اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الجهاد وأنواعه [2] للشيخ : عبد الحي يوسف


الجهاد وأنواعه [2] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
إن الله سبحانه شرع الجهاد على مراحل متعددة والغرض منه تأمين الدعوة إلى الله ورد أذى المجرمين من الكفار والمشركين، وقد أثيرت حوله شبهات كثيرة من أعداء المسلمين. والجهاد في سبيل الله له آداب وهو على أنواع: النوع الأول جهاد النفس، والثاني: جهاد الشيطان، والثالث: جهاد المنافقين، والرابع جهاد الكفار.
تلخيص لما ذكر من مراحل تشريع الجهاد
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.أما بعد:فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.أيها الإخوة الكرام! تقدم معنا الكلام أن تشريع الجهاد مر بأربع مراحل:المرحلة الأولى: التي فيها الأمر بالصبر والصفح، والهجر والكف.ثم المرحلة الثانية: والتي فيها الإذن بالقتال.ثم المرحلة الثالثة: والتي فيها الأمر بقتال من قاتل المسلمين.ثم المرحلة الرابعة: وهي الأمر بقتال المشركين كافة.وأن هذا الجهاد قد شرع لأن الله عز وجل قد أقام هذا الكون على سنة التدافع بين الحق والباطل كما قال سبحانه: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ [البقرة:251]، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الحج:40].ومنذ أن أهبط الله عز وجل أبانا آدم وأمنا حواء إلى هذه الأرض أهبط معهم إبليس، وقال سبحانه: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة:36]، فهناك حزب الحق حزب الله، وهناك حزب الشيطان، قال الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76].وليس الغرض من الجهاد القضاء على الكفر والشرك، ولكن المراد كف الأذى، والمنع من الصد عن سبيل الله، وإلا فالكفر والشرك باق إلى قيام الساعة وليس الغرض من تشريع الجهاد أن نجعل الناس كلهم مسلمين.
 

الرد على بعض الشبه المثارة حول الجهاد في سبيل الله
ولذلك هاهنا شبهات تطرح، فمن هذه الشبهات مثلاً:أن أكثر الناس لا يفهمون من الجهاد إلا القتال، مع أن الجهاد عندنا أعم من القتال، القتال ليس إلا نوعاً من أنواع الجهاد، وإلا هناك أنواع أخرى. فبعض الناس يقول: الجهاد ظلم؛ لأن فيه إراقة للدماء، وإزهاقاً للأرواح، وتخريباً للعامر، وإتلافاً للممتلكات وما إلى ذلك.ونقول بأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والظلم معاقبة البريء، فهل المشرك والكافر بريء؟ إنه لا ذنب أعظم عند الله من الشرك، قال الله عز وجل: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [النساء:48]، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:116]، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]، فلا يمكن أن يقال: بأن الجهاد ظلم. ثانياً: بعض الناس يقول: الجهاد فيه إكراه لغير المسلم على أن يدخل في الإسلام.ونقول: هذا بعيد جداً، وذلك أن الله عز وجل أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، وأنزل عليه: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:99]، وأنزل عليه: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]، وسبب نزول الآية كما قال أهل التفسير: بأن رجلاً من الأنصار أسلم، وكان له ولدان قد تنصرا في الجاهلية، أي حين كان الناس يعبدون الأوثان تنصر هذان الولدان فلما جاء الله بالإسلام أسلم أبوهما ثم عرض عليهما أن يسلما فأبيا، فجاء يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا رسول الله! كيف أرضى وبعضي في النار! يعني: وجزء مني في النار، يريد بذلك إذناً من النبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن يجبر ولديه على الإسلام، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ [البقرة:256]، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام حتى لما فتح مكة ما أكره أهلها على الإسلام، ونحن نقرأ في القرآن: وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29].فالجهاد لم يشرع أبداً لإكراه غير المسلم على الإسلام، وإلا المكره لا يقبل منه إيمان أصلاً.
