اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بدر الكبرى [2] للشيخ : عبد الحي يوسف


بدر الكبرى [2] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
نصر الله المسلمين يوم بدر مع قلتهم وكثرة عدوهم؛ لأنهم بذلوا أسباب النصر من اللجوء إلى الله تعالى ودعائه وتوحيد الصف والمعنويات العالية للقتال، وقد ضربوا أروع أمثلة النصر والبطولات فقتلوا كبار قريش وصناديدها وأسروا منهم سبعين أسيراً، وقد تجلت فيها مبدأ الولاء والبراء وعدم موالاة الكافرين ولو كانوا من الآباء والأبناء والإخوان.
أسباب نصر المسلمين يوم بدر
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين, حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى, وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه, عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار, وعدد ما اختلف الليل والنهار, وعلى المهاجرين والأنصار.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا علماً نافعاً, وارزقنا عملاً صالحاً, ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ يوم بدر بأسباب النصر كلها، ومنها:
 ارتفاع الروح المعنوية
ثالثاً: شحذ الروح المعنوية, وقد قيل: السلاح بضاربه. يعني لو أعطوك سلاحاً وأنت رجل جبان فلا يغني عنك شيئاً.فبعض الناس بمجرد أن يرى الدم يرتجف, ولو كان معه الصواريخ وغيرها فلن تغني عنه شيئاً؛ بل لا بد من قلب عامر بالإيمان, ولا بد من أخذ بأسباب التدرب على هذا السلاح.ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم شحذ روح أصحابه بعدما صفهم قال: ( والذي نفسي بيده! لا يقاتلنهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة ), وكما قال ابن القيم رحمه الله: لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم إلا في مواطن قليلة, ربما تبلغ الثمانين موطناً, منها هذا الموطن: ( والذي نفسي بيده! لا يقاتلنهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً- هذه هي الشروط- مقبلاً غير مدبر, إلا أدخله الله الجنة ), فهذه الكلمات فعلت فعلها في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم، حتى إن عميراً رضي الله عنه كان معه تمرات يأكلهن؛ فألقاهن وقال: بخ! بخ! إنها لحياة طويلة إن بقيت حتى آكل هذه التمرات, ودخل رضي الله عنه فقاتل حتى قتل.رابعاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب القدوة للصحابة بنفسه, قال الله عز وجل: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[الأحزاب:21], وفي قراءة متواترة (إسوة) بالكسر, فإذا سمعت إماماً يقرأ بها فلا تنكر عليه.
بعض المواقف البطولية في غزوة بدر

 قتل معاذ ومعوذ لأبي جهل
ظهرت ضروب من الشجاعة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أذكر واحدة منها: يقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه -والحديث في البخاري ومسلم-: ( إني لفي الصف يوم بدر, إذ رأيت نفسي بين غلامين صغيرين، فقلت: يا ليتني كنت بين أضلع منها ).دائماً في المحافل يتمنى الإنسان أن يكون معه أناس مثله أو أفضل منه, لكن أن يكون عن يمينه صغار السن وعن شماله مثل ذلك، فهذا يكرهه البعض, وعبد الرحمن في نفسه كأنه تضايق, فقال: ( فغمزني أحدهما في غفلة من صاحبه وقال لي: يا عمي! أتعرف أبا جهل قلت: نعم, وما شأنك به؟ قال له: لقد علمت أن أبا جهل يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم, والذي نفسي بيده! لو رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا)، يعني: لو رأيت أبا جهل الساب للنبي صلى الله عليه وسلم إما أن أقتله وإما أن يقتلني.