا رفع أحدكم من صلاته فليمكن إليتيه من الأرض، ولا يفعل كما يفعل البعير فإن ذلك من وقار الصلاة)
الحديث الرابع: هو حديث علي بن أبي طالب عليه رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا رفع أحدكم من صلاته فليمكن إليتيه من الأرض، ولا يفعل كما يفعل البعير فإن ذلك من وقار الصلاة ).الحديث أخرجه العقيلي وغيره في كتابه الضعفاء من حديث أبي خالد القرشي عن علي بن الحزور عن أصبغ بن نباته عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث أيضاً منكر أو متروك موضوع وذلك لنكارة متنه، وكذلك أيضاً اطراح إسناده، فإن هذا الحديث أخرجه العقيلي من حديث أبي خالد القرشي وهو الواسطي الكذاب، يرويه عن علي بن الحزور ، وهذا قد اتهمه غير واحد وحرم الرواية عنه جماعة كـيحيى بن معين فإنه قال: لا تحل الرواية عنه، ويرويه أيضاً عن أصبغ بن نباته وهو أيضاً ممن يتهم في حديثه.إذاً هذا الحديث مسلسل بالكذابين، ثم أيضاً إنه لو كان من حديث علي بن أبي طالب عليه رضوان الله لنقله خاصة أصحابه عنه، ولنقل ذلك من وجه يصح ولو موقوفاً، ثم أيضاً في نكارة متنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم في ظاهر هذا الحديث أنه يأمر أن الإنسان إذا رفع من صلاته أن يمس بإليتيه الأرض، وهذا منهي عنه وذلك أنه يشبه إقعاء الكلب، وأما بالنسبة لفعل الإبل فإن الإبل تقوم على قدميها، وكأن الحديث قد قلب معناه، فلهذا نقول: إن الحديث منكر من جهة المتن، وكذلك أيضاً مطروح من جهة الإسناد.
 حكم الاعتماد على اليدين في الصلاة
إن الاعتماد على اليدين سنة لحديث مالك بن الحويرث ، وأي صفة زائدة في ذلك فمردها إلى الدليل والدليل في هذا لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغاية ما جاء في حديث عبد الله بن عمر أنه كان يعتمد على يديه من غير ذكر العجن فيه.
حديث: (لا تقبل صلاة لا يمس الأنف ما تمس الجبهة من الأرض)
الحديث الخامس: هو حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقبل صلاة لا تمس أو لا يمس الأنف ما تمس الجبهة من الأرض ).هذا الحديث أخرجه الدارقطني و البيهقي من حديث عكرمة عن عبد الله بن عباس، واختلف فيه على عبد الله بن عباس من جهة وقفه ورفعه ووصله وإرساله، جاء من حديث عاصم عن عكرمة مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء أيضاً من غير حديث عاصم عن عكرمة عن عبد الله بن عباس مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. واختلف العلماء في ترجيح الوقف والرفع، وترجيح الوصل والإرسال، وعامة الحفاظ على ترجيح الإرسال في هذا الحديث وعدم صحته مرفوعاً، وأن الصواب في ذلك ما يرويه عاصم عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ذكر عبد الله بن عباس ، وهذا هو الأرجح، وقد صوبه الإمام أحمد و أبو داود و الدارقطني أن الصواب في ذلك الإرسال.ومن قرائن ترجيح الإرسال: أن عكرمة جرى في روايته هذه على غير الجادة، والجادة في هذا أنه يروي عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أرسل الحديث فقد خرج عن الجادة وهو أقرب إلى الحفظ والضبط، وأما من يرويه عن عكرمة عن عبد الله بن عباس فقد جرى على الجادة فيه. ونقول: إن من القرائن عند العلماء ما يسمونه بالجادة وما يسمونه بالمجرة، والجادة هي الطريق المعتادة في الرواية أو كذلك أيضاً في السير، فإن الإنسان إذا غلط أو هم فإنه يجري لسانه على ما اعتاد عليه فإذا خالفه دليل على أنه مستحضر ويقظ، والصواب في هذا الحديث الإرسال، من العلماء من صحح الوصل وهو الحاكم رحمه الله فإنه يميل إلى تصحيح الوصل في هذا، و الحاكم رحمه الله مع جلالته وإمامته وفضله وحفظه إلا أنه في أبواب العلل لا يقارن بالصدر المتقدم من النقاد وذلك كـشعبة و ابن مهدي و ابن المبارك و ابن معين و أحمد و ابن المديني و أبي داود وغيرهم من الأئمة، وهو يجري في كثير من طرائقه في العلل مجرى أهل الظاهر، ومعلوم أن لدينا مدارس في العلل أو مدرستين من مدارس العلل:المدرس الأولى: هي مدرسة الظاهرية، والمدرسة الظاهرية هي التي يجري عليها كثير من المتأخرين، ويسلك هذا المسلك أيضاً جماعة من المتقدمين كـالحاكم وكذلك أيضاً ابن حزم و ابن القطان الفاسي وغيرهم، فهؤلاء يأخذون مجرى الظاهر ولا يعملون القرائن.والمدرسة الثانية: هي مدرسة النقاد المتقدمين الذين يأخذون بالقرائن ولا يجرون على الظواهر، وإنما يعملون جملة من القرائن التي تحتفظ بالحديث فيقولون بها، وعند النظر في تخاريج المتأخرين أو تخاريج من يسلك هذا المسلك من الظاهرية يجد أنهم يعتمدون على قواعد أهل الاصطلاح مجردة ولا يكون لديهم نفس من جهة تخريج أو النظر إلى قرائن العلل، وذلك أن القرائن إذا عدمت عند الناقد أو عند المخرج فإنه يقع لديه شيء من الخطأ في مخالفة كلام الأئمة.