اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [51-59] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الكهف - الآيات [51-59] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
لقد عاتب ربنا سبحانه وتعالى من اتخذ إلهاً غيره بأنه ما أشهدهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم، كما ذكر أن هؤلاء الشركاء لا ينفعون من عبدهم في الآخرة، وزيادة في إقامة الحجة صرف الله في هذا القرآن للناس من كل مثل ليتعظوا به، لكن ثم بين أنه ما منعهم من الإيمان إلا أنهم ينتظرون ما جرى للأمم السابقة من العذاب.
تفسير قوله تعالى: (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم ...)
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد: يقول تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً * وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً * وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ قُبُلاً * وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً * وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [الكهف:51-59].توقف بنا الكلام في الدرس الذي مضى عند قول ربنا تبارك وتعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50]، وتبين لنا أن هذا الأمر الإلهي كان قبل خلق آدم، بدليل قوله سبحانه في سورة الحجر: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر:28]، وقوله في سورة ص: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:71-72].وتبين لنا أن الملائكة عليهم السلام قد سجدوا كلهم أجمعون، ما تخلف عن السجود واحد منهم.وتبين لنا من هذه الآية أن إبليس لعنه الله ما كان من الملائكة طرفة عين، بل هو من الجن بمنطوق هذه الآية، وذكرنا ما قاله بعض المفسرين، كما أن آدم أبو الإنس، فكذلك إبليس هو أبو الجن. وتبين لنا أن إبليس لعنه الله قد امتنع من السجود لآدم لعلة الكبر حين قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76]، وكما قال أهل التفسير: قياس إبليس فاسد من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أنه في مقابل النص، فالله عز وجل قال: (اسجدوا)، وكان واجباً عليه أن يسجد من غير نقاش.الوجه الثاني: ألا نسلم أن النار خير من الطين، بل نقول: الطين خير من النار؛ لأن النار يكون منها فساد وإحراق وإتلاف، أما الطين فإنه تخرج منه الثمار الناضرة، والحدائق البهيجة، وغير ذلك من المنافع.الوجه الثالث: يقال لإبليس: لو سلمنا أن النار خير من الطين، فلا نسلم بأنك خير من آدم؛ لأن شرف الأصل لا يستلزم شرف الفرع، كما قال القائل: إذا افتخرت بآباء لهم شرفقلنا صدقت ولكن بئس ما ولدواقال الله عز وجل منكراً على الكفار والمشركين: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف:50]، أي: وهم لكم أعداء، كيف توالون إبليس وتطيعون أوامره، وتنفذون رغباته، وتسلكون طريقه مع أنه عدو لكم، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً [فاطر:6]، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً [الكهف:50]، من استبدل بولاية الله عز وجل ولاية إبليس فهي صفقة خاسرة، وتجارة كاسدة.يقول الله عز وجل: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الكهف:51]، وفي قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع رحمه الله: (ما أشهدناهم) بضمير العظمة، وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:51]، والتاء تاء المتكلم جل جلاله، وفي قراءة أبي جعفر : (وما كنتَ) بتاء الخطاب، والمخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كنت يا محمد متخذ المضلين عضداً.
 إنكار الله تعالى على المشركين اتخاذ الشياطين أولياء من دون الله
يخاطب الله عز وجل في هذه الآية المشركين الذين كانوا يتخذون الشيطان ولياً من دون الله، وكانوا يستعيذون به، كما قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [الجن:6]، كان الواحد من المشركين إذا نزل وادياً وخاف من شيء قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهائه، يستعيذ بالشيطان، فيقول الله لهم: هؤلاء الشياطين الذين تستعيذون بهم، وتنفذون أوامرهم، وتسلكون سبيلهم، ما أشهدتهم خلق السموات والأرض، أي: ما كانوا شاهدين، ولا اعتضدت بهم، ولا أعانوني كما قال الله عز وجل: قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ:22]، إذا كان هؤلاء الشياطين لم يشهدوا خلق السموات والأرض، ولم يشهدوا خلق أنفسهم، فما بقي معنى لاتخاذهم أولياءً من دون الله، ودائماً يتكرر في القرآن الاستدلال بالخلق على وجوب إفراد الخالق جل جلاله بالعبادة والولاية، يقول الله عز وجل: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:17]، هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان:11]، اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ [الروم:40]، أي: هؤلاء الذين تتخذونهم شركاء لا يخلقون، ولا يرزقون، ولا يميتون، ولا يحيون.. ولا يفعلون شيئاً من ذلك، كما قال الله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف:4]، وقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً [فاطر:40].فهؤلاء ما شهدوا خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم، فما ينبغي لكم أن تتخذوهم أولياء من دون الله؛ لأنهم عبيد مربوبون مقهورون، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.وهذه الآية تنطبق على كل معبود من دون الله، من عبد صنماً، ومن عبد شجراً، ومن عبد بشراً، نجيبه بهذه الآية: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:51].