 

الغاية من مشروعية الجهاد
لماذا شرع الجهاد؟أولاً: شرع الجهاد تأميناً للدعوة وأهلها؛ لأن المشركين لن يكفوا عن الأذى، وكثيراً ما كان يأتي مسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شج وجهه، أو لطم، أو ضرب بالسياط حتى دمي ظهره، أو يأتي الواحد منهم وقد ألقي في الرمضاء ووضعت على صدره الصخرة العظيمة، فكانوا يأتون للنبي صلى الله عليه وسلم شاكين، فكان يقول لهم: ( اصبروا فإنا لم نؤمر بقتال )، فالمسلمون صبروا على الأذى ولم يردوا الاعتداء، لكن هل كف المشركون؟ هل امتنعوا أم أنهم تمادوا؟ لا شك أنهم تمادوا، وهذه هي سنة الله عز وجل؛ ولذلك إذا لم يقابل الاعتداء بمثله، وتقابل القوة بقوة، فإن الحق يضيع، والباطل يتمدد؛ ولذلك كان من أمثلة العرب أنهم يقولون: من استغضب فلم يغضب فهو حمار، يعني: حتى الحيوانات والبهائم لو أنك آذيت واحداً منها، فلن يبقى واقفاً مستسلماً؟ اللهم إلا الحمار، فإنك تصفعه وتجلده وهو مطأطئ رأسه ينتظر المزيد من الصفعات والضربات والسياط، لكن لو أنك رجمت كلباً فلن يتركك، سينبح عليك ويكشر عن أنيابه، ويحاول أن يهجم عليك، بل حتى الطيور الوادعة المسالمة، لو أنك اعتديت على أفراخها وأردت أن تؤذيها، فإنها ستدافع عن نفسها بما استطاعت.فالجهاد شرع أولاً: تأميناً للدعوة وأهلها.ثانياً: شرع رداً للأذى وحماية للمستضعفين، قال الله عز وجل: فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194]، وقال: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]، وقال: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة:190]، وقال: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126]، هذه الندية وهذه المثلية هي التي تضمن للمسلمين العز؛ ولذلك الآن في واقعنا المعاصر الكفار وعلى رأسهم اليهود الذين هم أشد الناس عداوة للمؤمنين، يقصفون بطائراتهم ويرمون براجماتهم، ويطلقون رصاصاتهم، ويهدمون البيوت على أهلها، ويقتلون ويعيثون في الأرض فساداً، فلا يزيد العرب على أن يشجبوا ويستنكروا وينددوا ويقولون: نحن حريصون على السلام، لابد من تنفيذ خارطة الطريق.هل اليهود يلتفتون لهذا الكلام؟ لا أبداً، بل يعدون هؤلاء أمة لا قيمة لها، هؤلاء الذين ليس لهم سلاح إلا الشجب والاستنكار، والتنديد ومناشدة المنظمات الدولية، والهيئات الأممية والمجتمع الدولي والولايات المتحدة أن يطلعوا بدورهم في إقرار السلام، هذه كلمات محفوظة نسمعها عقيب كل اعتداء، فهل كف اليهود؟ اللهم لا، وهكذا الدنيا ما تحترم إلا من كان قوياً.شرع الجهاد من أجل أن يُكف أذى هؤلاء الكفرة والمشركين، ومن أجل أن يحمي المؤمنون المستضعفون.ثم هناك غاية أخرى: وهي أن الجهاد شرع تأميناً للأديان والعقائد كلها، وهذه قد تستغربونها، لكنها منطوق القرآن، قال الله عز وجل: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ [الحج:40]، جمع صومعة، وَبِيَعٌ [الحج:40]، جمع بيعة، وَصَلَوَاتٌ [الحج:40]، جمع صلاة، وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الحج:40]، والمساجد ذكرت رابعاً، فنحن نؤمِّن كل صاحب دين على دينه، فإذا حصل الجهاد لن نخرب عامراً، ولن نهدم دوراً للعبادة، وإن كنا على يقين أن تلك التي يمارسونها عبادة باطلة، لكن مع ذلك لا نعتدي عليهم، ولا نؤذيهم.