(قال: ثم غمزني الآخر فقال لي مثلما قال الأول, قال: فرأيت أبا جهل يجول بين الصفوف؛ فقلت: هذا صاحبكما -أي هذا أبو جهل - قال: فوثب عليه الغلامان وما تركاه حتى أثبتاه ). هذا الكلب عدو الله الذي كان يستأسد على سمية رضي الله عنها, والذي كان يعذب المستضعفين من المسلمين, جعل الله هلاكه على يدي هذين الغلامين, مثلما جعل الله هلاك فرعون على يد موسى الذي كان غلاماً في بيته.كما قال ابن كثير رحمه الله: كأن الله يقول لفرعون: يا هذا الملك المتسلط المغرور! إني جعلت هلاكك على يد غلام ينشأ في بيتك, ويتغذى من طعامك, والله يفعل ما يشاء.فالمقصود بأن هذين الغلامين أثبتا عدو الله، وهذه رواية البخاري .وزاد البيهقي في دلائل النبوة: فلحق عكرمة بن أبي جهل بأحدهما فضربه في ذراعه، وهو معاذ بن عفراء رضي الله عنه.يقول معاذ: فمكثت سائر اليوم أقاتل وأنا أجرها خلفي؛ فلما أثقلتني -أي: عاقتني عن القتال- وضعتها تحت قدمي وتمطيت حتى خلعتها, ثم بعدما انجلى غبار المعركة جاء الغلامان كلاهما يقول: ( يا رسول الله! أنا قتلت أبا جهل قال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا, قال: أرياني, فجاء كل منهما بسيفه, فقال صلى الله عليه وسلم: كلاكما قتله - يعني: الدم شركة بينكما- وخر صلى الله عليه وسلم لله ساجداً وقال: هذا فرعون هذه الأمة. وأما الغلام الذي قطعت ذراعه فشكى للرسول صلى الله عليه وسلم أنها قطعت في سبيل الله قال: فبصق عليها ثم لصقها فلصقت ), أي رجعت كما كانت, ولا نستغرب فهذه من المعجزات الحسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا تنسوا كيف رد رسول الله صلى الله عليه وسلم عين قتادة وقد قيل:عين قتادة لا تنساها صارت تنظر حين وسم( حيث إن قتادة بن النعمان جاء يوم أحد وعينه قد سالت على كفه، قال: فأخذها صلى الله عليه وسلم ووضعها فكانت أحسن من الأخرى ).وذلك لما جاء حفيده عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان فقال له عمر بن عبد العزيز : من أنت؟ قال:أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الردفعادت كما كانت لأول عهدهافيا حسن ما عين ويا حسن ما خدفقال عمر بن عبد العزيز : تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ومعنى كلام عمر بن عبد العزيز أي أن هذه هي المكارم, وليست المكارم أن يتحدث الإنسان أنه يشرب كذا من اللبن أو يمدح أكله وأنه مع السمن أو مع اللحم, فهذا كله سيصير بولاً وغائطاً.وكما قال بعضهم: إني لأكره للمرء أن يكون وصافاً لبطنه ولفرجه، وهكذا بعض الناس ليس عنده حديث إلا عن البطن والفرج أجاركم الله.ونعود هنا لذكر الآيات التي كانت يوم بدر، وأيد الله بها المسلمين إجمالاً.أولاً: نزول الملائكة.ثانياً: نزول الغيث.ثالثا: النعاس.رابعاً: تقليل المشركين في أعين المسلمين, وتقليل المسلمين في أعين المشركين.
نتائج غزوة بدر
أيها الإخوة الكرام! انجلى غبار المعركة عن مقتل سبعين من صناديد الكفر, وأسر مثلهم.ولذلك لما قتل من المسلمين في يوم أحد سبعون, قال الله عز وجل: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا[آل عمران:165], يعني قتل منكم سبعون؛ لكن في يوم بدر قتلتم سبعين وأسرتم سبعين.وقد كانت هذه خسارة فادحة للمشركين, وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأولئك القتلى فجروا بأرجلهم, فألقوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث, ووقف النبي صلى الله عليه وسلم ينادي عليهم بأسمائهم: ( يا فلان! يا فلان! يا فلان! هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً, فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، قال عمر : يا رسول الله! أتخاطب قوماً قد جيفوا؟ قال: يا عمر ! ما أنت بأسمع لما أقول منهم, غير أنهم لا يستطيعون الجواب ).ثم خاطبهم صلى الله عليه وسلم فقال: ( بئس العشيرة كنتم لنبيكم؛ كذبتموني وصدقني الناس, وخذلتموني ونصرني الناس, وأخرجتموني وآواني الناس ).
