اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [37-44] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الكهف - الآيات [37-44] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
من الأساليب القرآنية الرائعة ضرب الأمثال لتقريب المعنى إلى الأذهان، ومن ذلك ما ضربه الله مثلاً لرجل أعطاه الله بستانين من أعناب محفوفين بالنخل والزروع؛ لكنه طغى وكفر بربه، وقد نصحه صاحبه -المعتز بإيمانه وإن كان فقيراً- إلا أنه ازداد عتواً ونفوراً؛ فما كان له بعد ذلك إلا أن أهلك الله جنتيه فأصبح يقلب كفيه ندماً وحسرة.
تفسير قوله تعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ...)
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد: يقول تعالى: قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً * هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً [الكهف:37-44].
 حال المؤمن الفقير في توحيد الله
لكن المؤمن الفقير المعدم لم يسكت على كفر هذا الكافر وجحوده واستكباره؛ بل كان مستعلياً بإيمانه، فخوراً بإسلامه. قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ [الكهف:37] أي: المؤمن وَهُوَ يُحَاوِرُهُ [الكهف:37]، أي: يراجعه في الكلام، فهو مشتق من الحور، ومنه قول الله عز وجل: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق:14]، أي: ظن أن لن يرجع، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ [الكهف:37] أي: وهو يخاصمه ويجادله: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ [الكهف:37]، الاستفهام هنا استفهام إنكار وتعجب، يتعجب المؤمن من حال ذلك الكافر، فقال له: (أَكَفَرْتَ) وكفره هو إنكاره للبعث حين قال: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [الكهف:36]، فذكره بالخلقة الأولى، خلقة آدم عليه السلام، قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران:59]، وهكذا نحن جميعاً مخلوقون من نتاج هذه الأغذية التي هي مكونة في الأصل من التراب، كما قال الله عز وجل: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ [يس:36].وقد تكرر في القرآن تذكيرنا بأصل خلقتنا لنتواضع لربنا، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ [الحج:5].وفي الآية الأخرى يقول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً [غافر:67]، هذا هو أصل الخلقة: وهنا المؤمن يذكر الكافر فيقول له: أيها الغني، أيها الثري، أيها الأشر البطر أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [الكهف:37]، (نطفة) أي: هذا الماء المهين، الذي خرج من مبال أبيك، وسميت النطفة نطفةً من النطف، وهو السيلان، ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً [الكهف:37]، أي: جعلك في هذه الصورة الحسنة، والشكل الجميل، والخلق البهي، فقامة مجيدة، وعينان بصيرتان، وأذنان سميعتان، ولسان ذلق يتكلم، ويدان تبطشان، ورجلان تمشيان، الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، والفرج وما طوى، ثم جعلك الله عز وجل حياً عليماً متكلماً مريداً سميعاً بصيراً، وهذه النعمة قد ذكرنا بها ربنا جل جلاله في قوله: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر:64]، وفي قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4]، وفي قوله: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8]، قال أهل التفسير: ما خلق الله خلقاً أحسن من الإنسان، وبعد تسويته إياك كساك الله عز وجل هذه الثياب التي زادتك جمالاً وبهاءً، قال الله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].وقوله: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً [الكهف:37]، كأن هذا المؤمن يستدل بالخلق على وجوب عبادة الخالق، وأداء شكر نعمته، وهذا المعنى كثير في القرآن، كقول ربنا الرحمن: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28].وفي قول الله عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:26-27].وكذلك في قول الله عز وجل على لسان مؤمن آل ياسين: وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي [يس:22].فإذا كنت أيها الإنسان مقراً بأن الله عز وجل هو الذي خلقك، وجب عليك أن تعبده وحده لا شريك له.قال إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه: أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:75-81].