ومن القرائن في رد هذا الحديث أيضاً: أن الإجماع قد حكي على صحة الصلاة فيمن سجد على جبهته ولم يمس أنفه الأرض، وهذا الحديث يقول: لا تقبل صلاة لا يمس الأنف ما تمسه الجبهة، يعني: أنه يجب أن يمس الأنف من الأرض ما تمسه الجبهة على حد سواء.إذاً ضمّن هذا الحديث جملة من الأحكام منها: أن الجبهة إذا مست شيئاً يختلف عن الأنف كالذي يسجد مثلاً على طرف سجاد أو بساط حصير فتمس جبهته السجاد وأنفه يمس التراب أن هذا في ظاهره لا تصح صلاته، كذلك أيضاً فإنه يتضمن أن الجبهة إذا مست الأرض ولم يمس الأنف كان مرفوعاً فإنه حينئذ تبطل في هذا الصلاة. حكي إجماع الصحابة عليهم رضوان الله على صحة الصلاة أو صحة السجود إذا مست الجبهة الأرض ولم يمس الأنف، قالوا: لأن المقصود من السجود هو وضع الجبهة لا وضع الأنف وهذا ظاهر في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم )، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( القدمان والركبتان والكفان )، قال: ( والجبهة وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنفه )، مع أنه ذكر الجبهة وأشار إلى أنفه يعني: أن حكمهما سواء، يعني: أنهما كالعضو الواحد. ونقول في هذا: إن ظاهر عمل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى أنهم يجعلون الجبهة تجزئ عن الأنف، أما الأنف فلا يجزئ عن الجبهة في ظاهر فعلهم، لأن مس الأنف للجبهة لا يسمى سجوداً، وإنما يسمى نقراً، فمن وضع أنفه على الأرض فإنه ما سجد، هذا نقر، وإذا وضع جبهته ولم يضع أنفه سجد، ولهذا تجد العلماء عليهم رحمة الله ينهون أن يضع الإنسان جبهته عند تقبيل معظّم، كتقبيل يد والده أو شيخاً كبيراً، فلا يضع جبهته عليه لأن هذا سجود فينهى عنه، وإنما يقبل، فإذا قبل ربما مس أنفه الكف ولا يضر، لأنه لا يأخذ حكمه، كذلك أيضاً في مسألة الحجر الأسود في وضع الجبهة عليه، جاء هذا الحديث عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى يرويه محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا وإن كان ضعيفاً في المرفوع ولكنه جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله أنه كان يضع جبهته على الحجر وهذا سجود فذكر الجبهة.كذلك أيضاً أن الصحابة عليهم رضوان الله في ذكرهم للسجود لا يذكرون إلا الجبهة باعتبار أن الأنف تبع للجبهة وليست الجبهة تبعاً للأنف، ولهذا في حديثهم في الصلاة قالوا: كنا نضع ثيابنا يسترون جباههم من حر الأرض ورمضائها وذلك دليل على أن العبرة بالجبهة وليس العبرة بالأنف.
 الصحابة مدارس فقهية
كذلك أيضاً عن بعض الصحابة عليهم رضوان الله الذين لهم مدارس فقهية كبعض الخلفاء الراشدين كـعلي بن أبي طالب و عثمان ، وكذلك أيضاً لـعمر بن الخطاب ، وكلما ارتفع قلت المدرسة الفقهية، لقلة الرواية، فلو سألنا: لماذا قل الفقه عن أبي بكر الصديق ؟ قل الفقه عن أبي بكر الصديق عليه رضوان الله لأنه حديث عهد برسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعمر بعد النبي إلا سنتين، فلم يحتج إلى فقهه فلم يكن ثمة مساحة لحدوث نوازل يحتاج إليه فيها، ولو مكث ثلاث سنين لجاءت الرواية عنه أكثر، ولو مكث أربع لكثرت، ولو مكث خمساً لكثرت، ولهذا جاء عن عمر أكثر من أبي بكر ، وجاء لمن بعدهم في حال عثمان وكذلك أيضاً علي بن أبي طالب عليهم رضوان الله تعالى كذلك، فكلما تأخر جاء أكثر عنه، لهذا عبد الله بن عباس أكثر من الخلفاء الراشدين لكثرة فقهه، ومن نظر في كتب المصنفات يجد هذا كذلك.كذلك أيضاً عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تجد أنه أقل من عبد الله بن عباس ، لأنه توفي قبل، مع أن ابن مسعود هو أفقه من عبد الله بن عباس عليه رضوان الله ولكنه توفي مبكراً فقلت الرواية عنه، وقد توفي في عام اثنين وثلاثين للهجرة بخلاف عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى فقد مكث بعده حوالي أربعين سنة، وهذا دليل على وفرة الفقه وحاجة الناس إليه وكثرتهم. لهذا نقول وننبه ونؤكد أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني في هذا الباب حتى يجمع بين هاتين المدرستين فتتكون لديه آلة نقدية غائبة في مسلك الظاهريين في هذا، وبالله التوفيق، والإعانة، والسداد.وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحاديث المعلة في الصلاة [40] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net