تفسير قوله تعالى: (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم ...)
يقول الله عز وجل: وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [الكهف:52]، (ويوم يقول) أي: يوم القيامة، وقرأ حمزة بن حبيب : (ويوم نقول) بنون العظمة لله جل جلاله، (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم) أي: الذين زعمتم أنهم شركاء لي في تصريف هذا الكون، وفي القيام عليه فهم ينفعون بزعمكم ويضرون، ولهم تصرف في الكون بوجه من الوجوه، وزعمتم أنهم سيشفعون لكم عند الله عز وجل، نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ، (نادوا) النداء طلب الإقبال للنصرة والمساعدة، قال الله عز وجل: فَدَعَوْهُمْ ، المشركون يوم القيامة ينادون شركاءهم: يا هبل! يا مناة! يا عزى! يا اللات! ينادون هؤلاء الشركاء، وكذلك من صرف شيئاً من العبادة لأحد سوى الله عز وجل سيناديه، من عبد نبياً، أو عبد ولياً، أو عبد شجراً، أو عبد حجراً سيناديه، فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ، الاستجابة هي الكلام الدال على سماع النداء والإقبال بنحو قول من دعوته: لبيك، فإذا قال ذلك فقد أجابك (فلم يستجيبوا لهم)، كما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13-14]، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف:5]. وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ، وقال في سورة القصص: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:62]، أي: كنتم تزعمون أنهم شركاء لي، قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ [القصص:63-64].وقال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة:166]، يتبرءون منهم، ويقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23]. فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [الكهف:52]، قال الله عز وجل: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً [الكهف:52]، أي: جعلنا بين المشركين وشركائهم (موبقاً) أي: مهلكاً، أي: جعلنا بعضهم سبباً لهلاك بعض، كما قال الله عز وجل: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت:25]، وكما قال: وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف:39]، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض.
 معنى قوله تعالى: (وجعلنا بينهم موبقاً)
قال الله عز وجل: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً [الكهف:52].(موبقاً) من الوبوق، وهو الهلاك، ومنه سميت الذنوب الكبائر موبقات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا السبع الموبقات )، ومنه قول الله عز وجل: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا [الشورى:34]، (أو يوبقهن) أي: يهلكهن، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها )، أي: مهلكها، ومنه قول زهير : ومن يشتري حسن الثناء بماله يصن عرضه عن كل شنعاء موبق وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً هي كما قال الله عز وجل: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف:41]، وكما قال: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر:16].
تفسير قوله تعالى: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً)
قال الله عز وجل: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً [الكهف:53]. هذه الجمل معطوف بعضها على بعض، يعني قال الله عز وجل: وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:51]، ثم قال: وَيَوْمَ يَقُولُ [الكهف:52] أي: لهؤلاء المضلين نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [الكهف:52]، كان يمكن أن يقال في غير القرآن: ورأوا النار، لكن عدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر؛ لبيان العلة التي من أجلها دخلوا النار وهي الإجرام، (ورأى المجرمون) والمجرم اسم فاعل من الإجرام؛ وهي ارتكاب الجناية العظيمة التي تستلزم المؤاخذة، (ورأى المجرمون النار)، رأوا النار وليست الرؤية من جانبهم فقط، بل كذلك النار تراهم، قال الله عز وجل: إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان:12-14]، وليس عجيباً على قدرة الله أن يجعل للنار عيناً تبصر، ولساناً يتكلم، وقد ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يخرج من النار يوم القيامة عنق له عينان تبصران، ولسان يتكلم يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبمن جعل مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين ).
