اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإشهاد للشيخ : عبد الحي يوسف


الإشهاد - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
سداً لباب الفساد في المجتمع، وحتى يتميز النكاح من السفاح شرع الإشهاد في النكاح، وهو عند الدخول واجب، وعند العقد مندوب، ويشترط في الشاهد شروط: منها: العدالة، والذكورة، والإسلام.
تلخيص لما سبق ذكره من أحكام النكاح
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، وعدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:فأحمد الله الذي جمعنا، وأسأل الله سبحانه أن يجمعنا في جنات النعيم، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم، وأن يجعلنا إخواناً على سرر متقابلين.أما بعد:هذا الدرس يتناول الأحكام الفقهية العملية التي ينبغي لنا أن نحيط بها معشر المسلمين؛ لأنها تتعلق بحياتنا، وكان الكلام فيما مضى من الدروس يتناول فقه النكاح، وتوقف بنا الكلام عند أركان النكاح.
 أركان النكاح
بعد ذلك كان الكلام عن أركان عقد الزواج، وعرفنا بأن الأركان ثلاثة:أولها: الصيغة. وثانيها: طرفا العقد. وثالثها: الولي. أما الصيغة: فهي اللفظ الدال على رغبة كل من الطرفين في إتمام العقد، والرضا بالآثار المترتبة عليه. والصيغة فيها لفظان: إيجاب وقبول؛ بأن يقول ولي المرأة: زوجتك ابنتي، أو زوجتك أختي، أو زوجتك موكلتي، ويقول الآخر: قبلت، وقد قلنا: إنه لا مانع من أن يتقدم الإيجاب على القبول؛ بأن يقول الرجل: زوجني ابنتك، أو زوجني موليتك، فيقول الآخر: قد زوجتك، وعرفنا بأن الصيغة ليس لها ألفاظ معينة، بل ما جرى عليه عرف الناس، يعني: إما أن يقول: أنكحتك، وإما أن يقول: زوجتك، بل قال بعض أهل العلم: بأنه ينعقد بلفظ الهبة، كما قالت المرأة: ( يا رسول الله! إني وهبت لك نفسي )، أو مثلاً بعض الناس الآن قد يقول: أديتك، و(أديتك) كلمة تدل على معنى أنكحتك وزوجتك، بشرط أن يخلو العقد من التوقيت، فلا يجوز أن نعقد بأن هذا العقد مدته سنة، أو مدته كذا، وكان بعض المشوشين -أخبرني بذلك واحد من الناس- قد حمل عقد الزواج وأخذ ينظر فيه زماناً طويلاً، فقالت له زوجته: لك ساعة تنظر في العقد هذا لماذا؟ فقال لها: أنظر تاريخ الانتهاء، فهو مستعجل، فأقول: إن العقد لا بد أن يخلو عن التوقيت، فإذا كان فيه توقيت فمعناه: أن هذا نكاح متعة، ونكاح المتعة حرام باتفاق أهل الإسلام، وما شذ عن ذلك إلا الروافض؛ لأن نكاح المتعة حرام إلى يوم القيامة، وقد حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أبيح أولاً.والعقد أحياناً تقترن به شروط، وهذه الشروط على ثلاثة أقسام: شروط هي من مقتضى العقد، فهذه لا بأس بها، مثلاً: أن تشترط الزوجة على زوجها أن يعاشرها بالمعروف، وهذا أصلاً اشترطت أو ما اشترطت المفروض أن يعاشرها بالمعروف، أو أن تشترط عليه أن ينفق عليها، وهذا الشرط أيضاً لا قيمة له، لازم عليه أن ينفق عليها بأمر الله لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7]، فهذه الشروط هي من مقتضى العقد، كما نقول بتعبيرنا: تحصيل حاصل.النوع الثاني من الشروط: ما ليس من مقتضى العقد، لكن لا تنافي العقد، كأن تشترط عليه مثلاً ألا يسافر بها، أي: لا يأخذها مكاناً بعيداً، أو تشترط عليه ألا يمنعها من العمل، مثلاً: هي تعمل مدرسة وتشترط أنها تواصل في هذه الرسالة، هذه الشروط يستحب الوفاء بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج ).النوع الثالث من الشروط: شروط تخالف مقتضى العقد، مثلاً: يتزوج رجل امرأةً، ويشترط عليها ألا ينفق عليها، أو ألا يبيت عندها، أو امرأة تتزوج رجلاً وتشترط عليه أن تخرج بغير إذنه، أو تشترط عليه أن يطلق ضرتها، فهذه شروط لا قيمة لها؛ لأنها تنافي شرع الله، وشرط الله أسبق، وقضاء الله أوثق، ولا يحق لإنسان أن يشترط شرطاً يخالف شرع الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله باطل وإن كان مائة شرط )، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام.الركن الثاني: طرفا العقد، وهما الزوج والزوجة، ويشترط فيهما ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون أحدهما متحقق الذكورة، والآخر متحقق الأنوثة، يعني: لا يكون أحدهما خنثى مشكل، بل لا بد أن يكون أحدهما ذكراً كامل الذكورة، والطرف الآخر أنثى كاملة الأنوثة.