اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الفتنة حقيقتها والموقف منها للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الفتنة حقيقتها والموقف منها - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
الفتنة في لغة العرب المراد بها الابتلاء والاختبار بجميع أنواعها، والفتنة في كلام الله جل وعلا لا تخرج عن المعنى اللغوي، وقد اطلقت الفتنة في كتاب الله على أمور: الكفر فهو أعظم فتنة، وفتنة تغير المعاني والحقائق، وفتنة المصائب والشدائد التي تلحق الإنسان، وفتنة الإنسان بالنعيم. ومن علاج الفتن: الوقوف ومعرفة الفتنة في ذاتها فهو من أعظم ما يعطي الإنسان قدرة على التعامل معها، وهذا هو أول علاجها، ومن العلاج للفتنة: أن يتبصر الإنسان بمعناها وأنواعها، فإذا عرف نوع الفتنة استطاع أن يتعامل معها، ومن العلاج أيضاً: الإقبال على العلم والعبادة، والتعوذ من الفتن، وعدم التعرض لها.
توضيح السبيل لهذه الأمة وما يترتب عليه
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فإن الله سبحانه وتعالى قد أكرم هذه الأمة ببيان المحجة، وبيان السبيل ووضوح الطريق، وكلما كانت الأمة أوضح طريقاً كانت عند الله عز وجل أحظى وأقرب، وكلما بعدت من جهة سلوك السبيل فهذا أمارة على عدم وضوح سبيلها، والله جل وعلا قد جعل الناس على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، والمراد بذلك أن الله سبحانه وتعالى قد جعل كرامة هذه الأمة لها أثر على عاقبتها، والمراد بذلك أن وضوح السبيل الذي جعله الله عز وجل في كتابه العظيم، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتضح أثره في أفعال الأتباع والمنقادين لهديه عليه الصلاة والسلام، ويتضح أثره أيضاً بالعاقبة التي جعلها الله جل وعلا في الجنة لمن انقاد واتبع، ولهذا كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكثر الأمم، وذلك ما كان ليكون إلا لأن هذا السبيل أوضح السبل، ولكن ينبغي أن نعلم أن المخاطب إذا وضح له السبيل، واتضحت له الحجة والبينة فإن العقاب عليه إذا خالف أعظم وأشد، وهذا يعلم بالعقل، ويعلم بالنقل، وذلك أن الإنسان إذا خاطب أحداً ووضح له العبارة وأعاد عليه الحجة، وكررها عليه، وهو حاضر الذهن فإن عقابه إذا خالف أعظم من عقاب غيره ممن يتكلم معه بكلام مجمل، أو أتاه عبارة واحدة من غير يقظة وانتباه، وهذا أمر معلوم.ولهذا ينبغي أن نعلم كما أن الأمة مرحومة بكثرة دخولها في الجنة، فليعلم أن هذه الأمة من خالف أمر الله سبحانه وتعالى فيها، فإنه أسوأ حالاً ممن يخالف أمر الله جل وعلا من الأمم السابقة كبني إسرائيل وغيرهم، ولهذا نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يلتمس مواضع الحجة في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتضح له السبيل، ويسلم له الطريق، وتحسن له العاقبة، فإذا كان كذلك كان من أهل النجاة والفوز والتمكين في الأرض، وكذلك الثواب العظيم عند الله سبحانه وتعالى.
 

أهمية معرفة الفتنة وحقيقتها
في هذا المجلس كما في العنوان المذاع هو الفتنة حقيقتها، والموقف منها أو كيفية التعامل معها، هذا الموضوع إذا أردنا أن نتكلم عليه بجميع جوانبه أصولاً وفروعاً، فإننا نحتاج إلى مجالس متعددة، وذلك لأهميته من جهة معناه، وأهميته من جهة أثره على الإنسان فرداً وكذلك أثره على الأمة عموماً، وتباين مقاصد الشرع في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا المعنى معنى الفتنة يجعلنا بالأهمية أن نبين هذه المقاصد ولو على سبيل الإجمال حتى يكون الإنسان على بينة.