 عجز المشركين عن الفرار والهرب من النار
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [الكهف:53]، (مواقعوها) المواقعة مفاعلة من الوقوع، مفاعلة بينهم وبين النار، أي: سيقعون فيها، وتقع عليهم، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا ، أي: ملابسوها ومخالطوها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً [الكهف:53]، لا حول ولا قوة إلا بالله، نسأل الله أن يجيرنا من النار برحمته، (لم يجدوا عنها مصرفاً)، أي: لم يجدوا سبيلاً إلى الانصراف، يقول الكافر يومئذ: أَيْنَ الْمَفَرُّ [القيامة:10]، أين المفر من عذاب الله عز وجل؟ وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً ، أي: مكاناً يتخلصون إليه، وينصرفون إليه من عذاب النار، النار قد أحاطت بهم من كل جانب كما قال الله عز وجل، وقد مر معنا: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف:29]، أي: سورها، إذا توجهوا يميناً فنار، أو شمالاً فنار، ومن فوقهم نار، ومن تحتهم نار، ومن أمامهم نار، ومن خلفهم نار، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:16].
تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ...)
الله عز وجل بعدما هدد المضلين وتوعدهم رجع يذكرهم، فيقول سبحانه: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54]، الواو واو العطف، واللام واقعة في جواب القسم، و(قد) حرف تحقيق، فالمعنى والله لقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل، (ولقد صرفنا)، التصريف: الترديد والتكرير، رددنا وكررنا، وكثرنا، (في هذا القرآن) أي: في كتاب الله عز وجل، في الكتاب العزيز، الذي لا يأتيه الباطل، والقرآن إما أنه مشتق من قرأ، ومنه قول الله عز وجل: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:17]، أي: قراءته، وإما أنه بمعنى الجمع، لِلنَّاسِ ، أي: عموماً عربيهم وعجميهم، أحمرهم وأسودهم، (من كل مثل) أي: من كل نوع من أنواع البيان، فالله عز وجل بين في القرآن ما يريد بقصص الغابرين، وما كان في القرون الداثرة، والأمم الغابرة، الله عز وجل صرف للناس في هذا القرآن من كل مثل، وأوضح لهم دلائل الربوبية في خلقه، ودلائل قدرته وعظمته جل جلاله، الله عز وجل صرف للناس في هذا القرآن من كل مثل بضرب الأمثال، تارةً يضرب لهم مثلاً بالبعوضة، وتارةً بالذبابة، وتارةً بالعنكبوت، وتارةً بالشجرة، وتارةً بالماء، وكلها مخلوقات يرونها، ويفهمون هذه الأمثال إذا وفقوا، قال الله عز وجل: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، والقرآن الكريم ما أكثر الأمثال فيه، لكن بين ربنا جل جلاله أن بعض الناس تزيده هذه الأمثال إيماناً، وبعض الناس تزيده ضلالاً، كما قال الله عز وجل: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ [البقرة:26].قال تعالى: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54]. (وكان الإنسان) اسم جنس يشمل بني الإنسان جميعاً، (أكثر شيء) أي: أكثر شيء من الأشياء التي خلقها الله عز وجل جدلاً. ‏
 صور الجدال بالباطل
ومن الجدال بالباطل ما يفعله بعض الناس حين تقول له: لم لا تصلي؟ يقول لك: لو هداني الله لاهتديت، وهذا نقول له: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54].ومن الجدال بالباطل أن بعض الناس تقول له: لم لا تصلي في المسجد فيقول: أهل المسجد هؤلاء منافقون، أو الذين يصلون في المسجد أنا أختلف معهم في الرأي ونحو ذلك، وهذا نقول له: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54]، هذه الآية سيف مصلت على كل من يجادل بالباطل.
تفسير قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلى أن تأتيهم سنة الأولين ...)
قال الله عز وجل: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ قُبُلاً [الكهف:55]. ‏
 وجوه تفسير قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا ...)