الشرط الثاني: عدم الإكراه؛ بأن يكون كل من الطرفين عن رضا تام؛ لأن أي عقد في شريعة الإسلام لا بد فيه من التراضي، حتى ولو كان بيع زجاجة ماء، فلا يصح بالإكراه، والإكراه لا يترتب عليه أثر.الشرط الثالث: ألا يكون أحدهما محرماً على الآخر، وقد مضى بيان أسباب التحريم سواء كانت حرمة مؤبدة أو حرمة مؤقتة لعارض.الركن الثالث: الولي، والولي تقدم معنا الكلام في أنه نوعان: إما أن يكون ولياً خاصاً، وإما أن يكون ولياً عاماً، والولي الخاص إما أن يكون بسبب نسب، أو بسبب كفالة، بمعنى: أن الإنسان يكون ولياً لامرأة لأن بينهما نسباً، ككونه أباها، أو أخاها، أو ما أشبه ذلك، أو كفالة بمعنى أن الإنسان ربى بنتاً وقام عليها منذ صغرها، فعند النكاح هو وليها، وأما الولي العام فهو السلطان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( والسلطان ولي من لا ولي له )، فإذا كان هناك واحدة لا يعرف لها أهل، أو ربما امرأة أسلمت وأهلها كفار، فالكافر لا ولاية له على المسلمة، وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء:141]، ففي هذه الحالة السلطان هو الذي يتولى عقد نكاحها.وهذا الولي هو مظهر من مظاهر تكريم الإسلام للمرأة، فالإسلام يكرم المرأة فينصب هذا الولي مدافعاً عنها، ومحامياً عن حقوقها؛ لأن المرأة بما جبلت عليه من الحياء، قد يحملها حياؤها على أن تتنازل عن حقوقها، أو قد يكون في نفسها شيء فلا تستطيع أن تبوح به، فنصب الله الولي الذي هو أبوها أو أخوها مثلاً من أجل أن يقوم بهذا الدور نيابةً عنها، وهذا الولي يشترط فيه شروط: أول هذه الشروط: الإسلام، ولأجل أن يتولى فلان عقد النكاح لفلانة لا بد أن يكون مسلماً.الشرط الثاني: الأهلية الكاملة، بمعنى البلوغ والعقل، فهذا الولي الذي يقوم بعقد النكاح لا بد أن يكون بالغاً عاقلاً.الشرط الثالث: الذكورة، فلا يصح أن تعقد امرأة لامرأة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها)، فإن العاهر هي التي تزوج نفسها، لذلك الآن من العرف الطيب الموافق لشرع الله عز وجل بأنه ما عندنا امرأة تتولى إنكاح نفسها، بل لا بد أن يجلس وليها فيباشر هذا العقد، وهذا الذي عليه جمهور العلماء، خلافاً للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.الشرط الرابع في الولي: ألا يكون محرماً بحج أو عمرة.هذا كله مراجعة لما مضى.
الإشهاد في النكاح
وعقد النكاح لا بد فيه من شروط ثلاثة: الشرط الأول: ألا تكون المرأة محرمةً على الرجل، لا حرمة مؤبدة، ولا مؤقتة لعارض.الشرط الثاني: الإشهاد.الشرط الثالث: الصداق.وليس الإشهاد في النكاح فقط؛ بل حتى في البيع، فقد قال الله عز وجل: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة:282]، وهذا على سبيل الندب، من أجل حفظ الحقوق، وتعرفون أن البيوع على ضربين: بيوع لها خطرها، وبيوع تمارس يومياً لا قيمة لها، فكون الإنسان يشتري له كيس عيش، أو كيس خضار، أو يشتري له بطيخة، فهذه لا تحتاج لإشهاد، لكن البيوع التي لها خطرها كبيع البيت، وبيع العقار، وبيع السيارات مثلاً، وما أشبه ذلك، هذه بيوع دائماً نحتاج فيها إلى إشهاد.والنكاح أخطر من البيع؛ لأن الله عز وجل سماه في القرآن ميثاقاً غليظاً، فأنت لا تملك رجلاً سيارة، ولا تملكه جهازاً، ولا متاعاً، ولا أرضاً، وإنما تملكه إنسانة، وهذه الإنسانة أسيرة عندك، إما أن تكون بنتاً، أو أختاً، أو أماً، وما أشبه ذلك، ولذلك الإسلام يأمرنا هنا بالإشهاد؛ لأن هناك حقوقاً كثيرة، فهناك نسب، وهناك ميراث، فالرجل إذا تزوج ثم مات فإن هذه المرأة ترثه، ولو كانت وفاته بعد دقيقة من العقد، فلو أن رجلاً عقدنا له في المسجد ثم قام من الفرح فمات، فإنها ترثه، فعندنا نسب، وعندنا ميراث، وعندنا عدة، وعندنا حرمة مصاهرة، وهناك حقوق وآثار عظيمة تترتب على هذا العقد الذي يتم بين طرفين، ولهذا الإسلام في شرعه الحكيم اشترط الإشهاد فقد جاء في الحديث: ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل )، فلا بد أن يكونوا شهوداً عدولاً، يعني: أناساً معدلين معروفين.
