اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حمالة الحطب للشيخ : عبد الحي يوسف


حمالة الحطب - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
تحدث القرآن الكريم عن الأبرار والفجار، وذكر صفات كل منهما، ومن صفات الفجار: السعي بين الناس بالنميمة، وقد ذكر القرآن امرأة أبي لهب وأنها في النار؛ لأنها كانت تمشي بين الناس بالنميمة. والنميمة داء وبيل وشرٌ عظيم يفسد العلاقات الأخوية بين الناس، وينشئ المنازعات والقتال بينهم. والنميمة من كبائر الذنوب، ومن أسباب عذاب القبر، ومن موانع دخول الجنة، فيجب الحذر منها وتجنب الاستماع إلى أصحابها.
أنصار الخير وأنصار الشر
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، أحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار. وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار. وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.أما بعد: أيها الفضلاء! أحمد الله الذي هيأ لنا هذا اللقاء في هذه الليلة المباركة، ليلة الجمعة التي يستحب فيها الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت عنه في الحديث أنه قال: (إن من خير أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا من الصلاة علي فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ -يعنون: بليت- فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء). أسأل الله سبحانه كما جمعنا في هذا المسجد المبارك، أن يجمعنا في جنات النعيم، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم، وأن يجعلنا إخواناً على سرر متقابلين.إخوتي الكرام! عنوان هذه الكلمة: حمّالة الحطب، أقول في مقدمتها: ما أكثر الشخصيات التي تحدث عنها القرآن، وهي على نوعين:النوع الأول: شخصيات مؤمنة برة تقية، ملأت الأرض نوراً وعدلاً وهدىً ورحمة، كأنبياء الله ورسله وأوليائه وصالحي عباده، جزاهم الله عن الإسلام وأهله خيراً.النوع الثاني: شخصيات ملأت الأرض ظلماً وجوراً وبطشاً، وتحدث عنها القرآن بما فيها، ومن هؤلاء: حمّالة الحطب زوجة أبي لهب العوراء، أم جميل بنت حرب ، التي توعدها ربنا جل جلاله هي وزوجها بنار ذات لهب، تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ[المسد:1] قال أهل التفسير: التباب هو الخسار، كما في قوله جل جلاله: وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ[غافر:37] أي: في خسار.قالوا: (تبت) الأولى: دعاء، (وتب) خبر.
 

المال لا يغني عن المرء شيئاً
يقول الله عز وجل بعدما دعا عليه وقد حصل هذا التباب والخسار: مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ[المسد:2] ما أغنى عنه ماله الذي جمعه وحرص على تنميته وتثميره؟ وما أغنى عنه كسبه؟ قالوا: المقصود بالكسب هاهنا الذرية والأولاد.قال أهل التفسير: اختصم بنو أبي لهب ، فجاءو إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ليصلح بينهم، فاقتتلوا عنده، فقام ليحجز بينهم، فدفعوه حتى سقط، فقال رضي الله عنه: أخرجوا عني الكسب الخبيث! وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه) .كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للناس في الموسم أو في سوق عكاظ: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم، إني رسول الله إليكم جميعاً، وكان عمه أبو لهب -وهو رجل أحول جسيم ذو غديرتين- يسير خلفه ويقول: لا تصدقوه فإنه كذاب، لا تصدقوه فإنه ساحر، فيعجب الناس ويقولون: من هذا؟ فيقول أهل مكة: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله، والرجل الذي خلفه عمه أبو لهب ، فكان الناس يقولون: عمّه أعلم به) أي: إذا قال عمّه: إنه كذاب فهو كذلك، وإذا قال: إنه ساحر فهو كذلك، فكان صاداً عن سبيل الله، قال الله عز وجل: سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ[المسد:3].
 