تفسير قوله تعالى: (لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً) إلى قوله: (... هو خير ثواباً وخير عقباً)
يقول الله عز وجل على لسان هذا العبد المؤمن بعدما أنكر الكفر على ذلك الغني: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف:38]، (لكنا) حرف استدراك، أي: ما بعده مخالف لما قبله، وما قبله: كفر ذلك الغني وجحوده نعمة ربه، يقول له ذلك المؤمن الفقير: أنت أيها الغني إذا كنت قد كفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً، فأنا حالي مختلف، وشأني مباين. لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف:38]، وهذه قراءة الجمهور، وقد اتفق العشرة على إثبات الألف في (لكنا) حال الوقف، يعني: لو قلت: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَكِنَّا [الكهف:37-38] فلا بد من إثبات الألف في حال الوقف، أما في حال الوصل فتقول: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف:38]، بدون ألف إلا عند ابن عامر و أبي جعفر فإنه يثبت الألف وصلاً ووقفاً، وأصلها: لكن أنا هو الله ربي، فحذفت الهمزة من (أنا) وأدغمت النون في النون -نون أنا مع نون لكن- فصارت لكنا، أي: لكن أنا، وهذا معهود في كلام العرب، كقول القائل: وترمينني بالطرف أي: أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقليالمقصود: لكني إياك لا أقلي.وقول الآخر: فلو كنت ضبياً عرفت مكانتيولكن زنجي عظيم المشافرفلو كنت ضبياً أي: من بني ضبة، عرفت مكانتي، ولكن زنجي، أي: ولكنك زنجي عظيم المشافر.إذاً قوله: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف:38]، أي: شأني أني أعبد الله ربي، لست مثلك أكفر بالله رب العالمين، فشأني أن الله عز وجل ربي، وأنا مقر بربوبيته، مقر بألوهيته، مقر بوجوب عبادته.ثم بعد أن نفى الكفر نفى الشرك فقال: وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف:38]، أي: لا أشرك بربي أحداً من بشر، أو حجر، أو مال، أو جاه.ثم بدأ في موعظة هذا الكافر الفاجر فقال له المؤمن: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً [الكهف:39].(لولا) حرف للتحضيض والحث أي: لولا فعلت كذا، لكن (لو) إذا دخلت على الفعل الماضي فإنها تفيد التوبيخ، كما في قول الله عز وجل: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:13].وهنا وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [الكهف:39]، فهو ينكر عليه أنه لا يذكر الله؛ بل لا يعرف الله. ‏
 صلاح المال صلاح لصاحبه
أيها الإخوة الكرام! هذه هي القصة الثانية في هذه السورة المباركة، ضربها الله عز وجل مثلاً لكل غني ينسى المنعم جل جلاله، ولا يفهم من هذه الآيات ونظيراتها في القرآن ذم المال بإطلاق، كما فهم بعض الناس؛ بل هذه النصوص تضم إلى غيرها، كقول الله عز وجل: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل:17-18]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( نعم المال الصالح للرجل الصالح )؛ فالمال من نعم الله على العباد، ولولا المال ما كان جهاد، ولا كانت دعوة، ولا بنيت مساجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك حين صعد على منبره قبل أن يتوفاه الله بتسع ليال فقال: ( والله ما نفعني مال مثل ما نفعني مال أبي بكر )؛ فأثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على مال أبي بكر رضي الله عنه.ولما ( جاء عثمان رضي الله عنه بدراهم الفضة فصبهن في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل عليه الصلاة والسلام يقلبهن ويقول: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، فجاء عثمان فصب ألفاً أخرى، فقال: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، فجاء بألف ثالثة، فقال عليه الصلاة والسلام: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم )، فـعثمان ما نال هذه المنزلة إلا بماله، فالمال نعمة؛ لكن الإنسان إذا لم يسخر هذه النعمة في طاعة الله، وجحد المنعم جل جلاله، فالله عز وجل قد بين قانونه في القرآن قال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]، هذا هو قانونه جل جلاله.