إن الفتنة إذا أراد الإنسان أن ينظر إليها غالباً ما يجعلها في أبواب الشر في ظاهرها، ولكن الله جل وعلا قد يبلو الإنسان بالخير، ولهذا قال الله جل وعلا: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً[الأنبياء:35]، أي: إن الله سبحانه وتعالى قد يبتلي الإنسان بشيء من الخير يظنه في ظاهره خيراً، ولكن الله جل وعلا أراد به شراً ابتلاءً وامتحاناً واختباراً، ولهذا الله سبحانه وتعالى أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يستعيذ من بلاء الخير ومن بلاء الشر؛ لأن كله فتنة، وأعظم ما يرزق الله جل وعلا عباده في هذه الدنيا من خير هو المال والبنون، وقد سماها الله جل وعلا فتنة أيضاً، سماها في موضع أنها خير ما يؤتى الإنسان في مواضع متعددة من كلام الله وفي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام قد جعل خير متاع الدنيا هي النساء، وسماها الله جل وعلا والنبي عليه الصلاة والسلام فتنة، فتنة الرجل في أهله وولده وماله. وهذا يجعلنا نبين أن الفتنة إذا أرادها الله سبحانه وتعالى بعبد مكر له في أمر الشر، أو مكر له في أمر الخير، وأرداه سبحانه وتعالى، ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون على بصيرة بحقائق الشرع ملتمساً رضا الله جل وعلا، أن يكون أيضاً صادقاً مع الله سبحانه وتعالى في التماس الخير، بالتماس المعاني التي يريدها الله سبحانه وتعالى. ‏
 معنى الفتنة في كلام الله وكلام رسوله
الله جل وعلا أطلق أمر الفتنة في كل ما غير حال الإنسان، أو جعله يضطرب وتتغير حاله على أي وجه كان حتى لو كان إلى الأمر الأخيَر، فإن الإنسان ربما يتغير حاله من فقر إلى غنى، فإن هذا من أمر الفتنة لينظر الله عز وجل في أمره، هل يشكر الله جل وعلا؟ أو أن الله جل وعلا جعل إصلاحه في الفقر، ثم أغناه ليفسد حتى يختبر الله جل وعلا أمره وحاله؟ هل يئوب الإنسان إلى الله جل وعلا؟لهذا نقول: إن معنى الفتنة في كلام الله هو الابتلاء والاختبار على أي وجه كان، فإن فهم هذه الحقيقة تؤدي إلى فهم تعامل الإنسان معها، تعامل الإنسان مع الفتنة هو فرع عن تصور حقيقتها، وفهم أيضاً عن تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنواعها أصلاً وفرعاً، مع أنواعها فيما يتعلق بالأمة عامة، ومع أنواعها فيما يتعلق بالأفراد، لهذا ينبغي للإنسان أن يسبر كلام الله جل وعلا، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الفتنة، وإذا قلنا: إن الفتنة في لغة العرب هي الامتحان والاختبار والابتلاء الذي ينزله الله جل وعلا بعبده على أي وجه كان، هذا يجرنا إلى أمر مهم وهو أن ما يذكره الله جل وعلا من معاني الفتنة واشتقاقاتها في كتابه العظيم، وكذلك في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه المعاني التي يذكرها الله جل وعلا متداخلة، بينها شيء من العموم وشيء من الخصوص. وإدراك مقاصد الله جل وعلا في كتابه العظيم في مراده في الفتنة، وكذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفيد الإنسان في التعامل معها، ولهذا نقول دائماً: إن الإنسان إذا أراد أن يحسن التعامل مع شيء فليعرف حقيقته، فإنه إن جهل حقيقته فإنه يسيء التعامل معها، وبقدر جهله لتلك الحقيقة يجهل الإنسان التعامل معه، ولهذا قيم الأشياء تتباين، سواءً كانت جواهر أو ذوات، أو كانت من المعاني مما لا جسم له ولا جرم، الإنسان إذا جهل القيمة لا يحسن أن يتعامل معها، ولهذا قد جاء في السنن، وكذلك أخرجه مسلم في المقدمة في حديث عائشة لما جاء رجل إلى عائشة عليها رضوان الله تعالى له هيئة فأجلسته وأعطته، فلما جاء رجل آخر، فأعطته كسرة، فقيل لها في ذلك، فقالت عائشة عليها رضوان الله: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم.هذا الإنزال ما كان ليكون من عائشة إلا وقد عرفت حقائق الناس، ولهذا ينبغي أن نعلم أن الحقائق التي تكون في الذوات يتفرع عنها أشياء كثيرة متعدية في ذات الحقيقة التي كانت في ذلك الشيء، أو ردود الفعل في تعامل الناس مع تلك الحقيقة، لهذا ينبغي للإنسان أن يعرف مواضع الإطلاق في كلام الله جل وعلا، ومواضع التخصيص كذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.الفتنة في كلام الله جل وعلا لا تخرج عن المعنى اللغوي، فكل شيء كما تقدم أحدث اختباراً وابتلاءً في الإنسان، وجعله يضطرب، وتتغير حاله ظاهراً وباطناً فهذا نوع من الفتنة، ولهذا يفتن الذهب بوضعه على النار حتى يصاغ، وكذلك أيضاً إذا صيغ بعد ذلك فإنه يفتن، وربما تغيره أيضاً من سائل إلى جماد يسمى فتنة؛ لأن هذا نوع من تغير الجوهر من حالة إلى حالة وصورة إلى أخرى.
