اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [71-78] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الكهف - الآيات [71-78] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
يحكي ربنا ما حدث بعد أن أخذ موسى العهد ألا يسأل عن شيء يفعله الخضر، فانطلقا معاً فركبا سفينة، ثم إذا بالخضر يخرق السفينة، فاعترض عليه موسى فذكره بالعهد فاعتذر موسى، ثم انطلقا فوجدا غلاماً فقتله الخضر فاعترض عليه موسى فذكره الخضر بالعهد، فأخذ موسى على نفسه العهد إن سأله شيئاً آخر ألا يصاحبه، فاعترض عليه موسى ففارقه الخضر.
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ...) إلى قوله: (... ولا ترهقني من أمري عسراً)
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد: فيقول تعالى: فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:71-78].تقدم معنا الكلام عن سبب هذه القصة التي أوردها ربنا تبارك وتعالى في هذه السورة، وعرفنا من كلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : ( أن نبي الله موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: هل أحد أعلم منك؟ فقال: لا )، أو سئل: ( يا نبي الله! أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، ولم يستثن، فعاتبه ربه أن لم يرد العلم إليه، وقال له: بلى، إن عبدنا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال: يا رب! كيف السبيل إلى لقيه؟ فقال له: خذ حوتاً، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فانطلق موسى عليه السلام ومعه فتاه يوشع بن نون إلى أن بلغ المكان الذي عين لهما، فوجدا ذلك العبد الصالح مسجىً ببردة خضراء، فسلم عليه موسى عليه السلام، وسأله الصحبة ليتعلم منه علماً نافعاً، فاشترط عليه ذلك العبد الصالح إن صحبه ألا يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يخبره، قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف:70]، وبين له العلة في ذلك، فقال له: يا موسى! أنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه أنت ).
 معنى قوله: (ولا ترهقني) واختلاف القراءات في (عسراً)
موسى عليه السلام قال: وَلا تُرْهِقْنِي [الكهف:73]، يقال: رهقه إذا غشيه، وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً [الكهف:73]، (عسراً) هذه قراءة الجمهور، وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع : (ولا ترهقني من أمري عسراً)، بضم العين والسين، وهما لغتان، كما يقال: نكراً، ونكراً، سيأتي معنا في الآية التي بعدها قراءة: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [الكهف:74]، وقراءة: (لقد جئت شيئاً نكراً)، هنا أيضاً (عُسْراً) (عُسُراً)، يقول موسى عليه السلام لأستاذه: عاملني باليسر لا بالعسر، لا تؤاخذني بالنسيان الذي طرأ علي، ففرط مني ما فرط من إنكار وغلظة قول، فأرجو منك المسامحة لا المؤاخذة.
فوائد من قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ...) إلى قوله: (... سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً)
هذه الآيات يستفاد منها فوائد:الفائدة الأولى: قول الله عز وجل: فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ [الكهف:71] يستفاد منه جواز ركوب السفينة في البحر من غير كراهة، وهذا الكلام قد تستغربونه، لكن يزول استغرابكم لو علمتم بأن بعض الفقهاء قالوا بكراهة ركوب البحر، لكن الصحيح: أنه لا حرج، وقد ركبه الصحابة؛ بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تنبأ بذلك لما قال في بيت أم حرام -أي: نام نومة القيلولة- فاستيقظ وهي تمسح العرق عن وجهه صلى الله عليه وسلم، فتبسم وقال: ( أريت أناساً من أمتي يركبون ثبج هذا البحر، ملوكاً على الأسرة، غزاةً في سبيل الله. فقالت أم حرام : ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم )، وفعلاً هذه المرأة الصالحة ركبت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيةً في سبيل الله، ومريدون غزو القسطنطينية، فأدركها الموت رضي الله عنها ودفنت في تلك البلاد، وإلى الآن قبرها يعرف بقبر المرأة الصالحة.الفائدة الثانية: قول الله عز وجل: خَرَقَهَا [الكهف:71]، للخرق سببان: الأول: قول: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ [الكهف:79] أي: أمامهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف:79]، وفي قراءة ابن عباس : (كل سفينة صالحة غصباً)، يعني: أي سفينة تعجبه يأخذها، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79]، أي: أردت تشويهها من أجل أنه إذا رآها ذلك الملك الظالم يزهد فيها، كما لو أن إنساناً ظالماً رأى سيارةً من نوع المرسيدس مثلاً أو من نوع سيارة كبيرة فإنه تحدثه نفسه بالاستيلاء عليها، لكن لو رأى مضرورة ذات اليمين وذات الشمال ففي الغالب أنه يخليه يفوت ويمشي. فهنا أخذ العلماء قاعدة، قالوا: في خرق السفينة دليل على أن للولي أن ينقص مال اليتيم إذا رآه صالحاً، مثل أن يخاف على ريعه ظالماً فيخرب بعضه، وقال أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب أبي حنيفة : يجوز للولي أن يصانع السلطان ببعض مال اليتيم.نقول: يجوز إتلاف بعض المال لإنقاذ كله، سفينة تحمل مالاً كثيراً بلاط مثلاً، أو إسمنت، والحمولة ثقيلة، في هذه الحالة يرمى ببعضه في البحر من أجل إنقاذ كله.الفائدة الثالثة: قول موسى عليه السلام للخضر : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً [الكهف:71]، يدل على مشروعية إنكار المنكر لمن علم أنه منكر، فهنا موسى عليه السلام وجد أن هذا الأمر منكر بحسب شريعته هو عليه الصلاة والسلام، فبادر إلى الإنكار.