 

آداب الجهاد
وللجهاد عندنا آداب، فالجيش المسلم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث به، يوصي القائد ويقول له: ( انطلق باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً وليداً، ولا شيخاً كبيراً، ولا راهباً، ولا تخربن عامراً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تعقرن بعيراً إلا لمأكلة )، وانظر إلى هذه التعاليم، (لا تغلوا) الغلول: هو السرقة من الغنيمة، (ولا تمثلوا)، أي: لو أنك تمكنت من عدوك فلا تمثل به، لك أن تقتله، لكن التمثيل لا يجوز؛ ولذلك يوم بدر لما أسر سهيل بن عمرو العامري وكان رجلاً خطيباً مفوهاً، يحرض الناس على قتال الرسول صلى الله عليه وسلم مع السبعين أسيراً، وعرفه عمر رضي الله عنه فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (يا رسول الله! دعني أنزع ثنيتيه فيندلع لسانه فلا يقوم عليك خطيباً بعد اليوم أبداً). أي: إن هذا الذي يؤذينا ويحرض الناس علينا، دعنا نقلع ثنيته السفلى فإذا أراد أن يتكلم خرج لسانه فنكون قد كفينا شره، فما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: هذه فكرة طيبة، أو هذا كلام جميل، ولكن قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا يا عمر ! لا أمثل به فيمثل الله بي، وإن كنت نبياً )، قال له: التمثيل ليس من هدينا.ثم قال في وصيته: (ولا تغدروا)، والمسلم ليس عنده غدر، وقد جاء في الحديث: ( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان بن فلان )، يعني: إذا أعطيت عهداً؛ لأن الله عز وجل قال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ [النحل:91].ثم قال: (ولا تقتلوا)، وهناك أصناف من الناس لا نقتلهم، فالطفل لا يقتل، والشيخ الكبير لا يقتل، والمرأة التي لم تشارك في القتال ولم تعن برأي لا تقتل، فهؤلاء جميعاً لا يقتلون، وكذلك الراهب الذي اعتزل وزعم أنه يعبد الله لا يتعرض له بسوء.ثم بعد ذلك يوصي صلوات ربي وسلامه عليه، وكذلك الصديق أبو بكر من بعده: (بأن لا تخربن عامراً) فالمكان العامر لا يخرب، فنحن ما عندنا أن الحرب حرب دمار، والأسلحة التي تستخدم الآن التي تهدم المباني على رءوس أهلها ليست عندنا. ثم قال: (ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تعقرن بعيراً إلا لمأكلة )، أي: ما في بعير ينحر إلا من أجل أن يؤكل، وليس لمجرد العبث والإتلاف والإيذاء، فهذا كله ممنوع، منع منه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد سبق أن ذكرنا أن الجهاد على أربعة أنواع:جهاد النفس.وجهاد الشيطان.وجهاد المنافقين.وجهاد الكفار.
 

مجمل الكلام على مراتب جهاد النفس
أما جهاد النفس: فإن نفسك التي بين جنبيك مطلوب منك أن تجاهد لتزكيتها وتربيتها وتطهيرها وتنقيتها من الآفات والأدران والأمراض، وجهاد النفس هذا على أربع مراتب:أولاً: جهادها على تعلم دين الله عز وجل الذي أمرت به.ثم جهادها على العمل بما تعلمت، فإن العلم يطلبه العمل فإن وجده وإلا ارتحل.ثم جهادها على الدعوة إلى هذا الحق والخير الذي تعلمته.ثم رابعاً: جهادها على الصبر في هذا الطريق الشاق الذي صبر فيه الأنبياء والمرسلون كما قال الله عز وجل مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127]، وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ [هود:120-122]، يعني: ما تتوقع بأن النصر وإحقاق الحق وإبطال الباطل سيحصل بين عشية وضحاها، لا. هذا طريق طويل ناح فيه نوح ، وشرد فيه الخليل ، وقتل فيه زكريا، ونشر يحيى بالمناشير، إلى غير ذلك مما أصاب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ‏
 