يقول الله عز وجل في هذه الآية الكريمة: (وما منع الناس) أي: الكافرين، (أن يؤمنوا) هذه على نزع الخافض، أي: من أن يؤمنوا، أي: من الإيمان، وما منع الناس من الإيمان إلا واحد من أمرين: (إلا أن تأتيهم سنة الأولين) وهذا له عدة وجوه:الوجه الأول: أي: هم ينتظرون أو يطلبون أن ينزل بهم ما نزل بالأولين من مصارع الأمم الغابرة؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ عليهم خبر قوم نوح: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً [نوح:25]، يقرأ عليهم خبر عاد وثمود: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ [الحاقة:5] أي: بالصعقة، وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ [الحاقة:6]، كان يقرأ عليهم هذه الأخبار، فكان المشركون بدلاً من أن تفعل هذه المواعظ فعلها في قلوبهم يقولون: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، كما قال قوم لوط للوط: ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ [العنكبوت:29]، وكما قالت مدين: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ [الشعراء:187]، أي: قطعاً إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ [الشعراء:187]، وهكذا هؤلاء الناس، ما منعهم من الإيمان إلا انتظارهم وتمنيهم أن تأتيهم سنة الأولين وأن ينزل بهم ما أنزل الله عز وجل بالأمم الغابرة من العذاب والنكال. الوجه الثاني: وما منع الناس من الإيمان إلا ما سبق في قدر الله، وعلمه الأزلي، ولوحه المحفوظ أنهم لا يؤمنون، فالله عز وجل يعلم المؤمن من الكافر، إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:96-97]، وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى [الإسراء:94]، أي: حال مجيء الهدى إليهم، و(الهدى) القرآن والإسلام والرسول عليه الصلاة والسلام، وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ [الكهف:55] أي: يطلبوا منه المغفرة والرحمة، إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ قُبُلاً [الكهف:55] .
تفسير قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ...)
يقول الله عز وجل: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [الكهف:56]، يا مشركون! يا من تتحدون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتطلبون منه نزول العذاب، اعلموا أن هذه ليست مهمته، إنما مهمة المرسلين أنهم يقومون بالتبشير والإنذار، فيبشرون أهل الإيمان والطاعة والاستقامة بجنات النعيم، وينذرون أهل الكفر والظلم والطغيان بدركات الجحيم. وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الكهف:56].
 صور من استهزاء الكافرين بآيات الله ورسوله
قال الله عز وجل: وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً [الكهف:56]، هذه قراءة الجمهور، وقرأ حمزة بإسكان الزاي: (هزواً)، والمشركون كانوا يستهزئون بآيات القرآن، وكانوا يستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك: لما نزل قول الله عز وجل: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ [الدخان:43-44]، قال أبو جهل : أتدرون ما الزقوم؟ إنه التمر مع الزبد، أتزقمه تزقماً. ومن ذلك: لما نزل قول الله عز وجل: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:27-30]، قال أبو جهل : ويلكم، أكفيكم عشرة واكفوني تسعة، يعني: أنا وحدي سأقاوم عشرة، وأنتم يا مشركي مكة تولوا التسعة الباقين، كانوا يستهزئون بآيات القرآن، يستهزئون بالرسول عليه الصلاة والسلام، يسمونه ابن أبي كبشة، و أبو كبشة هو زوج حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية ، التي أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء كانوا يستهزئون على سنن الأولين، قال الله عز وجل: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا [الأنعام:34]، وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد:32]، هذه هي طريقة المشركين (الاستهزاء)، ولذلك لو استهزأ الكفار الآن بالقرآن فداسوه بالأقدام، أو ألقوه في الحمام، أو فعلوا به غير ذلك، فليس الأمر بغريب، فسلفهم أبو جهل وأضرابه.وكذلك الاستهزاء دأب المنافقين وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66]، فكل من استهزأ بالقرآن، وكل من استهزأ بالرسول عليه الصلاة والسلام، وكل من استهزأ بشعيرة من شعائر الدين فهو داخل في هذا الوصف القبيح: وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً .
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ...)