جزاء إيذاء الصالحين
قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ[المسد:4] أي: زوجته، وهي العوراء أم جميل بنت حرب ، حَمَّالَةَ الْحَطَبِ[المسد:4] أو (حمالةُ الحطب) قراءتان، قال أهل التفسير: كانت هذه المرأة الظالمة الباغية تطرح الأقذار والأشواك والحطب في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى بابه، فما كان صلى الله عليه وسلم يزيد على أن يرفع يده ويقول: (ما هذا الجوار يا بني عبد المطلب؟!) .وقيل: بل قوله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) إخبار عن المآل وأنها في النار والعياذ بالله، فهي ستأخذ الحطب وتطرحه على زوجها؛ لتزيده عذاباً فوق العذاب؛ لأنها في الدنيا حرَّضته على الكفر وزينت له الشرك. وقيل: بل قوله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) لأنها كانت بخيلة رغم غناها وكثرة مالها، وكانت تنقل الحطب على رأسها وتبيعه.وقيل: بل قوله تعالى: (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) كناية عن سعيها بالنميمة بين الناس، كانت تنقل كلام الناس بعضهم إلى بعض؛ لتفسد بينهم، وتقطع الأواصر، وتزرع العداوة والبغضاء، فهي بمثابة من يحمل الحطب ليزيد النار اشتعالاً، قال تعالى: فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ[المسد:5].أيها الفضلاء! ما أكثر آباء لهب وأمهات لهب في زماننا، ما أكثر هؤلاء الصَّادين عن سبيل الله، المشائين بالنميمة بين الناس، الملتمسين للبرآءِ العيب، الذين يعملون على زرع العداوة والبغضاء بين المؤمنين والمؤمنات، هؤلاء جميعاً ينبغي أن يُذكّروا بهذه الآية؛ لأن الله عز وجل وصف تلك المرأة الباغية الظالمة بهذا الوصف القبيح، ليحذرنا من أن نسلك سلوكها، وأن نسير سيرها، فالنميمة من القبائح والمنكرات التي نهانا عنها ربنا جل جلاله.
 

النميمة
النميمة هي: نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة قتَّات) . قيل: القتَّات هو النمَّام، وقيل: بل القتات هو الذي ينقل كلاماً ما سمعه وإنما نُقل إليه، كأن يُقال له: إن فلاناً قال في فلان كذا، فيبادر إلى نقل الكلام دون أن يكون قد سمعه منه، أما النمام فهو الذي سمع الكلام بنفسه فنقله. وقد أجمع المسلمون على أن النميمة حرام، وما قال بجوازها أحد.
 آثار النميمة وأضرارها
الآثار الاجتماعية التي تترتب على النميمة كثيرة، منها: التفرقة بين الزوجين المتحابين، وإيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين والمؤمنات، وتهديم الأسر وتشتيت العوائل، وربما إسالة الدماء وإثارة النعرات وغير ذلك، وهذه الآثار الخطيرة الموجودة الآن في مجتمعات المسلمين تحملنا حملاً على أن نحذر من هذه الآفة، وأن نأخذ بالأسباب القاطعة لأصلها، وقد قال أهل العلم: ينبغي للنمام أن يبادر إلى الله عز وجل بالتوبة، وأن يشتغل بعيبه عن عيوب الناس، وأن يشتغل بإصلاح نفسه، وأن يعلم يقيناً أنه ما دام مقيماً على هذا الذنب، فقد عرض نفسه لسخط الله عز وجل، وقد اتبع نهج شياطين الإنس والجن، ممن يوقعون العداوة والبغضاء بين المؤمنين والمؤمنات.أسأل الله عز وجل أن يهدينا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها لا يصرف سيئها إلا هو.اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، ونسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين.اللهم إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهُنا، وارفعنا ولا تضعنا.اللهم سلمنا وسلم الناس منا، اللهم سلمنا وسلم الناس منا، اللهم سلمنا وسلم الناس منا.اللهم تقبل توبتنا واغفر حوبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، وسدد ألسنتنا، واهد قلوبنا، واسلل سخيمة صدورنا، واجعل هذا المجلس المبارك شاهداً لنا لا علينا، واجعله في صحائف حسناتنا يوم نلقاك، وكما جمعتنا فيه نسألك أن تجمعنا في مستقر رحمتك ودار كرامتك مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حمالة الحطب للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net