اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه الخلاف للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي


فقه الخلاف - (للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي)
إن الخلاف من ضرورات التعايش، فقد جعل الله البشر متفاوتين في الخِلقة والخلق والعقل، وهذا التنوع والاختلاف ناتج عن اختلاف العقول، ومن تفاوتت عقولهم فبالإمكان أن تتفاوت اتجاهاتهم، وألا تتحد رؤاهم ومواقفهم، وكل ذلك واقع، وفقه الخلاف يرتكز على بيان خطر الاختلاف والتحذير منه، وبيان أنواعه، وآدابه، وعلاجه، وما يجوز من الخلاف وما لا يجوز.
الخلاف من ضرورات التعايش
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.موضوع هذا الدرس:(فقه الخلاف)والعناصر التي سنتعرض لها فيه هي:أولاً: التحذير من الفرقة والاختلاف.ثانيًا: أنوع الخلاف.ثالثًا: آداب المتخالفين.رابعًا: علاج الخلاف.إن الخلاف من ضرورات التعايش، فقد جعل الله البشر متفاوتين في الخِلقة والخلق والعقل، وميَّز بعضهم على بعض، وهذا التنوع الذي جعلهم الله عليه مقتضٍ لئلا يتفقوا في بعض المسائل، وعدم اتفاقهم فيه إثراء وفائدة للبشر، وفائدة لأهل الأرض؛ فليس أصل الخلاف إلاَّ ممكنًا في كل أمرٍ نظرًا للتنوُّع، ولذلك يقول الحكماء: ما من أحدٍ إلا وهو راضٍ عن الله في عقله، وأقلهم عقلاً أرضاهم به، فأقل الناس عقلاً يظن أنه أعقل الناس، ومن هنا من تفاوتت عقولهم فبالإمكان أن تتفاوت اتجاهاتهم، وألاَّ تتحدد رؤاهم، وألاَّ تتحد مواقفهم، وكل ذلك ممكن.
 

التحذير من الفرقة والاختلاف
أول عنصرٍ أبدأ به هو ما جاء من النصوص في التحذير من الفرقة والاختلاف.فأقول: إن الله سبحانه وتعالى قد حذَّر من الفرقة والاختلاف في كثير من الآيات في القرآن، فقد قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ[الأنفال:45-46]، وجعل الاختلاف نوعًا من أنواع العذاب فقال: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ[الأنعام:65] ، فجعل العذاب ثلاثة أقسام:- عذابًا منزلاً من الأعلى.- وعذابًا خارجًا من الأسفل.- وعذابًا في الوسط، وهو الخلاف.وجعله -كذلك- مظهرًا من مظاهر الشرك فقال: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ[الروم:30-32]، و(من) هنا بيانية، أي أن المشركين هم الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعًا.وجعله منافيًا للرحمة فقال: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ[هود:118-119].وبيَّن براءة النبي صلى الله عليه وسلم من المختلفين فقال: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ[الأنعام:159] .وحض على اجتماع الكلمة وعلى التعاون فقال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ[المائدة:2] ، وقال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[آل عمران:103-105] .وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفرقة والاختلاف، وجعل ذلك عامل هدم للأمم؛ فقد صح عنه أنه قال: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) وقال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).
 

أسباب الخلاف
حذر صلى الله عليه وسلم من كل ما يؤدي إلى النزاع والخلاف؛ فقد ذكر الله سبحانه تعالى في كتابه أسباب النزاع؛ فذكر في سورة الحجرات وحدها ثلاثة عشر سببًا من أسباب النزاع وحسمها جميعًا.
 الدعاوي الباطلة
السبب الثالث عشر: الدعاوي الباطلة، بأن يدعي الإنسان ما ليس له، وقد حذر الله منه بقوله: قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[الحجرات:14] .فهذه ثلاثة عشر سببًا من أسباب الفرقة والاختلاف تضمنتها هذه السورة الكريمة، وحسمت مادتها بالكلية.
أنواع الاختلاف
العنصر الثاني من عناصر هذا الدرس هو: أنواع الاختلاف، ومن المهم أن نعلم أن الخلاف ينقسم إلى:1- خلاف في التنوع.2- خلاف في التضاد.