يقول الله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [الكهف:57].قد تقدم الكلام مراراً في نظائر هذه الآية، بأن الاستفهام مراد به النفي. ‏
 تأثير الآيات التي استتر بها رسول الله بعد وفاته إلى يومنا هذا
قال القرطبي رحمه الله: ويزاد عليها الآيات الأول من سورة (يس) إلى قوله تعالى: فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، قال كعب الأحبار : فحدثت بهن رجلاً من أهل الشام مكث عند الروم زماناً، ثم خرج منهم هارباً وهو يتلو تلك الآيات، فكانوا يمرون عليه بطريقه ولا يرونه.ويقول القرطبي رحمه الله: وقد كنت ببلادنا بلاد الأندلس، وقد حل بها العدو يعني: الصليبيين النصارى، قال: فخرجت مستتراً، وأنا أتلو هذه الآيات، وأتلو آية الإسراء، وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً [الإسراء:45]، يقول: فخرج فارسان في طلبي وأنا في فضاء من الأرض لا يسترني منهم ساتر، فجلست فجعلوا يحومون حولي، ويطوفون بي ولا يروني، يقول أحدهما للآخر: إنما هو شيطان. وهذه إلى يومنا هذا تعمل عملها، أنا ما جربتها، لكن عندنا أحد إخواننا نحسبه من الصالحين، وقع في الأسر، وكان الصليب الحاقد الذي يحقق معه يقول له: بعض زملائك نحن أطلقناهم من الأسر ومشوا وقالوا: (يس) أطلقتنا، وأنت افعل مثلهم واجعل (يس) تطلقك، قال ذلك الرجل: فقلت في نفسي: والله لتكونن كذلك، إن شاء الله (يس) تطلقني، قال: والله خرجت منهم في الضحى الساعة إحدى عشرة من المعسكر، ووجهي يختلف عن وجوههم، ولباسي يختلف عن ألبستهم، وأنا أقرأ سورة (يس)، والله إني لأمر أحياناً من مكان ضيق لعل أحدهم قد مد رجليه فيطويها، حتى بلغت إلى باب المعسكر الذي يعتبر آخر نقطة خطر، فوجدت الجندي المقلد بالحراسة قد أسند سلاحه، وذهب ليبول، وفعلاً خرج ومشى برجليه وقطع فيافي وقفاراً أياماً، ورزقه الله عز وجل ببعض الناس من الرعاة سقوه لبناً وهم لا يعرفونه، وآخر سقاه ماءً وما زال كذلك حتى وصل إلى كسلا، ومنها رجع إلى أهله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فالقضية عبارة عن يقين في القلب، إذا سكن هذا اليقين في القلب فإن هذه الآيات مثلما كانت معجزةً بالأمس فهي معجزة اليوم.
تفسير قوله تعالى: (وربك الغفور ذو الرحمة ...) إلى قوله: (... وجعلنا لمهلكهم موعداً)
يقول الله عز وجل: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:58]. (وربك) الخطاب لرسول صلى الله عليه وسلم، (الغفور) مبالغة من المغفرة، (ذو الرحمة) لم يقل: وربك الغفور الرحيم، وإنما قال: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:58]، قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: لأن (ذو) تقتضي الرسوخ والتمكن، رحمته صفة لازمة له جل جلاله. ‏
 إهلاك الله للأمم السابقة بظلمهم وتكذيبهم
قال سبحانه: وَتِلْكَ الْقُرَى [الكهف:59]، إشارة إلى ما كانوا يسمعون به ويعرفونه عن قوم عاد وثمود وأصحاب مدين والمؤتفكات، قال الله عز وجل: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40]. وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ [الكهف:59]، بأي نوع من أنواع الإهلاك، لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ [الكهف:59]، هذه هي قراءة حفص عن عاصم ، وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الميم واللام: (وجعلنا لمهلكهم) على أنه مصدر ميمي من الفعل الثلاثي (هلك)، وقرأ الجمهور بضم الميم وفتح اللام: (وجعلنا لمهلكهم) على أنه مصدر ميمي من الفعل الرباعي أهلك، وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [الكهف:59].أيها الإخوة الكرام! في هذه الآيات فوائد منها: نفي الشريك عن الله عز وجل في خلق السموات والأرض، وغير ذلك من الفوائد التي تبلغ ثلاثين فائدة، والله أعلم.أسأل الله عز وجل أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [51-59] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net