 قتل معاذ ومعوذ لأبي جهل
ظهرت ضروب من الشجاعة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أذكر واحدة منها: يقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه -والحديث في البخاري ومسلم-: ( إني لفي الصف يوم بدر, إذ رأيت نفسي بين غلامين صغيرين، فقلت: يا ليتني كنت بين أضلع منها ).دائماً في المحافل يتمنى الإنسان أن يكون معه أناس مثله أو أفضل منه, لكن أن يكون عن يمينه صغار السن وعن شماله مثل ذلك، فهذا يكرهه البعض, وعبد الرحمن في نفسه كأنه تضايق, فقال: ( فغمزني أحدهما في غفلة من صاحبه وقال لي: يا عمي! أتعرف أبا جهل قلت: نعم, وما شأنك به؟ قال له: لقد علمت أن أبا جهل يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم, والذي نفسي بيده! لو رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا)، يعني: لو رأيت أبا جهل الساب للنبي صلى الله عليه وسلم إما أن أقتله وإما أن يقتلني.(قال: ثم غمزني الآخر فقال لي مثلما قال الأول, قال: فرأيت أبا جهل يجول بين الصفوف؛ فقلت: هذا صاحبكما -أي هذا أبو جهل - قال: فوثب عليه الغلامان وما تركاه حتى أثبتاه ). هذا الكلب عدو الله الذي كان يستأسد على سمية رضي الله عنها, والذي كان يعذب المستضعفين من المسلمين, جعل الله هلاكه على يدي هذين الغلامين, مثلما جعل الله هلاك فرعون على يد موسى الذي كان غلاماً في بيته.كما قال ابن كثير رحمه الله: كأن الله يقول لفرعون: يا هذا الملك المتسلط المغرور! إني جعلت هلاكك على يد غلام ينشأ في بيتك, ويتغذى من طعامك, والله يفعل ما يشاء.فالمقصود بأن هذين الغلامين أثبتا عدو الله، وهذه رواية البخاري .وزاد البيهقي في دلائل النبوة: فلحق عكرمة بن أبي جهل بأحدهما فضربه في ذراعه، وهو معاذ بن عفراء رضي الله عنه.يقول معاذ: فمكثت سائر اليوم أقاتل وأنا أجرها خلفي؛ فلما أثقلتني -أي: عاقتني عن القتال- وضعتها تحت قدمي وتمطيت حتى خلعتها, ثم بعدما انجلى غبار المعركة جاء الغلامان كلاهما يقول: ( يا رسول الله! أنا قتلت أبا جهل قال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا, قال: أرياني, فجاء كل منهما بسيفه, فقال صلى الله عليه وسلم: كلاكما قتله - يعني: الدم شركة بينكما- وخر صلى الله عليه وسلم لله ساجداً وقال: هذا فرعون هذه الأمة. وأما الغلام الذي قطعت ذراعه فشكى للرسول صلى الله عليه وسلم أنها قطعت في سبيل الله قال: فبصق عليها ثم لصقها فلصقت ), أي رجعت كما كانت, ولا نستغرب فهذه من المعجزات الحسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا تنسوا كيف رد رسول الله صلى الله عليه وسلم عين قتادة وقد قيل:عين قتادة لا تنساها صارت تنظر حين وسم( حيث إن قتادة بن النعمان جاء يوم أحد وعينه قد سالت على كفه، قال: فأخذها صلى الله عليه وسلم ووضعها فكانت أحسن من الأخرى ).وذلك لما جاء حفيده عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان فقال له عمر بن عبد العزيز : من أنت؟ قال:أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الردفعادت كما كانت لأول عهدهافيا حسن ما عين ويا حسن ما خدفقال عمر بن عبد العزيز : تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ومعنى كلام عمر بن عبد العزيز أي أن هذه هي المكارم, وليست المكارم أن يتحدث الإنسان أنه يشرب كذا من اللبن أو يمدح أكله وأنه مع السمن أو مع اللحم, فهذا كله سيصير بولاً وغائطاً.وكما قال بعضهم: إني لأكره للمرء أن يكون وصافاً لبطنه ولفرجه، وهكذا بعض الناس ليس عنده حديث إلا عن البطن والفرج أجاركم الله.ونعود هنا لذكر الآيات التي كانت يوم بدر، وأيد الله بها المسلمين إجمالاً.أولاً: نزول الملائكة.ثانياً: نزول الغيث.ثالثا: النعاس.رابعاً: تقليل المشركين في أعين المسلمين, وتقليل المسلمين في أعين المشركين.