مواضع ذكر الفتنة في كتاب الله عز وجل
إن الله سبحانه وتعالى ذكر الفتنة في كتابه العظيم على مواضع متعددة أهمها: ‏
 فتنة الإنسان بالنعيم
والنوع الرابع في ذلك: هي فتنة الإنسان بالنعيم، وهي ما تسمى فتنة الإنسان في أهله وولده وماله، وهذا هو النعيم، الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35]، الله سبحانه وتعالى ذكر بلاء الإنسان بالموت، وبين أن الإنسان يبتلى بقبض نفسه، أو يبتلى بقبض نفس غيره، وبلاؤه بقبض نفسه؛ لأن ذلك يفضي إلى فتنة القبر، والنبي عليه الصلاة والسلام قد استعاذ كما جاء في الصحيح قال: ( اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر، ومن عذاب القبر، ومن فتنة النار، ومن عذاب النار )، فثمة فتنة يفضي إليها.كذلك أيضاً في الاحتضار نوع من البلاء الذي ينزل على الإنسان، فربما أفضى به إلى شيء من القنوط، ولا يقنط من رحمة الله إلا من سلب الإيمان والعياذ بالله، لهذا نقول: إن ابتلاء الإنسان بشيء من الخير هذا أيضاً له وجه من الخطورة باعتبار أن الناس لا يدركون هذا، يظنون أن الفتنة هي سلب المال، سلب الولد، سلب الخير والرزق الذي يؤتاه الإنسان، بل إن المال قد يكون فتنة للإنسان، فينبغي له أن يحذر من ذلك، ولهذا قال الله جل وعلا مبيناً بعد أن بين أن قبض الأرواح ابتلاء من الله جل وعلا أنه ينبغي للسامع ألا يظن أن الفتنة من هذا النوع من البلاء، بل إن الله جل وعلا يقول: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35]، أي: أن الله سبحانه وتعالى ربما أعطى الإنسان شيئاً من أنواع الفتنة وهي على مراتب متعددة.أعظم هذه المراتب ظهوراً: أن الخير إذا أعطاه الله جل وعلا الإنسان فصرفه ذلك الخير عن شيء من معاني الحق فإن هذا من الفتنة التي يقع فيها الإنسان، كأن يكون الإنسان مثلاً مصلياً صائماً قائماً، فرزق مالاً، أو رزق ذرية، فقلت عبادته وقلت دعوته، أو قل إيمانه، أو قلت صلاته، أو قل تسبيحه وذكره، فهذا نوع من الافتتان الذي يقع فيه الإنسان.النبي عليه الصلاة والسلام قد مر به كما جاء في حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: ( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً على المنبر، فقدم الحسن والحسين يعثران وعليهما ثوبان أحمران يعثران بثوبيهما، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما فوضعهما عليه، فقال: صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال:28] )، هذا المقدار من الفتنة ما الذي قصده النبي عليه الصلاة والسلام؟ قصده أن ثمة قدراً لا يدركه إلا من هو في مقام النبوة أو من ورثة الأنبياء، وهو الذي يدرك معنى دقيقاً يصرف الإنسان عن شيء فاضل إلى شيء مفضول، فالنبي عليه الصلاة والسلام نزل إلى الحسن والحسين وترك الخطبة، وهذا معنى دقيق لا يفوت خيراً فإن الصحابة ينتظرون، ولكن هذا المعنى الدقيق هو الذي أدرك النبي عليه الصلاة والسلام أنه قد ابتلي به وفتن عليه الصلاة والسلام، الله عز وجل قد يفتن نبياً من أنبيائه، ولهذا قال الله عز وجل: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص:34]. والفتنة تقع على النبي كما تقع على غيره، ولكن مقدار الفتنة على النبي أمر دقيق يدركه النبي من جهة إدراك معناه، ومن جهة أثره عليه، ولو كان أمراً دقيقاً، مثل هذا الأمر لو وقع من آحاد الناس ولو من العباد لما أدرك معناه، ولكن النبي عله الصلاة والسلام لما كان الكمل من العباد يدركون أن فتنتهم في ذلك هو أن يصرف عن معنى فاضل، ولو لمعنى دقيق، أو لحظات يسيرة إلى شيء مفضول، ولو كان ذلك في ذاته له معنى من جهة الحقيقة.بعض الناس وخاصة المتعلمين أو المثقفين ونحو ذلك، في أبواب الفاضل والمفضول يقعون في الفتنة ويتلبسون فيها كثيراً، وسبب الوقوع في الفتنة هو الجهل بين حقائق الأشياء، الأشياء بينها حقيقة إذا جهل الإنسان أحدها وقع في الفتنة؛ لأنه جهل المقدار الفارق بين الشيئين، والمقدار الفارق بين الحقيقتين يجعل الإنسان يقدم إحداهما على الأخرى ربما لحظ خارج عن تلك الحقيقتين، ويظن أنه نظر إلى الحق متجرداً، وهذا من المعاني التي ينبغي للإنسان أن يكون على بصيرة فيها.