اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [30-36] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الكهف - الآيات [30-36] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
أعد الله للمؤمنين في الجنة أنهاراً تجري من تحتهم، وحلية يلبسونها متكئين على الأرائك، وهم في أعظم نعيم، كما أن الله ضرب مثلاً للمؤمنين والكافرين برجلين أحدهما كافر ومعه جنتان من جنات الدنيا فاغتر بهما، وظن أنه لن يبعث يوم القيامة، وإن بعث فسيجد حظاً عظيماً.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً)
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد: يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً * وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً [الكهف:30-36].في الآيات التي سبقت بين ربنا جل جلاله حال المتكبرين المتغطرسين، الذين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحي عن مجلسه الفقراء والمساكين، وبين ربنا جل جلاله أنه أعد لهم جهنم وما فيها من العذاب المقيم فقال: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29].وفي هذه الآيات يبين ربنا جل جلاله حال المؤمنين الطيبين الذين عملوا الصالحات، وأكثروا من القربات، ويبين ما أعد لهم في الجنة من النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول، وهذه عادة القرآن غالباً أنه يثني بعد ذكر أصحاب النار بأصحاب الجنة كما في قوله تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14]، وهذا تأويل قول ربنا جل جلاله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ [الزمر:23]. يقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30]، أي: إن الذين رضوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، وقد وقر الإيمان في قلوبهم، وترجمته أعمالهم، فبعدما قالوا: آمنا بالله استقاموا على أمره جل جلاله، فعملوا الصالحات، و(الصالحات) جمع صالحة، وتطلقها العرب على كل فعلة طيبة، ومنه قول أبي العاص بن الربيع رضي الله عنه يمدح زوجه زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها:بنت الأمين جزاك الله صالحةًوكل بعل سيثني بالذي علماوكما في قول الآخر: الحب مشغلة عن كل صالحةوسكرة الحب تنفي سكرة الوسنفقوله: (عملوا الصالحات) أي: أتوا بالأفعال الطيبات، والخصال الحسنات.وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الكهف:30]، (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) اسم إن، وخبرها قوله تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30]، وقال بعض المفسرين: بل خبرها قوله تعالى: أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ [الكهف:31]، فتكون جملة: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30] جملةً معترضة، وهذا قد تكرر في القرآن، كقول ربنا الرحمن في سورة الحج: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الحج:17]، وكقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة:8]. وكقول القائل: إن الخليفة إن الله سربله سربال ملك به ترجى الخواتيم وقوله تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف:30] الضمير في قوله: (إنا) يعود إلى رب العزة جل جلاله.والإضاعة أصلها جعل الشيء ضائعاً، أي: أن يُفقد من مظنة وجوده، وتطلق الإضاعة على عدم التمكين من الانتفاع بالشيء، وهو إطلاق مجازي، ومنه قول الله عز وجل: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، وقول الله عز وجل: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90]، وقوله سبحانه: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران:195].وقوله: أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30]، أي: أجر من أحسن من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكلمة (عملاً) منصوبة على التمييز.
 

تفسير قوله تعالى: (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار ...)
ثم بين ربنا جل جلاله جزاءهم، فقال سبحانه: أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ [الكهف:31]، (أولئك) الإشارة للبعيد، وهي دلالة على بعد منزلتهم، وارتفاع مكانتهم عند الله، أي: أولئك المؤمنون الذين عملوا الصالحات لهم جنات عدن، ومعلوم بأن الواحد من أهل الإيمان له جنتان، لكن الله عز وجل قال: (لهم جنات) دلالةً على سعتها، وفسحتها، وأن الواحدة منها تصلح أن تكون جنات.و(جنات عدن) هي سرة الجنة ووسطها، وسميت عدن من العدن وهو الإقامة، يقال: عدنت بالمكان: إذا استوطنته، أو إذا اتخذته لي وطناً، ومنه قيل للمعدن: معدناً؛ لأنه مستقر باق.