 اختلاف التضاد
الخلاف المذموم هو اختلاف التضاد، وهو أنواع، ويرجع جمهورها إلى أربعة أنواع:1- الخلاف السياسي.2- الخلاف العقدي.3- الخلاف الفقهي.4- الخلاف المنهجي الدعوي.النوع الأول: الخلاف السياسي: وهو أول خلاف شهده المسلمون، وقد عُرف في الأمم السابقة أيضًا، وهو الخلاف فيمن يحكم؟ هل فلان بعينه يستحق ذلك ويكون هو الحاكم أو السلالة المعينة الفلانية؟وهذا خلاف عصف بالأمم السابقة، وحصل -أيضًا- في صدر هذه الأمة، حيث اختلف الناس على ثلاثة مذاهب:المذهب الأول: خص الخلافة بأسرة واحدة هي أسرة علي بن أبي طالب ، وهذا مذهب الشيعة.المذهب الثاني: عممها في سائر المسلمين، وهذا مذهب الخوارج كما قالوا:ألم تر أن الله أظهر دينهوصلت قريش خلف بكر بن وائلالمذهب الثالث: خصها بقبيلة، وهو مذهب أهل السنة، حيث جعلوها في قريش.وقد استمر هذا الخلاف السياسي، وتوصلوا إلى أن ينقل الخلاف من الأشخاص والسلالات إلى الصفات، فتحدد صفات معينة وشروط معينة مستنبطة من الوحي، وتطبق على الناس، ومن كانت أبلغ فيه وأمكن؛ كان محل اتفاق، وكان أولى ولا محالة.ومما تجدر الإشارة إليه في الخلاف السياسي أنه لا يحل أن يكون حافزًا للتنكر للحق ومعارضته، فمن المعقول أن تقع معارضة في السياسية، لكن لابد أن تكون تلك المعارضة للباطل، فلا يمكن أن تكون معارضة للحق والباطل معًا أو للحق، فهذا غير مقبول شرعًا ولا عقلاً.النوع الثاني من أنواع الخلاف: الخلاف العقدي، ومن المعلوم أن أصول الدين الأصلية: هي الثوابت التي لا يقبل الخلاف فيها، وقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل في قوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) فهذه الستة الأمور هي أركان الإيمان، من آمن بها ولم يزد عليها دخل الجنة، ويبقى تفصيلاتها وجزئياتها، منها ما حسمته النصوص، ومنها ما ترك للاجتهاد، وما ترك للاجتهاد فيه خلاف كثير، وما وردت فيه النصوص منها ما لم يكن صريحًا قطعي الدلالة، ومنها ما كان قطعي الدلالة، لكنه غير قطعي الورود، فكان ذلك مثارًا للخلافات، وتلك الخلافات ينبغي أن يقتصد فيها، و ألاَّ يفتح الإنسان أمام تنوعها، والمخاصمة فيها، ولهذا حذر الله من الجلوس مع الذين يخوضون في آياته فقال: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[الأنعام:68-69]، وقال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا[النساء:140]، وقد كان أئمتنا يكرهون الخوض في ذلك، قال مالك للرجل الذي جاء يسأله في بعض تلك المسائل: (أرأيت إن جاء من هو ألسن منا فخالفنا -خالف ما أنا عليه وما أنت عليه- وأتى بقول أظهر لسنًا وحجةً أتتبعه؟ قال: نعم، قال: فإن جاء من هو ألسن منه وأقوى حجة؟ قال: تبعته، قال: ما هي إلا سلسلة متصلة ......).وأتاه أحد القدرية فقال: أريد المجادلة في القدر، فقال: (أما أنا فعلى بينة من أمري، وأنت شاك؛ فاذهب إلى شاك مثلك فجادله).وعندما سأله رجل عن صفة الاستواء قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ وما أراك إلا صاحب سوء، أخرجوه عني).