مراتب جهاد الشيطان
ثم جهاد الشيطان على مرتبتين:أولاً: جهاده فيما يلقي من الشبهات، والشيطان قد يوسوس لك في العقيدة، أو يوسوس لك في العبادة، أو يوسوس لك في التشريعات، فيوسوس لك في العقيدة بأن يقول لك: من خلق الله؟ أين هو الله؟ ما الدليل على وجوده؟ ما الدليل على أن القرآن كلام الله؟ أو يوسوس لك بأن القرآن كلام عادي من جنس ما كان العرب يتكلمون به! وقد يوسوس لك في التشريعات بأن يقول لك: الدين يحجر عليك! أو الدين يقيدك! أو الدين يمنعك من كثير مما تريد! أو اترك الدين وراء ظهرك وعش أيامك وافعل ما تريد، ونحو ذلك مما يزينه الشيطان.والشيطان على نوعين كما بين ربنا: الشيطان الإنسي، والشيطان الجني، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112].والشيطان أيضاً قد يزين لك الشهوات؛ لأن الإنسان حيوان بطبعه يميل إلى ما يميل إليه الحيوان، يعني: نحن معشر بني الإنسان نشترك مع الحيوان البهيم في صفات، من ذلك: أن الحيوان يحب الطعام ونحن نحبه، ويحب الشراب ونحن نحبه، ويحب النكاح ونحن نحبه، ويحتاج إلى النوم ونحن كذلك. فالشيطان يزين لك هذه الشهوات، فإذا سمعت المؤذن يقول: الصلاة خير من النوم وتريد أن تقوم، يقول لك الشيطان: ارقد ارقد أنت أتيت متأخراً، فخذ راحتك، ثم إن النوم يهدئ أعصابك لذلك فارقد، فإذا وجد منك إصراراً قال لك: ارقد قليلاً، وبعدها ستقوم بين الأذان والإقامة فإن بينها نصف ساعة أو ثلث ساعة، فتنام ولا يوقظك إلا حر الشمس، والشيطان يضحك منك، بل إنك ستجد أن الشيطان قد بال في أذنيك، ويا ليته بصق، ولكنه بال، قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن رجل نام حتى أصبح، قال: ( ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه ).فالشيطان يزين لك الشهوات، ويزين لك أكل الحرام، ويزين لك الوقوع في الحرام، وعنده في ذلك طرق شتى كما ذكر المفسرون في تفسير قول ربنا: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ [الحشر:16]، قالوا: هذا مثل ضربه الله لعابد من عباد بني إسرائيل كان يقال له برصيصا ، وبرصيصا رجل عابد معتزل الناس في جبل.وفي هذا أن الجهاد ليس خاصاً بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم أبداً، ولذلك نقرأ في القرآن، وإذ قال موسى لقومه: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ [المائدة:21]، إلى أن قالوا له: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، وكذلك في العهد الجديد في الإنجيل الموجود إلى اليوم بأيدي النصارى في إنجيل متى في الإصحاح الخامس والثلاثين على لسان المسيح عليه السلام أنه قال: (لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض سلاماً، ما جئت لألقي سلاماً بل لأضع سيفاً، لأفرق بين الولد وأبيه، وبين المرأة وكنتها -أي: حماتها- من لا يحبني أكثر من أبيه لا يستحقني، من لا يحبني أكثر من أمه لا يستحقني )، فهذا الكلام منسوب لـلمسيح عليه السلام.ثم بعد ذلك يأتون فيزعمون بأن الإسلام هو دين السيف، ودين القتل، ودين الدماء!