 جلوس أهل الجنة واتكاؤهم على الأرائك
ثم نعيم رابع: وهو نعيم الجلوس، قال الله عز وجل في وصف حالهم: مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ [الكهف:31]، يعني: بعدما تمتعوا بالشراب، وتمتعوا بالتحلي، وتمتعوا باللباس، بعد ذلك هم متمتعون في هيئتهم، وفي جلستهم، وفي راحة بالهم وطمأنينة قلوبهم، فلا يكونون واقفين، ولا مضطربين، ولا يذهبون ويروحون، وإنما هم متكئون، والاتكاء قيل: معناه الاضطجاع، وقيل: معناه التربع في الجلوس، والتربع: هي جلسة دالة على التنعم والترفه، وهذا هو الأنسب لحالهم كما بين ربنا جل جلاله في سورة الغاشية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية:8-13]، وهذه السرر هي التي يتكئون عليها، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ [الغاشية:14]، أي: أكواب من ذهب، وأكواب من فضة، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ [الغاشية:15]، والنمارق جمع نمرقة، وهي الوسادة، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية:16]، والزرابي جمع زربية، وهي السجادة الصغيرة التي تلقى في المداخل مبثوثة هنا وهناك.وقوله: عَلَى الأَرَائِكِ [الكهف:31]، (الأرائك) جمع أريكة، والأريكة: السرير الذي له حجال، قال أهل التفسير: الحجلة: قبة من ثياب تجعل على السرير تجلس فيه المرأة أو تنام، ولذلك يقال للنساء: ذوات الحجال أو ربات الحجال، ولعل الأقدمين من جداتكم وأجدادكم يعرفون ذلك، فهكذا كان الحال إلى عهد قريب.وقول الله عز وجل: نِعْمَ الثَّوَابُ [الكهف:31]، هناك الله عز وجل قال عن أهل النار: بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف:29]، وهنا يقول عن أهل الجنة: نِعْمَ الثَّوَابُ [الكهف:31]، والثواب لغةً: يطلق على الجزاء، سواء كان جزاءً على الخير أو على الشر، فجزاء الخير بالخير، وجزاء الشر بالشر، كما في قول الله عز وجل: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:36]، أي: هل جوزوا، وكما في قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60].قال الله عز وجل: َحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:31]، وهناك قال: وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29]، وليس لهم ما يرتفقون به، لكن من باب السخرية والتبكيت لهم، وهنا قال: (حسنت مرتفقاً) أي: حسنت منزلاً، ومقاماً، وموضعاً، ومقيلاً.فهذا الذي بينه ربنا جل جلاله في هذه السورة، من أن الجنة الطيبة المباركة ذات النعيم المقيم هي جزاء عباد الله المتقين، وقد بينه ربنا في آيات أخرى كما في سورة الإنسان: إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً [الإنسان:5] إلى أن قال ربنا جل جلاله: وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً [الإنسان:22]، وكما في قوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72]، وكما في قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة:10] إلى أن قال: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة:24].