وقد كان كثير من الأئمة يتحرزون من الكلام في هذه الموضوعات، ويقولون: (سلني عما إذا أخطأت فيه قلتَ: أخطأتَ، ولا تسلني عما إذا أخطأت فيه قلتَ: كفرتَ).وقد توسع الناس -وبالأخص في أيام المتأخرين- في المناظرات العقدية والخلافات التي شغلوا بها الأمة، وأكثروا فيها من التعصب والفرقة، والأمة في غنىً عن الخوض فيها أصلاً، فقد قال العلامة الشيخ بابا بن الشيخ سيديا :كن للإله ناصرًاوأنكر المناكراوكن مع الحق الذييرضاه منك دائراولا تعد نافعًاسواءه أو ضائراواسلك سبيل المصطفىومت عليه سائرافما كفى أولنـاأليس يكفي الآخراوكل قوم أحدثوافي أمره مهاجراقد زعموا مزاعمًاوسودوا دفاتراواحتنكوا أهل الفلاواحتنكوا الحواضراوإن دعا مجادلفي أمرهم إلى مرا(فلا تمارِ فيهمإلا مراءً ظاهرا)ويقول أيضًا: آمن أخي واستقمْونهج أحمد التزمْواجتنب الطرق لاتغررك أضغاث الحلمْلا خير في دين لدىخير القرون قد عُدِمْأحدثه من لم يجئقطع بأنه عصمْمن بعد ما قد أنزلت(اليوم أكملت لكمْ)وبعد ما صح لدىجمع على غدير خمْادعُ إلى سبيلهوخص في الناس وعمْوقل إذا ما أعرضوا(عليكمُ أنفسكم)والخلاف العقدي منه الخلاف السلوكي، كالخلاف مع الصوفية، وهو داخل فيما سبقت الإشارة إليه.النوع الثالث: الخلاف الفقهي:الخلاف الفقهي: وهذا الخلاف أغلبه إما في اعتبار الدليل دليلاً، أو الخلاف في دلالته، أو بسبب عدم بلوغه أصلاً.وأسباب هذا الخلاف أرجعها العلماء إلى اثني عشر سببًا، والأصل فيه أنه إثراء للفقه، وتوسعة على الأمة، وعناية بدراسة الشرع؛ لذلك ينبغي ألاَّ يلحق بخلاف التضاد، وإنما ينبغي أن يجعل من خلاف التنوع؛ وذلك إذا خلا أهله من التعصب، وعرفوا أن الأمور الاجتهادية وسع الشارع فيها ولم يحسمها بالدليل؛ لحصول التوسعة فيها، فهي من العفو، ولذلك قال الشعراني : (إن للشريعة سورين: سور الرخصة وسور العزيمة، والمتخالفان من أهل المذاهب داخل هذين السورين، فمن نحا جهة التحريم فقد اقترب إلى سور العزيمة، ومن نحا إلى جهة الإباحة فقد اقترب إلى سور الرخصة، والجميع بين سوري الشريعة).الخلاف المنهجي:النوع الرابع: الخلاف المنهجي: ومن أبرز أمثلته الخلاف الدعوي بين المناهج الدعوية المختلفة، وهذا الخلاف هو مثل الخلاف الفقهي، فلا شك أن الدعوة يُحتاج فيها إلى توسيع المدارك وتنويع الوسائل، وينبغي أن تكون مناهجها كجوارح البدن؛ فللبدن عين لا يمكن أن تقوم مقامها الأذن، والأذن لا يمكن أن تقوم مقامها الرجل، والرجل لا يمكن أن تقوم مقامها الشفتان أو الفم مثلاً، والفم لا يمكن أن تقوم مقامه اليد.. وهكذا، فكلها جوارح مفيدة يحتاج إليها، والقلب يوجه الجميع، ويستفيدوا منه، وهي وسائل إدراكه، فهكذا ينبغي أن يكون التنوع في المناهج من باب التنوع لا من باب التضاد، ولكن مع ذلك قد جعل في كثير من الأحيان من باب التضاد، وما ذلك إلا للتعصب المقيت الذي نحن في غنى عنه.هذه هي أهم أنواع الاختلاف.