فوائد من قوله تعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره ...) إلى قوله: (... خير ثواباً وخير عقباً)
وفي الآيات الكريمات فوائد:الفائدة الأولى: مشروعية محاورة المؤمن للكافر، وقد بين ربنا ذلك في القرآن بقوله: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، وبقوله سبحانه: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46]، وغير ذلك من الآيات، فهذا المؤمن مثل للفقير المستعلي بإيمانه الذي لا يعجزه بطر البطر، ولا أشر الأشر.الفائدة الثانية: أن الشك في البعث كفر؛ بدليل قوله: أَكَفَرْتَ [الكهف:37]، وهذه العبارة جاءت بعد قول ذلك الكافر: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [الكهف:36]، فالشك في البعث كفر.الفائدة الثالثة: أن الإنسان إذا تذكر مبدأ خلقته تواضع لربه، فيا أيها الإنسان إذا تكبرت فانظر وتذكر أنك خلقت من ماء مهين لا يملأ الكف، تذكر أنك خرجت من مبال مرتين، خرجت من مبال أبيك، ثم من مبال أمك، تذكر ما ركب الله فيك من النقص والنتن؛ عرق وبول وعذرة ودم وصديد وغير ذلك من النجاسات التي تحملها في جوفك، كما قال الأول: عجبت لابن آدم كيف يتكبر على الله وهو الذي تنتنه عرقة، وتقتله شرقة، وتؤذيه بقة، أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو ما بين هذا وذاك يحمل في جوفه العذرة.وكما قال الأول: يا مظهر الكبر إعجاباً بصورتهانظر خلاك -أي: ما يخرج منك في الحمام- فإن النتن تثريبلو فكر الناس في ما في بطونهم ما استشعر الكبر شبان ولا شيبلو فكر أي إنسان فيما يحمل في بطنه فإنه لن يتكبر أبداً.الفائدة الرابعة: أن من نعم الله علينا معشر بني الإنسان هذه الخلقة الحسنة، وهذه الصورة الجميلة، ما خلقك الله يا ابن آدم مكباً على وجهك كسائر الدواب، ما خلقك الله يا ابن آدم تأكل بفمك، بل جعل الله لك هذه الأصابع التي تقبض بها وتتناول، وتفرز بها ما تريد مما لا تريد، ثم تجعلها في فيك.الفائدة الخامسة: اعتزاز المؤمن بربه، وبراءته من الشرك بجميع صوره، قال تعالى: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف:38].الفائدة السادسة: أن ذكر الله عز وجل وشكره على نعمته موجب لبقائها، كما أن الغفلة عنه وجحوده موجب لزوالها، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ [الكهف:39].الفائدة السابعة: حسن ظن المؤمن بربه، قال تعالى: فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ [الكهف:40].الفائدة الثامنة: قدرة الله على إزالة النعمة عمن كفر بأي سبب من الأسباب، قال تعالى: يُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً [الكهف:40]، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً [الكهف:41]، يزيلها بأي سبب.الفائدة التاسعة: ندم الكافر على ما بدر منه، حيث لا ينفع الندم، حين قال: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف:42].الفائدة العاشرة: أن الله تعالى إذا خذل عبداً فلا ناصر له، قال تعالى: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً [الكهف:43].اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار عن الوجه الذي يرضيك عنا، والحمد لله رب العالمين.
 صلاح المال صلاح لصاحبه
أيها الإخوة الكرام! هذه هي القصة الثانية في هذه السورة المباركة، ضربها الله عز وجل مثلاً لكل غني ينسى المنعم جل جلاله، ولا يفهم من هذه الآيات ونظيراتها في القرآن ذم المال بإطلاق، كما فهم بعض الناس؛ بل هذه النصوص تضم إلى غيرها، كقول الله عز وجل: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل:17-18]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( نعم المال الصالح للرجل الصالح )؛ فالمال من نعم الله على العباد، ولولا المال ما كان جهاد، ولا كانت دعوة، ولا بنيت مساجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك حين صعد على منبره قبل أن يتوفاه الله بتسع ليال فقال: ( والله ما نفعني مال مثل ما نفعني مال أبي بكر )؛ فأثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على مال أبي بكر رضي الله عنه.ولما ( جاء عثمان رضي الله عنه بدراهم الفضة فصبهن في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل عليه الصلاة والسلام يقلبهن ويقول: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، فجاء عثمان فصب ألفاً أخرى، فقال: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، فجاء بألف ثالثة، فقال عليه الصلاة والسلام: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم )، فـعثمان ما نال هذه المنزلة إلا بماله، فالمال نعمة؛ لكن الإنسان إذا لم يسخر هذه النعمة في طاعة الله، وجحد المنعم جل جلاله، فالله عز وجل قد بين قانونه في القرآن قال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]، هذا هو قانونه جل جلاله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [37-44] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net