هذا العابد برصيصا جاءه ثلاثة إخوة وقالوا له: إننا نريد الخروج في غزوة، وعندنا أخت واحدة لا نأمن عليها أحداً سواك، فعندهم أخت واحدة وهم ثلاثة أشقاء، ويريدون الخروج للجهاد ولا يريدون تركها وحدها، وليس هناك إنسان يستأمن عليها إلا هذا العابد؛ لأنه رجل مضمون، فاستعاذ بالله منهم ومن أختهم، لكنهم ما زالوا يصرون ويلحون حتى قال: أنزلوها في ذلك المكان، مكان في الأسفل وهو فوق الجبل في صومعته، وكان في كل يوم يصنع الطعام وينزل يضعه على بابها ثم يصعد، وينادي عليها بعدما يصعد هو لتخرج فتأخذ الطعام، فالشيطان بعد حين جاءه وقال له: لو أنك تركت الطعام على بابها لربما يراها بعض الفساق، طيب ماذا أصنع؟ قال له: أدخل لها الطعام إلى الداخل، فالرجل أطاع الشيطان فأدخل الطعام، ثم بعد ذلك بزمن جاءه وقال له: هذه مسكينة تجلس وحدها الليل والنهار لا تجد من يؤنسها ولا من يكلمها، فلو أنك جلست معها حيناً، يعني: أعطها فقط من وقتك قليلاً، فبدأ يتردد عليها، ثم لم يزل يزينها في عينيه ويجملها حتى ضرب على فخذها يوماً، ثم في يوم آخر وقع عليها. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يخلون رجل بامرأة إلا والشيطان ثالثهما ). وبعد أن وقع عليها حملت، والبطن كل يوم تكبر وتزيد، والإخوة قد يصلون في أي وقت، فقال إبليس لــبرصيصا: أنت الآن في مصيبة، وإخوانها سيأتون ويجدون المولود، فقال له برصيصا : ماذا أصنع؟ قال له: اقتل الولد، فقتل الولد ودفنه، فقال له: أتراها كاتمة إخوانها ما صنعت بولدها؟ إنها سوف تُخبر عنك مباشرة. فقال له: ماذا أصنع؟ قال له: اقتلها. يعني: زنى ثم قتل ثم قتل. فقتلها ودفنها إلى جوار ولدها، وصعد إلى صومعته، وما لبث إلا يسيراً حتى جاء الإخوة من الغزو، فقالوا: أين أختنا؟ فبكى بدموع التماسيح، ولربما مسح بدموعه لحيته وترحم عليها وقال: نعم الأخت كانت، لقد مرضت فقمت عليها حتى ماتت فدفنتها، فاسترجعوا وحوقلوا وحسبلوا وصدقوا ما قاله الرجل؛ لأنه صاحب دين عندهم، وذهبوا. فجاء الشيطان في المنام للأخ الأكبر وقال له: أين أختك؟ فقال له: برصيصا قال كذا وكذا، فقال له: لا ليس هكذا، أنا سأخبرك، وبدأ يخبره عن القصة من أولها إلى آخرها، ثم جاء للأخ الثاني، ثم جاء للثالث في المنام، فلما أصبحوا، قال الأخ الأكبر: إني رأيت رؤيا وأعوذ بالله، لقد كان كذا وكذا، نعوذ بالله من الشيطان، قال الأوسط: وأنا قد رأيت، قال الأصغر: وأنا كذلك، فقال الأكبر: إنما هي حلم ليست بشيء، وقال الأصغر: لا والله! لأذهبن ولأبحثن في المكان الذي عينه، فذهب وحفر ووجد الأخت ليست ميتة وإنما مقتولة وإلى جوارها طفل صغير، فجيء بـبرصيصا إلى المحكمة، وأقر، وحكم عليه بالقتل، فجاءه إبليس فقال له: أنا صاحبك الذي زين لك ما قد مضى، وإني قادر على أن أنجيك الساعة، ولسان حاله: أنا محامي درجة أولى، والآن ممكن أن نجد بعض الثغرات القانونية ونلتف على قرار القاضي، ونطلب استئناف، وأستطيع أن أخفف عليك هذا الحكم، لكن هناك طلب واحد، فقال له: ما هو؟ قال له: تسجد لي. فقط أعطني سجدة واحدة، فخر مباشرة ساجداً، فالشيطان ضحك منه، وقال له: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ[الحشر:16]، وهكذا الشيطان يجر ابن آدم إلى المهالك، ثم بعد ذلك يتخلى عنه.فمطلوب منك جهاده فيما يثير من شبهات، ومطلوب منك جهاده فيما يبعث من شهوات، وهذا كله من الشهوات، والدين ما منعنا، الدين أباح لنا أن نأكل، وأن نشرب، وأن ننام، وأن نتمتع بالنساء، وأباح لنا حتى الشهوات المعنوية، شهوة الجاه، وشهوة الشهرة وغيرها، ولو أن الإنسان أتى هذا كله من بابه المشروع فلا تثريب عليه، لكن الممنوع والحرام أن الإنسان يتعدى حدود الله، أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.