التعامل مع أسرى بدر
ثم رجع صلى الله عليه وسلم بالأسرى وكانوا سبعين, حتى إذا كان بمر الظهران وهو مكان بين مكة والمدينة, طلب أن يعرض عليه الأسرى, ونظر إلى النضر بن الحارث نظرة عرف فيها الموت, فلقي مصعب بن عمير قال له: يا مصعب ! إن صاحبك قد نظر إلي نظرة قد رأيت فيها الموت, وإني لأرجو شفاعتك؛ فاشفع لي.. فقال له مصعب : ما أنا بفاعل. فقال له: يا مصعب ! لو كنت مكاني لما تركت قريشاً تقتلك وأنا حي, فقال له مصعب : إني لأراك صادقاً, لكنني لست مثلك؛ فقال له: يا أخي! يريد أن يتكلم، فقاطعه مصعب وقال: لقد قطع الإسلام ما بيننا, يعني: لا توجد بيننا أخوة.وفعلاً النبي صلى الله عليه وسلم أخرج هذا الصنديد ومعه عقبة بن أبي معيط وأمر بضرب أعناقهما, حيث سلم واحداً لـعلي بن أبي طالب, والآخر لـعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح, أما النضر فقد قتل بدون أن يتكلم, وأما عقبة فأخذ يولول ويقول: ( أنا من بين الناس يا محمد؟ قال: نعم. قال: ولم؟ قال: بأذيتك لله ورسوله, قال: فمن للصبية؟ قال: لهم النار, ثم قال للصحابة: إن عدو الله هذا رآني ساجداً عند الكعبة, فوضع رجله على صفحة عنقي حتى كادت عيناي تندران ), يعني: من شدة الضغط كادت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تخرجان. قال تعالى: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ[الروم:4-5] وقال سبحانه: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ[التوبة:14-15].قتل هذان الرجلان, عقبة بن أبي معيط و النضر بن الحارث .وهنا نقول بأن الإمام مخير في الأسرى بين أمور أربعة: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً[محمد:4], وإما قتلاً وإما استرقاقاً.وأما من بقي من الأسرى فإن النبي صلى الله عليه وسلم استشار فيهم الصحابة رضي الله عنهم, فاختلفت آراؤهم, فقال أبو بكر : يا رسول الله! هم بنو العم والعشيرة, فامنن عليهم لعل الله أن يهديهم. وقال عمر : أرى أن تمكن علياً من أخيه عقيل فيحتز عنقه, وأن تمكنني من فلان فأحتز عنقه, وأن تمكن فلاناً من فلان فيحتز عنقه حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا محبة لأحد سواه.وقال عبد الله بن رواحة : أرى أن تنظر في واد كثير الحطب, فتؤجج فيه ناراً ثم تطرحهم فيه, فالنبي صلى الله عليه وسلم تبسم وقال: ( إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن, وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة, وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[إبراهيم:36], وكمثل عيسى قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[المائدة:118]. وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا[نوح:26], وكمثل موسى قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ[يونس:88], ثم أخذ برأي أبي بكر )؛ فقبل النبي صلى الله عليه وسلم الفداء من بعضهم, وطلب من بعضهم أن يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.وبعد ذلك جاء عمر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم و أبا بكر جالسين تحت شجرة يبكيان, فقال: ما يبكيكما؟ أخبراني إن كان هناك ما يبكي بكيت وإلا تباكيت, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو نزل بنا عذاب لم ينج إلا أنت يا عمر ! وتلا الآيات: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[الأنفال:67] ).وكانت هذه إحدى موافقات عمر للقرآن وهي خمسة: الأولى: قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى[البقرة:125].الثانية: قوله: لو حجبت نساءك فإنه يدخل عليهن البر والفاجر, فنزلت: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ[الأحزاب:53].الثالثة: هذه التي ذكرتها في أسرى بدر.الرابعة: قوله: لما نزلت الآيات من صدر سورة المؤمنون قال عمر: فتبارك الله أحسن الخالقين, فنزلت كما قال.والخامسة: خطابه لزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما طلبنه النفقة: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ[التحريم:5].
 قتل معاذ ومعوذ لأبي جهل