العلماء يفتنون، الصالحون، طلاب العلم، مهما بلغ الإنسان من العلم ربما يفتن بشيء من أنواع الفتنة، وسبب ذلك أن الإنسان ينصرف أو يستجلب، أو ربما يستدعي الشيطان لديه النصوص من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضائل شيء بذاته بعيداً عن مقارنته بغيره، في أيهما أفضل زماناً ومكاناً وحقيقة، ثم يقدم غيره إذا فصله عن تركيبته تلك، فيقدم غيره فيقع في شيء من الافتتان لا يدركه الإنسان، وإذا نظر إلى ما قدم، ونظر إلى النصوص من الكتاب والسنة سلى نفسه أنه مشغول بشيء من الصالحات، أو مشغول بشيء من المعاني العظيمة الجليلة، وقد ورد فيها كذا وورد فيها كذا، هذا نوع من تلبيس إبليس على العلماء وعلى المثقفين، وعلى أهل المعرفة والعقل والدراية، لهذا نقول: إن أنواع الفتنة على مراتب متعددة، ولهذا الإنسان يبلى بالفتنة أياً كانت مرتبته.يقول عبد الله بن مسعود كما روى ابن جرير الطبري من حديث القاسم قال عبد الله بن مسعود في قول الله جل وعلا: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25] قال: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على الفتنة، ومراده بالاشتمال، أن هذه المعاني من الفتنة لا يدركها الإنسان من جهة حقيقتها يخلط في أبواب المفاضلة، ينظر بعين واحدة إلى جزئية معينة، أما من جهة ترك تلك لأجل تلك، ومقدارها في الشرع، مقدارها من جهة الزمن والحال، ومقتضى الكلام والقول أو العمل، فإن هذا من تلبيس إبليس ربما على كثير من الصالحين.ابتلاء الله عز وجل لعبده بالخير والشر، هذا أمر معلوم ومشاهد، الحقيقة التي ينبغي أن تعلم في ابتداء الدخول في هذا النوع من أنواع الابتلاء، وهو ابتلاء الإنسان بالخير وبالنعمة، أن يعلم الإنسان أنه يبتلى بالخير كما يبتلى بالشر على السواء، ولما كان الناس ينظرون إلى النظرة المادية يظنون أن الابتلاء يكون بالسلب، لا يكون بالعطاء، يكون بسلب الله عز وجل الخير لا يكون بعطائه، وهذا هو نوع جهل بحقائق المعاني الشرعية من جهة الأصل، وكذلك بمراد الله سبحانه وتعالى بعباده، السنن الكونية في الأمم، فإن الله عز وجل يبتلي الأمم بالنعيم والإغداق عليهم، كما ابتلى الله عز وجل كثيراً من القرى بأن أغدق عليهم بالنعم، ورزقهم من الطيبات والثمرات بما يشتهون منها، وذلك لينظر هل يشكروا أم يكفروا، وابتلى الله عز وجل في ذلك سليمان، وابتلى في ذلك داود وابتلى في ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ولهذا نقول: إن الإنسان قد يبتلى بالخير فلا يصبر ولا يستطيع الصبر، وقد يبتلى بالشر ويستطيع مع ذلك الصبر، ومن نظر إلى حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد أنه يتقلل من الدنيا، ولا يتقلل عليه الصلاة والسلام كثيراً من التعرض للبلاء، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يهاجر ويذهب إلى دعوة القبائل، ويقاتل في سبيل الله، ويقود السرايا والجيوش ونحو ذلك، لماذا النبي عليه الصلاة والسلام تقلل من أمر الدنيا؟ لأن سلبها أمر عظيم وثقيل على الإنسان، وذلك أن البلاء الذي ينزل بالإنسان ربما في الغالب يكون بلاء في ذات الإنسان خاصاً به، ربما لا يعلم به أحد، ربما ينزل به مرض ويصبر عليه إلى أن يموت، أو ينزل به مثلاً نازلة يستطيع الإنسان أن يكتمها، ولكن بالنسبة للنعيم إذا رزق الله عز وجل عبده نعيماً ثم سلبه منه، فإن ذلك مدعاة إلى شماتة الناس، مدعاة إلى محاولة الإنسان للكذب أو التشبع بما لم يعط، أو مسايرة الناس حتى يعيدوا له حقه المسلوب ونحو ذلك، أو كذلك النهم الذي غرس في الإنسان من محبة الزيادة بالمال، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لو أعطي ابن آدم وادياً من ذهب لابتغى لهما ثالثاً ).لهذا نقول للإنسان: إنه إذا ابتلاه الله عز وجل بالخير فليعلم أن هذا الابتلاء يستوجب يقظة، وهذه اليقظة على أمور: منها أن يعرف حاله قبل تلك النعمة، وثباته على تلك الحال من عدم تغير في أمور العبادة، أمور الصلاة، أمور الصدقة، أمور الإحسان إلى الغير، النظر إلى الفقراء القلب من جهة النظر إلى الفقير المحتاج المعوز الضعيف، نصرة المظلوم، المشي مع صاحب الحاجة، يجد الإنسان في حال فقره وضعفه يجد في ذلك حباً للفقراء والمساكين، وحباً مثلاً لمعاشرتهم ونحو ذلك، وأما إذا أعطاه الله عز وجل خيراً يجد من ذلك بعداً ونفرة منه؛ لأنه قد ارتفع طبقة عنهم، وهذا من الابتلاء والفتنة التي يقع فيها الإنسان ليصرف الله عز وجل عبده إما إلى خير، وإما إلى شر.