الآداب التي يقتضيها الاختلاف
العنصر الثالث: الآداب التي يقتضيها الاختلاف:ينبغي أن نعلم أن المتخالفين لابد أن يكونوا غير معصومين، فليس فيهم معصوم، فالمعصوم يلزم الانقياد له مطلقًا، ولا عصمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، والمعصوم بعده الإجماع فقط، أما إذا حصل الخلاف فلا عصمة حينئذٍ.وهنا عشرة آداب لابد من استحضارها في مسائل الخلاف:
 عدم التشدد مع المؤمنين
الأدب العاشر: عدم التشدد مع المؤمنين: فالتشدد إنما يكون مع الكفار، أما المؤمنون فحقهم الرحمة كما قال الله تعالى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ[الفتح:29] ، وكما قال الله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ[المائدة:54] .فالتشدد مع المؤمنين والتساهل مع الكافرين إنما هو دأب الخوارج والملحدين؛ ولذلك فإن الخوارج ذبحوا عبد الله بن خباب بن الأرت رضي الله عنهما على شاطئ الفرات، فاستطال دمه حتى قطع النهر، وجلسوا تحت ظل نخلة لرجل من أهل الذمة يختصمون فيما بينهم، فقال بعضهم لبعض: إنكم قد جلستم في ظل هذه النخلة، ولم تستأذنوا صاحبها، وهو من أهل الذمة، فإما أن ترضوه، وإما أن تَكْفُرُوا، فذهبوا إليه يريدون أن يرضوه عن جلوسهم في ظل نخلته بما أراد من المال، فقال: عجبًا عمن يتورعون عن ظل نخلة لرجل يهودي ويستبيحون قتل عبد الله بن خباب!!ومثل هذا قول ابن عمر: (يا أهل العراق! تستبيحون قتل الحسين في الشهر الحرام، وتسألون عن دم البعوض في الحرم).
علاج الخلاف
نصل إلى العنصر الرابع من عناصر هذا الدرس، وهو: العلاج للخلاف إذا حصل: ظاهرة الخلاف منتشرة موجودة فلابد من البحث عن علاج لها، وهذا العلاج لابد فيه من التدرُّج، فليس المقصود من العلاج حصول الاتفاق المطلق، فهذا قد لا يحصل، لكن إذا حصل وضع السلاح من الجانبين فهذا هو مكسب، وإذا حصل الاتفاق على نقاط عملية فهذا مكسب، وإذا اتجه كل جانب من الجانبين في اتجاه لا يعارضه فيه غيره فهذا مكسب.إذًا: لابد من البحث في علاج الخلاف، وذلك في النقاط التالية:
 المعذرة
العلاج الخامس: المعذرة، وهي مهمة جدًا، ولذلك قال الخليل بن أحمد لولده: لو كنت تعلم ما أقول عذرتنيأو كنت أجهل ما تقول عذلتكلكن جهلت مقالتي فعذلتنيوعلمت أنك جاهل فعذرتكوحصول العذر مدعاة لأن يسير كل على شاكلته، كما حصل في المذاهب الفقهية، فتتعايش بينها، ويستمر هذا التعايش زمانًا حتى تزول من النفوس تلك الحزازة، وتأتلف القلوب، حينئذٍ من شاء أخذ بهذا القول، ومن شاء أخذ بالآخر على اعتبار تساويهما وعدم الانفصال بينهما، ومن ترجح لديه أحدهما وجب عليه الأخذ به، ومن لم يترجح لديه أحد القولين فهو بالخيار أو يأخذ بالاحتياط بينهما.فهذا هو علاج الخلاف الذي ينبغي أن يؤخذ به.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يأخذ بنواصينا إلى الخير أجمعين، وأن يجعلنا هداة مهديين، غير ضالين ولا مضلين، وأن يرينا الحق حقًا، وأن يرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً، وألاَّ يجعلنا أتباعه، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، وأن يجمع على الحق قلوبنا، وأن يملكنا أنفسنا بخير، وألاَّ يسلطها علينا بشر، وأن يجعل سرائرنا خيرًا من علانياتنا، وأن يجعل علانياتنا صالحة.اللهم! آت أنفسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.اللهم! اجعل قلوب المسلمين على الحق يا أرحم الراحمين!اللهم! اخلف نبيك محمدًا صلى الله عليه وسلم في أمته بخير.اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وتقام فيه حدودك يا أرحم الراحمين!سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الصافات:180-182].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه الخلاف للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

http://audio.islamweb.net