ظهرت ضروب من الشجاعة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أذكر واحدة منها: يقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه -والحديث في البخاري ومسلم-: ( إني لفي الصف يوم بدر, إذ رأيت نفسي بين غلامين صغيرين، فقلت: يا ليتني كنت بين أضلع منها ).دائماً في المحافل يتمنى الإنسان أن يكون معه أناس مثله أو أفضل منه, لكن أن يكون عن يمينه صغار السن وعن شماله مثل ذلك، فهذا يكرهه البعض, وعبد الرحمن في نفسه كأنه تضايق, فقال: ( فغمزني أحدهما في غفلة من صاحبه وقال لي: يا عمي! أتعرف أبا جهل قلت: نعم, وما شأنك به؟ قال له: لقد علمت أن أبا جهل يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم, والذي نفسي بيده! لو رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا)، يعني: لو رأيت أبا جهل الساب للنبي صلى الله عليه وسلم إما أن أقتله وإما أن يقتلني.(قال: ثم غمزني الآخر فقال لي مثلما قال الأول, قال: فرأيت أبا جهل يجول بين الصفوف؛ فقلت: هذا صاحبكما -أي هذا أبو جهل - قال: فوثب عليه الغلامان وما تركاه حتى أثبتاه ). هذا الكلب عدو الله الذي كان يستأسد على سمية رضي الله عنها, والذي كان يعذب المستضعفين من المسلمين, جعل الله هلاكه على يدي هذين الغلامين, مثلما جعل الله هلاك فرعون على يد موسى الذي كان غلاماً في بيته.كما قال ابن كثير رحمه الله: كأن الله يقول لفرعون: يا هذا الملك المتسلط المغرور! إني جعلت هلاكك على يد غلام ينشأ في بيتك, ويتغذى من طعامك, والله يفعل ما يشاء.فالمقصود بأن هذين الغلامين أثبتا عدو الله، وهذه رواية البخاري .وزاد البيهقي في دلائل النبوة: فلحق عكرمة بن أبي جهل بأحدهما فضربه في ذراعه، وهو معاذ بن عفراء رضي الله عنه.يقول معاذ: فمكثت سائر اليوم أقاتل وأنا أجرها خلفي؛ فلما أثقلتني -أي: عاقتني عن القتال- وضعتها تحت قدمي وتمطيت حتى خلعتها, ثم بعدما انجلى غبار المعركة جاء الغلامان كلاهما يقول: ( يا رسول الله! أنا قتلت أبا جهل قال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا, قال: أرياني, فجاء كل منهما بسيفه, فقال صلى الله عليه وسلم: كلاكما قتله - يعني: الدم شركة بينكما- وخر صلى الله عليه وسلم لله ساجداً وقال: هذا فرعون هذه الأمة. وأما الغلام الذي قطعت ذراعه فشكى للرسول صلى الله عليه وسلم أنها قطعت في سبيل الله قال: فبصق عليها ثم لصقها فلصقت ), أي رجعت كما كانت, ولا نستغرب فهذه من المعجزات الحسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا تنسوا كيف رد رسول الله صلى الله عليه وسلم عين قتادة وقد قيل:عين قتادة لا تنساها صارت تنظر حين وسم( حيث إن قتادة بن النعمان جاء يوم أحد وعينه قد سالت على كفه، قال: فأخذها صلى الله عليه وسلم ووضعها فكانت أحسن من الأخرى ).وذلك لما جاء حفيده عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان فقال له عمر بن عبد العزيز : من أنت؟ قال:أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الردفعادت كما كانت لأول عهدهافيا حسن ما عين ويا حسن ما خدفقال عمر بن عبد العزيز : تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ومعنى كلام عمر بن عبد العزيز أي أن هذه هي المكارم, وليست المكارم أن يتحدث الإنسان أنه يشرب كذا من اللبن أو يمدح أكله وأنه مع السمن أو مع اللحم, فهذا كله سيصير بولاً وغائطاً.وكما قال بعضهم: إني لأكره للمرء أن يكون وصافاً لبطنه ولفرجه، وهكذا بعض الناس ليس عنده حديث إلا عن البطن والفرج أجاركم الله.ونعود هنا لذكر الآيات التي كانت يوم بدر، وأيد الله بها المسلمين إجمالاً.أولاً: نزول الملائكة.ثانياً: نزول الغيث.ثالثا: النعاس.رابعاً: تقليل المشركين في أعين المسلمين, وتقليل المسلمين في أعين المشركين.
دروس مستفادة من غزوة بدر
هنا نذكر الدروس والعبر المستفادة من تلك الغزوة:
 عظم محبة الصحابة لرسول الله
سابعاً: عظم حب الصحابة رضوان الله عليهم للرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه لما كان يسوي الصفوف ( رأى سواد بن غزية بادياً صدره من الصف فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بقضيب في يده وقال: استو يا سواد ! فقال: أوجعتني يا رسول الله! أقدني فداك أبي وأمي ), يعني هذه الضربة كانت قوية, وأنا لا بد أن أقتص منك.لو كنت أنا لقلت له: استح, خل عندك أدب, أو أقول له: يا أخي! الظروف غير مناسبة للقصاص الآن، إن شاء الله بعد المعركة ننظر في أمرك هذا, أو في نفس الوقت نقول: يا رب! في هذه المعركة خلصنا من هذا الرجل.( لكن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه القضيب وقال له: استقد يا سواد ! ), يعني: خذ بحقك: ( فقال: يا رسول الله! طعنتي وأنا حاسر -أي: كانت بطني مكشوفة- فالنبي صلى الله عليه وسلم كشف عن بطنه, فأقبل سواد رضي الله عنه يمرغ وجهه في بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال له عليه الصلاة والسلام: ما حملك على هذا؟ قال: يا رسول الله! قد حضر ما ترى, وإني لأرجو الشهادة فأحببت أن يكون آخر العهد بك, فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير ).نقف عند هذا الحد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بدر الكبرى [2] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net