ولهذا الإنسان الذي يؤمن بقضاء الله عز وجل وقدره، يؤمن بحكمة الله سبحانه وتعالى، يؤمن بمكر الله عز وجل أن الله عز وجل إذا قدر له في ذاته أراد به خيراً فعليه أن يستغل الخير لصالح نفسه، وأنه إذا سلبه خيراً أن الله عز وجل أراد به خيراً أيضاً. قد جاء من حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى كما روى الحاكم وغيره، وجاء عند ابن عساكر أيضاً، قال عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى: إن الرجل ليحرص على الشيء من الإمارة والتجارة حتى يدنو منها ثم يأمر الله عز وجل ملكاً: أن ائت عبدي فلاناً فاصرفه عن ذلك الخير، فإني إن أيسره له يدخل النار فيصرفه الله عز وجل عنه فيتظنى العبد فيقول: غلبني فلان.. غلبني فلان.. غلبني فلان، وما هو إلا الله صرفه عنه.لهذا الإنسان في أبواب الخير وأبواب الشر عليه أن يعلق أمره بالله سبحانه وتعالى من جهة وهب الخير، ومن جهة أيضاً سلب الخير، الضراء التي تلحق بالإنسان أن الله عز وجل أراد به خيراً.اليوم يحدثني أحد الأطباء في معنى لطيف، ربطته بأمر الفتنة، وهو أن الإنسان قد يبتلى بمرض ويدفعه الله عز وجل عن شيء عظيم، وذلك أن أحد الأطباء يقول: وجد عندي مريض، وهذا المريض قد ابتلي بالسمنة المفرطة، وهذه السمنة أوشكت أن تؤثر على أمر القلب لديه، وأنه يوشك إذا زاد بضع كيلوجرامات من وزنه أن ذلك يودي بحياته، وهو لا يعلم بهذه الحال، فأصابه مرض هد من وزنه وأسقط، وقد حرص حرصاً شديداً على إنقاص الوزن فلم يستطع، أصيب بهم ومصائب في ماله وذهب شيء من ثرواته، وتأذى من ذلك أذية كثيرة نزل من وزنه شيء كثير، ثم عادت له عافيته، الله عز وجل يأخذ من عبده شيئاً، ويعطيه شيئاً، وكم من بلاء في الإنسان لا يدرك حقيقته، ينزل الله عز وجل عليه بلاءً آخر ليدفع عنه ضراء باطنة لا يدركها، فالله عز وجل يدرك من أمر عبده ما لا يدرك الإنسان من أمر ذاته، ولهذا الله عز وجل أمر الإنسان أن يبصر في نفسه، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21].الإنسان إذا كان يجهل ذاته فكيف يعلم غيره؟ ولكن الله عز وجل أراد بقوله: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] إشارة إلى حقيقة أنك تجهل ذاتك، وتجهل نفسك، فإذا جهلت ذاتك فإنك لغيرك من الأمور المنفكة عنك من باب أولى من أمر الجهالة، لهذا إذا نظر الإنسان إلى قضاء الله عز وجل وقدره، إذا نظر الإنسان إلى الخير أن الله عز وجل يبتليه به ابتلاءً لينظر حاله، أيشكر أم يكفر، فإن الإنسان يستطيع أن يتعامل مع الخير تعاملاً حسناً، ويوفق ويسدد في ذلك تسديداً عظيماً.
كيفية التعامل مع الفتنة حال وقوعها
أما ما يتعلق في مسألة التعامل مع الفتنة في حال نزولها في الإنسان، أو في حال نزولها في الأمة، الفتنة قد تعم وقد تخص، والفتنة قد تقع في الفرد وقد تقع في الفردين، قد تقع في العائلة ويسلم منها البقية، أو تقع في الأمة ويسلم منها فرد وعائلة، أو تسلم منها أحياء ومدن وبلدان، والله عز وجل يعمم ويخصص لحكمة عظيمة لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى ومن أراد من عباده سبحانه وتعالى.لهذا نقول: إن الوقوف ومعرفة الفتنة في ذاتها هو من أعظم ما يعطي الإنسان قدرة على التعامل معها، وهذا هو أول علاجها. ‏
 تبصر نوع الفتنة ومعناها
أعظم علاج للفتنة في ذات الإنسان هو أن يتبصر بمعناها وأنواعها، إذا عرف نوع الفتنة استطاع أن يتعامل معها، إذا عرف أنها كفر عرف أن كل دفع لهذا الكفر فليس من الفتنة؛ لأن الله عز وجل قد جعله حقاً في أبواب تحقيقها، النبي عليه الصلاة والسلام أمره الله عز وجل بالمقاتلة، مع أن القتل فتنة، ولهذا قال الله عز وجل: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217]، مع أن القتل يسمى فتنة، ولهذا جاء في حديث أبي هريرة السابق ( أن في آخر الزمان تكثر الفتن والهرج، والهرج هو القتل )، ولهذا نقول: إن الفتنة إذا كانت دنيا وفتنة عظمى فإن الفتنة الدنيا لا يجوز أن تسمى فتنة، وإنما تسمى أمراً خيرياً بحسب ما سماها الله عز وجل.القتل في سبيل الله شهادة، في هذا الموضع شهادة لماذا؟ لأنه لتحقيق التوحيد ودفع الفتنة الأعظم، ومن يأخذ معنى من المعاني الدنيا ويجعلها فوق العليا، هذا أيضاً وقع في فتنة أخرى، وهي قلب المعاني التي حذر الله عز وجل منها بقوله جل وعلا: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ [التوبة:48]، لهذا ينبغي للإنسان أن يعرف حقيقة الفتنة في ذاتها، وأن يضعها في موضعها، ثم يقوم بالتعامل معها.