 

الأسئلة

 كيفية زواج المسلم من الكتابية وشروطه
السؤال: كيف يتم زواج مسلم من كتابية؟ وهل يتم عقد الزواج في المسجد أم الكنيسة وخصوصاً إذا لم يكن وليها موجوداً؟الجواب: والله أنا ما جربت يا أخي من أجل أن أعرف أنه ينعقد في الكنيسة وإلا في المسجد، زواج الكتابية لا يجوز إلا بشروط: الشرط الأول: أن تكون كتابية فعلاً، وإلا بالذات في أوروبا وأمريكا كثيرون من الرجال والنساء ملاحدة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، يعني هو يقول: أنا نصراني، لكنه في حقيقة الأمر لا نصراني ولا شيء، فلابد أن تتأكد من أنها كتابية.ثم الشرط الثاني: لابد أن تكون محصنة، بمعنى: عفيفة؛ لأن الله عز وجل قال: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5]، و(المحصنات) بمعنى: العفائف، فلا يجوز أن تتزوج بزانية، والآن الفتيات في أوروبا وأمريكا الأصل فيهن الزنا، يعني: فلا تجد عفيفة إلا باعتبار شيء نادر وشاذ، والشاذ لا حكم له.ثم الشرط الثالث: أن يكون التصرف بيد الزوج المسلم، فله القوامة وله الأمر وله النهي، والأولاد يتبعونه في دينه، وهذا لا يحصل، وهذا من أول شيء يسأل: هل يعقد في المسجد وإلا في الكنيسة؟ يعني: يريد أن يبدأ حياته في الكنيسة من أجل أن يرفع الصليب في وجهه، ومن أجل أن يرش عليه الماء، ويعمل له البخور، ومثل هذه الطقوس التي ما أنزل الله بها من سلطان، فلا تتزوج كتابية، والمسلمات ما شاء الله موجودات بكثرة فلا ينبغي أن يتركن، ومتى سيتزوجن إذا أنت تفتش عن كتابية وهذا يفتش عن صينية؟!نسأل الله عز وجل أن يتقبل منا أجمعين، وأن يعفو عنا أجمعين، وأن يرفع درجاتنا في عليين، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، ونسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، اللهم إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم إنا نسألك خير المسألة، وخير الدعاء، وخير الثواب، وخير النجاح، وخير العلم، وخير العمل وخير الحياة وخير الممات، وثبتنا وثقل موازيننا، وحقق إيماننا، وارفع درجاتنا، واغفر خطيئاتنا، وتقبل صلاتنا. ونسألك الدرجات العلى من الجنة، ونسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتلم بها شعثنا، وتبيض بها وجوهنا، وتصلح بها ديننا، وتحفظ بها غائبنا، وترفع بها شاهدنا، وتزكي بها عملنا، وتدفع بها الفتن عنا، وتعصمنا بها من كل سوء يا سميع الدعاء.اللهم اختم لنا شهر رمضان بالمغفرة والرضوان، والعتق من النيران، اللهم اجعلنا من عبادك المقبولين، اللهم اجعلنا من عبادك المقبولين، اللهم اجعلنا من عبادك المقبولين، اللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيماناً واحتساباً، واجعلنا ممن قام رمضان إيماناً واحتساباً، اللهم اجعل شهر رمضان شاهداً لنا ولا تجعله شاهداً علينا يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين، يا خير المسئولين ويا خير المعطين. نسألك ألا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل متقبل مبرور برحمتك يا عزيز يا غفور، اغفر لآبائنا وأمهاتنا ولمشايخنا ولسائر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم اغفر لمن بنى هذا المسجد المبارك، ولمن عبد الله فيه، ولجيرانه من المسلمين والمسلمات.ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الجهاد وأنواعه [2] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net