وقول موسى عليه السلام: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ [الكهف:74]، يدل على مشروعية القصاص في شريعة موسى، وهذا ظاهر في قول الله عز وجل: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا [المائدة:45] أي: في التوراة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45].الفائدة الرابعة: قول الله عز وجل: اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا [الكهف:77] فيه دليل على جواز سؤال القوت، وأن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يرد به جوعه، يعني: لو أن إنساناً جائعاً ما عنده شيء فلا يقول: أنا لا أسأل الناس، وأنا أتعفف، حتى يموت من الجوع، فيلقى الله عاصياً، فالجائع له أن يسأل الناس ما يرد به جوعه.مما نأخذه من إشارات هذه الآيات: أن الضيافة كانت واجبة في دين القوم، قال أهل التفسير: وهذا هو الأليق بحال الأنبياء والأولياء، أنهم لا يسألون الناس إلا ما وجب عليهم بذله.الفائدة الخامسة: في الآيات دليل على وجود المجاز في القرآن، وهو مذهب الجمهور، مع تقديرنا واعتزازنا بالعلامة الشيخ محمد الأمين رحمه الله، إلا أنني أقول: الصحيح -والعلم عند الله تعالى- هو أن المجاز موجود في القرآن، لكن في غير صفات الله جل جلاله، ومنه قول الله عز وجل: وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا [يوسف:82]، فليس المقصود: أن يعقوب سيذهب ليسأل الجدران، وإنما المقصود: واسأل أهل القرية، وكذلك قول الله عز وجل في سفينة نوح: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ [القمر:14]، باتفاق المفسرين أن المقصود بقوله تعالى: (تجري بأعيننا) أي: برعايتنا وعنايتنا، ومنه قول الله عز وجل: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39].الفائدة السادسة: جواز الإجارة، وهذه مأخوذة من قول الله: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف:77]، وفي القرآن الكريم أن موسى عليه السلام آجر نفسه لما تزوج بنت العبد الصالح، فقال له: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ [القصص:27]، وقد أتم موسى العشرة، فالإجارة جائزة.الفائدة السابعة: جواز التبرع بالعمل ابتغاء وجه الله، وقد تبرع الخضر عليه السلام بعمله ولم يرد من الناس جزاءً ولا شكوراً، وإنما أراد ما عند الله من أجر وثواب.أسأل الله أن ينفعني، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 معنى قوله: (ولا ترهقني) واختلاف القراءات في (عسراً)
موسى عليه السلام قال: وَلا تُرْهِقْنِي [الكهف:73]، يقال: رهقه إذا غشيه، وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً [الكهف:73]، (عسراً) هذه قراءة الجمهور، وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع : (ولا ترهقني من أمري عسراً)، بضم العين والسين، وهما لغتان، كما يقال: نكراً، ونكراً، سيأتي معنا في الآية التي بعدها قراءة: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [الكهف:74]، وقراءة: (لقد جئت شيئاً نكراً)، هنا أيضاً (عُسْراً) (عُسُراً)، يقول موسى عليه السلام لأستاذه: عاملني باليسر لا بالعسر، لا تؤاخذني بالنسيان الذي طرأ علي، ففرط مني ما فرط من إنكار وغلظة قول، فأرجو منك المسامحة لا المؤاخذة.
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله ...) إلى قوله: (... قد بلغت من لدني عذراً)

 رؤية موسى عليه السلام فعال الخضر دون غيره ممن معه
قال الله عز وجل: فَانطَلَقَا [الكهف:77]، أي: بعدما قتل الغلام انطلقا، يقول المفسرون: وفي هذه الفعال لم يراه أحد إلا موسى، يعني: لما خرق السفينة ما رأوه الجماعة، ولما قتل الغلام أيضاً ما رأوه الغلمان الذين يلعبون، لم يره إلا موسى عليه السلام، وهذا متصور في حق الأنبياء، وقد ذكرت فيما مضى لما ( جاءت العوراء أم جميل بعدما نزلت سورة (تبت) جاءت معها فهر من حجارة، والرسول صلى الله عليه وسلم و أبو بكر عند الكعبة، قالت: يا أبا بكر ! أين صاحبك؟ بلغني أنه قد هجاني، قال: لا والله ما هجاك -فالكلام هذا غير صحيح ولم يحصل- فقالت له: أما لو رأيته لصككت فاه بهذا الفهر -أي: لو قابلته سأضربه بهذا الحجر- فانصرفت وهي تقول: مذمماً أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، تشتم الرسول عليه الصلاة والسلام، فـأبو بكر التفت للرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! أما رأتك؟ صحيح أن هذه المرأة عوراء، لكن لها عين ثانية، فقال صلى الله عليه وسلم: لقد أخذ الله بصرها عني )، فهذا متصور في حق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ...) إلى قوله: (... سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً)

 مفارقة الخضر لموسى عليه السلام
فلما قال موسى: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف:77] قال له الخضر : هَذَا فِرَاقُ [الكهف:78]، فالموضوع قد انتهى، ولكن مع ذلك سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:78].قال الله عز وجل: قَالَ )) أي: العبد الصالح هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف:78]، قال الزمخشري : الأصل في (فراق بيني وبينك) نصب (بين) على الظرفية، (هذا فراق بيني وبينك) فأضيف المصدر إلى الظرف، (هذا فراق بيني وبينك)، وكان يكفي أن يقول الخضر : هذا فراق بيننا، لكنه كرر الظرف للتأكيد، كما تقول: أخزى الله الكاذب منا ومنكم، أو مني ومنك، وكان يكفي أن تقول: أخزى الله الكاذب منا، أي: أنا وأنت، لكن هذا من باب التأكيد. سَأُنَبِّئُكَ [الكهف:78] أي: أخبرك، بِتَأْوِيلِ [الكهف:78]، التأويل هو: العلم بمآل الشيء.ثم شرع الخضر عليه السلام في البيان والتفصيل بما سيأتي معنا إن شاء الله في الدرس القادم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [71-78] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net