التعامل مع فتنة الكفر والموقف منها
أول هذه الفتن التي تقدم الكلام عليها، وهي ما يتعلق بالكفر، وهي جزء من أجزاء النوع الثاني، وهو تغيير المعاني وقلبها. الكفر في ذاته قد يتلبس به الإنسان، ولا يتلبس الإنسان غالباً بالكفر إلا وهو متأول؛ لأن غالب الناس لا يريدون الكفر بذاته إلا المعاندون، ومن الناس من يعاند يعرف الحق بذاته ولكنه يعاند لكبر في نفسه وعناد، فهو يسول لنفسه حججاً بعد أن استقر في قلبه حب الباطل، وكذلك كراهية الحق، فكانت الحجة لتقرير الباطل تابعة للتقرير، وليست ناشئة عنه، وهذا مما وقع فيه كثير من المشركين كبني إسرائيل ممن كفر بموسى، كما في قول الله جل وعلا: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، وكذلك أيضاً من كفار قريش (فإنهم لا يكذبونك)، لا يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هؤلاء بآيات الله يجحدون في ظاهر الأمر، ولكن من جهة الحقيقة يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم.لهذا نقول: في موقف الإنسان من الفتنة أمر الكفر، وكذلك قلب المعاني بالنسبة للكفر أمر الله عز وجل بإزالة الكفر للناس، كما في قول الله جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]. كذلك أيضاً من وجوه درء تلك الفتنة هي المقاتلة وهو الجهاد في سبيل الله، كما قال الله جل وعلا: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193]، أمر الله عز وجل بمقاتلة المشركين؛ حتى لا تكون فتنة في الدين، فسمى الفتنة هي الكفر، وجعل ذلك القتال هو قتال في سبيله سبحانه وتعالى.
 تبصر نوع الفتنة ومعناها
أعظم علاج للفتنة في ذات الإنسان هو أن يتبصر بمعناها وأنواعها، إذا عرف نوع الفتنة استطاع أن يتعامل معها، إذا عرف أنها كفر عرف أن كل دفع لهذا الكفر فليس من الفتنة؛ لأن الله عز وجل قد جعله حقاً في أبواب تحقيقها، النبي عليه الصلاة والسلام أمره الله عز وجل بالمقاتلة، مع أن القتل فتنة، ولهذا قال الله عز وجل: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217]، مع أن القتل يسمى فتنة، ولهذا جاء في حديث أبي هريرة السابق ( أن في آخر الزمان تكثر الفتن والهرج، والهرج هو القتل )، ولهذا نقول: إن الفتنة إذا كانت دنيا وفتنة عظمى فإن الفتنة الدنيا لا يجوز أن تسمى فتنة، وإنما تسمى أمراً خيرياً بحسب ما سماها الله عز وجل.القتل في سبيل الله شهادة، في هذا الموضع شهادة لماذا؟ لأنه لتحقيق التوحيد ودفع الفتنة الأعظم، ومن يأخذ معنى من المعاني الدنيا ويجعلها فوق العليا، هذا أيضاً وقع في فتنة أخرى، وهي قلب المعاني التي حذر الله عز وجل منها بقوله جل وعلا: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ [التوبة:48]، لهذا ينبغي للإنسان أن يعرف حقيقة الفتنة في ذاتها، وأن يضعها في موضعها، ثم يقوم بالتعامل معها.