 الشروط التي يلزم توافرها في الشاهد
والذي تصح شهادته في العقد لا بد أن يكون عدلاً، وأول مراتب العدالة الإسلام، فالكافر ليس بعدل، بدليل أن الله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]، وأيهما أشر الفاسق أم الكافر؟ لا شك أنه الكافر؛ لأن الفاسق مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لكنه مبتلى ببعض المصائب كشرب الخمر، أو الزنا، أو الربا، أو كذا، لكن الكافر لا يشهد أن لا إله إلا الله، أو يشهد أن لا إله إلا الله ولا يشهد أن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالكافر لا تصح شهادته. ويشترط في العدالة في الإشهاد: الذكورة، فقد جاء في الموطأ: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: هو نكاح السر، ولا أجيزه، ولو كنت تقدمت فيه لرجمته. فعقد النكاح أو الدخول لا بد أن يشهد عليه رجال، ولا تصح فيه شهادة النساء، فشهادة النساء هناك في الأموال، قال الله عز وجل: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282]، أما بالنسبة للأنكحة فلا يعتد فيها إلا بشهادة الرجال.ثم بعد ذلك بلوغ وعقل، فلا بد أن يكون الشاهدان بالغين عاقلين، ثم بعد ذلك يكون هناك عدالة، فلا يكون عنده شيء من خوارم المروءة، لا يكون عنده شيء من أسباب الفسق؛ لأن الله عز وجل قال: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282].ولا يجوز أن يكون الشاهد ممن يتهم في شهادته، كأبي الزوجة أو ابنها، فمثلاً: يأتي أبوها أو أخوها ليشهد بأن فلاناً تزوج فلانة، فهذا لا تقبل شهادته، ولذلك من العرف الطيب الذي جرى عليه الناس بأنهم في عقد النكاح يشهدون واحداً من عشيرة الزوج، وآخر من عشيرة الزوجة، أي: من الطرفين.كذلك لا يجوز أن يكون الولي أحد الشهود؛ لأن الولاية شيء، والشهادة شيء آخر؛ ولأن هؤلاء جميعاً يتهمون بالستر على المرأة، إذا وجدت مع رجل ادعت أنه زوجها -نسأل الله أن يحفظ أعراضنا جميعاً- لأنه لو أبيح ذلك ووقعت هذه البنت في زنا والعياذ بالله، فسيأتي وليها ويقول: إن فلاناً هذا زوجها وأنا كنت شاهداً، فسد هذا الباب. ونكاح السر لا يجوز الذي يتواصى فيه الزوجان والشهود بالكتمان، فمثلاً: لو جيء بمأذون، ثم جيء بشهود اثنين، وولي الزوجة، وتم العقد ثم قالوا: هذا العقد لا بد أن يكتم، فهذا لا ينفع، فنكاح السر لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أعلنوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف )، وفي لفظ: ( أعلنوا النكاح )، وفي حديث أبي الحسن المازني : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره نكاح السر حتى يضرب عليه بدف )؛ لأن نكاح السر -أجارنا الله وإياكم- أشبه الزنا، فالزنا يكون في السر، وأوله مخافة، وآخره ملامة، فإذا لم يكن هناك ريبة فلم يتكاتمون هذا النكاح مع أنه أمر قد أباحه الله عز وجل؟ لكن إذا حصل الدخول في نكاح السر فإنه يحكم بصحته، ولكن يؤدب الزوجان، إلا إذا عذرا بجهلهما، ويعاقب الشهود الذين يتواصون على كتمان هذا النكاح.نكتفي بهذا القدر، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإشهاد للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net