موقف الإنسان من فتنة قلب الحقائق والمعاني وعلاجها
أما المعنى الآخر وهو قلب المعاني والحقائق في الدين تسمية الخير بالباطل، والباطل بالخير، وكثير من المعاني كما في زمننا، ظهر تلبيس كثير من الناس يسمون الحلال بالحرام، والحرام بالحلال، وظهر التمسك بأقوال شاذة كثيرة جداً تظهر بين فينة وأخرى، وتشريعات باطلة قد استقر عليها الإجماع وهذا من أعظم الفتن. ‏
 الإقبال على العلم والعبادة وتجنب التقصير في أحدهما
ينبغي أن نعلم أن البلاء إذا كان جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفتنة إذا جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أطرأ على العالم وأطرأ على العابد، وأطرأ على سائر الناس؛ لهذا كلما ارتفع الإنسان في البابين باب العلم وباب العبادة، وأمن من مكر الله عز وجل، وأمن من الانصراف في أمر الفتن، وكان الإنسان من أهل الثبات والقوة في ذلك، كذلك أيضاً ألا يعتمد على أمر العلم وعلى أمر العبادة المجردة، بل يكثر من سؤال الله عز وجل الثبات، العبادة مع العلم هي التي تثبته، والعلم بلا عبادة يجعل الإنسان في مهب الريح، ولهذا أقول دائماً: إن العبادة بالنسبة للعلم كحال الأوتاد بالنسبة للفسطاط، الفسطاط مهما كانت أعمدته، إذا كان ليس له أوتاد فإنه لا يثبت وتأتيه الريح، الإنسان قد يكون وتداً عظيماً جداً من جهة العلم، ولكنه ليس ثابتاً في الأرض تجتاله الأعاصير والرياح يذهب، وإذا كان عوداً يسيراً، أو من حديد، أو نحو ذلك اغرسه في الأرض ولو تأتي إعصار لا يزيله؛ لماذا؟ لأنه قد رسخ في أمر العبادة.لهذا نقول: إن أمر العبادة متلازم مع أمر العلم، كلما كثر الإنسان في أمر العلم زاد في أمر العبادة، وإذا زاد علماً ورأى أن العبادة تنقص فليعلم أنه مفتون، وأنه هش، لهذا ينبغي للإنسان أن يحذر من ذلك.كذلك أيضاً بعض الناس يبتلى بالتقصير في العبادة يقول: أنا واقع فيها بلا ريب، لهذا ينبغي له أن يبتعد لماذا؟ لأنه هش كحال الزجاج لا يتعرض لها، لا يتعرض لأمر الفتنة، ولو كان لديه شيء من العلم، وينبغي أيضاً ألا يكون ذلك من تلبيس إبليس عليه، أن يجعله مقصراً في ذلك، فيقصر في بيان الحق لماذا؟ لأنه من ذلك الصنف، ولديه قدرة على أن يبين الحق، ولهذا نقول: إن الإنسان إذا عرف أمر الفتنة وعرف أنواعها وعرف حقيقتها فإن الله عز وجل يوفقه إلى علاجها والموقف منها، وهذا فيما يتعلق بالنوعين الأولين وهو الكفر، والنوع الثاني قلب الحقائق والمعاني، وهذا من أعظم الفتن في زماننا أصولاً وفروعاً نرى خروقاً للإجماعات، وخروقاً مصادمة للأدلة الظاهرة من كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
موقف الإنسان من فتنة الابتلاء بالخير أو الشر
النوع الثالث: ما يتعلق بأمر الابتلاء، ما معنى الابتلاء؟ الابتلاء هو المصائب التي تحل بالإنسان، المرض، الإسقام، خسائر الأموال، التجارة ونحو ذلك، الفقر الذي يطرأ على الإنسان ونحو ذلك ما هو علاج ذلك؟ نقول: إن علاجه هو علاج سائر أنواع الفتن وهو الاستعاذة من الفتنة. ‏
 الاعتزال
إذا عجز الإنسان مثلاً عن معرفة حقائق الأشياء كأن يكون جاهلاً، عليه الاعتزال، والاعتزال في زماننا هذا أيضاً من الأمور الصعبة لانفتاح وسائل الإعلام، وسائل الإعلام الآن مفتوحة وصلت البراري والصحاري، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث عوف بن مالك كما في البخاري: ( اعدد ستاً بين يدي الساعة وذكر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة لا تدع بيتاً من بيوت العرب إلا دخلته )، كذلك أيضاً ما جاء في الصحيح في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان على أطم من آطام المدينة قال: ( أترون ما أرى إني أرى الفتن في بيوتكم كمواضع القطر )، كذلك أيضاً ما جاء في حديث حذيفة بن اليمان فيما رواه ابن أبي شيبة وكذلك نعيم بن حماد من حديث حذيفة بن اليمان أنه قال: ( ليوشكن أن ينزل عليكم الشر من السماء حتى لا يدع أرضاً إلا دخله حتى الفيافي. قالوا: وما الفيافي؟ قال: الأرض القفر ).ولهذا تجد الآن البث المباشر يأتي حتى للبادية، تأتي راعي الغنم لديه القنوات في الخيمة، ينظر إليها كما تنظر إليها في المدينة، أليس هذا هو الصحيح؟ صحيح، إذاً: ما هي مسألة العزلة؟ العزلة في ذلك في زمن يستطيع الإنسان أن يتحكم فيها، وأن يبتعد ويقلل من عرض الشر على ذهنه، يقلل من عرض الشر إذا كان لديه مثلاً ضعف في العلم، وضعف في الإيمان يقلل، ألا يقوم مثلاً على القنوات والشبهات، ثم بعد ذلك يقول: أريد أن أسلم تبحث عن حقيقة، ما لديك من قوة حتى تقاوم ذلك الشر؟ القوة البدنية في مقاومة الأعداء، الإنسان يهرب من الأعداء إذا قيل له: يوجد عشرة يريدون أن تقاومهم، هل يستطيع الإنسان أن يقاوم؟ عشرة عشرين ثلاثين، مائة، أو أكثر من ذلك، هل يستطيع وهو فرد ضعيف؟ لا يستطيع، هذا في المقاومة البدنية، كذلك في أمر العلم، لهذا ماذا يصنع؟ يقوم بعدم مواجهتهم والإعراض عنهم وعدم رؤيتهم، ولهذا عذر الله عز وجل نبيه في حال الكثرة المتكاثرة من المشركين ألا يقاتل ذلك؛ لأنه أخذ بالنظر المادي، وهو أمر معتبر.كذلك أيضاً بالقوة العلمية، إذا كان الإنسان ضعيفاً في العلم، يقوم بتجييش الجيوش عليه، وعلى إيمانه وقلبه والعرض بالقنوات والكتابات والمقالات ونحو ذلك، ثم إذا تغير يقول: أنا تغيرت، طبعاً أنت أقدم عليك من الجيش مائة ثم حطموك، هذا أمر طبيعي، ولكن لو لديك حصانة علمية وقوة وبسطة في العلم ما استطاع أحداً أن يضلك، ولكن الإنسان ينبغي أن نعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما نهى عن الإقامة بين ظهراني المشركين، الآن يستطيع الإنسان أن يقيم بين ظهراني المشركين وهو في جوار الكعبة، وهو النظر في أحوالهم من القنوات الفضائية، الآن في الجوال، في مواقع الإنترنت، وكذلك الكتب والمصنفات يقرأ في أقوالهم في رواياتهم في قصصهم، في كتب فكرية في كتب إلحادية ونحو ذلك، وهو عند الكعبة.إذاً: المراد بذلك هو الإقامة بين ظهراني المشركين وهم صم بكم لا، المراد التأثر بما يسمع وما يشاهد، ما يشاهد من أحوالهم، وما يسمع من أقوالهم، ويتأثر بذلك، إذا كان أصماً أعمى لا يسمع نقول: لا ضرر أن تقيم بين ظهرانيهم، إذاً: ليس المراد بذلك هو الجسد، المراد بذلك هو التلقي، لهذا نقول: في هذا الزمن الذي نحن فيه كثير من الناس يقيم بين ظهراني المشركين وهو لا يشعر، وهو في أوساط المسلمين، بل ربما في أفضل البقاع، لهذا ينبغي للإنسان أن يتوقع، هل هو خوف على الحق، وثمة قول يقوله كثير من الناس، لماذا تخافون من الباطل؟ لماذا لا تناظر، ولماذا لا تتكلم، نقول: يتكلم أهل العلم، أهل المعرفة، أما أنت فأنت هش كالذي يأتيه عشرة أو عشرون يقول: لماذا لا تخرج ونحو ذلك، أو لا تقاتل أو نحو ذلك، أقول: كيف أقاتل وأنا ضعيف، اذهبوا إلى من هو أقوى، ولهذا نقول في هذه المسألة فيما يتعلق في مسألة علم الإنسان وتمكنه من الشريعة ومعرفة مراد الله عز وجل، ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتن وأنواعها، وكذلك الشبهات والحقائق الشرعية وغيرها، فإن الإنسان إذا تمكن من ذلك استطاع أن يواجه الفتن مهما تعددت، إذا اعتمد على الله سبحانه وتعالى وتوكل عليه، وعليه أن يقلل من منافذ الشر لديه، وأن يسأل أهل العلم بذلك، فإنه إن كان كذلك ابتعد عنها ووقي.كذلك أيضاً مسألة مهمة: فيما يتعلق في أن الإنسان إذا تجرد بذلك كله، نقول: ينعزل، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي سعيد: ( يوشك أن يكون خير مال الرجل غنماً يتتبع بها شعف الجبال يفر بدينه من الفتن )، ولكن يكون معه غنم، ولكن لا يكون معه إنترنت في خارج في البر، ثم يتلقى المعرفة ويقول: أفر بديني من الفتن، هذا لا يفر بدينه من الفتن، الفتن تلحقه وقد ذهب بها.ولهذا يستطيع الإنسان في البادية يفر بجسده من الفتن من غير وسيلة، ويستطيع الإنسان في المدينة أن يفر بدينه من الفتن، والفرار هنا مسألة نسبية، يأخذ من ذلك شيئاً، يتوقع من بعض الفتن، يقلل من عرضها على قلبه، ( فإن الفتن تعرض على القلوب عوداً عوداً )، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.لهذا نقول: إن المعالجة لأمر الفتنة متعددة، وهي فرع عن معرفة حقيقتها، فإذا تبصر الإنسان بذلك وقي الفتنة، وأعانه الله سبحانه وتعالى، وسدده وأرشده.أسأل الله جل وعلا وإياكم أن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأسأله سبحانه وتعالى أن يعيذنا من فتنة النار، وعذاب النار، وفتنة القبر وعذاب القبر، ومن شر فتنة الغناء ومن شر فتنة الفقر إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الفتنة حقيقتها والموقف منها للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net