فوائد من قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ...) إلى قوله: (... نعم الثواب وحسنت مرتفقاً)
هاتان الآيتان فيهما فوائد:الفائدة الأولى: أنه لا طريق لدخول الجنة إلا بالإيمان، هذا هو الشرط الأول، فالإيمان هو أول باب لدخول الجنة، والإيمان معناه: التصديق بالقلب، والقول باللسان، والعمل بالأركان.الفائدة الثانية: لا بد مع الإيمان من عمل صالح، بفعل المأمورات، واجتناب المحظورات؛ لأن الله عز وجل قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الكهف:30].الفائدة الثالثة: أن الله جل جلاله يعظم نفسه، قال سبحانه: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30]، فلم يقل: أنا، وإنما قال: إنّا، وهذا في القرآن كثير.الفائدة الرابعة: أن الله جل جلاله يجزي المحسن بإحسانه، ولا يضيع عليه شيئاً، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30]، بل الله جل جلاله يجزي المحسن بأكثر من إحسانه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله حسنةً كاملة، فإن عملها كتبها الله عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة ).الفائدة الخامسة: التنويه بعظم شأن المؤمنين عند ربهم، وذلك أن الله عز وجل أشار إليهم بقوله: أُوْلَئِكَ [الكهف:31]، ولم يقل: هؤلاء.الفائدة السادسة: سعة الجنة وعظم خلقها بدليل الجمع، قال تعالى أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ [الكهف:31] واسعة، فسيحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن في الجنة شجرةً يسير المؤمن في ظلها مائة عام ما يقطعها، ولموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ).الفائدة السابعة: أن الجنة التي وعد المتقون دار إقامة لا خروج منها؛ لأن الله عز وجل وصفها بأنها جنات عدن، وكلمة (عدن) معناها: الإقامة، وعدنت المكان: إذا استوطنته، ومنه قيل للمعدن: معدناً، قال تعالى لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48].الفائدة الثامنة: أن هذه الأنهار تجري من تحت غرف أهل الجنة ومنازلهم، قال تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ [الكهف:31].الفائدة التاسعة: أن من نعيم أهل الجنة التحلي بالذهب، والتنعم باللباس، ولون ثياب أهل الجنة أخضر، قال تعالى: وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا [الكهف:31]، وهذه الثياب من أنعم الحرير وأحسنه ظاهراً وباطناً، قال تعالى: مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ [الكهف:31].الفائدة العاشرة: الثناء على حال أهل الجنة، وما أعد الله لهم من الثواب، كما قال ربنا سبحانه: نِعْمَ الثَّوَابُ [الكهف:31]، وأن أهل الجنة -جعلنا الله برحمته منهم- في حال ناعمة، وحسنة دائمة، كما قال ربنا سبحانه: نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:31].
 جلوس أهل الجنة واتكاؤهم على الأرائك
ثم نعيم رابع: وهو نعيم الجلوس، قال الله عز وجل في وصف حالهم: مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ [الكهف:31]، يعني: بعدما تمتعوا بالشراب، وتمتعوا بالتحلي، وتمتعوا باللباس، بعد ذلك هم متمتعون في هيئتهم، وفي جلستهم، وفي راحة بالهم وطمأنينة قلوبهم، فلا يكونون واقفين، ولا مضطربين، ولا يذهبون ويروحون، وإنما هم متكئون، والاتكاء قيل: معناه الاضطجاع، وقيل: معناه التربع في الجلوس، والتربع: هي جلسة دالة على التنعم والترفه، وهذا هو الأنسب لحالهم كما بين ربنا جل جلاله في سورة الغاشية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية:8-13]، وهذه السرر هي التي يتكئون عليها، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ [الغاشية:14]، أي: أكواب من ذهب، وأكواب من فضة، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ [الغاشية:15]، والنمارق جمع نمرقة، وهي الوسادة، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية:16]، والزرابي جمع زربية، وهي السجادة الصغيرة التي تلقى في المداخل مبثوثة هنا وهناك.وقوله: عَلَى الأَرَائِكِ [الكهف:31]، (الأرائك) جمع أريكة، والأريكة: السرير الذي له حجال، قال أهل التفسير: الحجلة: قبة من ثياب تجعل على السرير تجلس فيه المرأة أو تنام، ولذلك يقال للنساء: ذوات الحجال أو ربات الحجال، ولعل الأقدمين من جداتكم وأجدادكم يعرفون ذلك، فهكذا كان الحال إلى عهد قريب.وقول الله عز وجل: نِعْمَ الثَّوَابُ [الكهف:31]، هناك الله عز وجل قال عن أهل النار: بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف:29]، وهنا يقول عن أهل الجنة: نِعْمَ الثَّوَابُ [الكهف:31]، والثواب لغةً: يطلق على الجزاء، سواء كان جزاءً على الخير أو على الشر، فجزاء الخير بالخير، وجزاء الشر بالشر، كما في قول الله عز وجل: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:36]، أي: هل جوزوا، وكما في قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60].قال الله عز وجل: َحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:31]، وهناك قال: وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29]، وليس لهم ما يرتفقون به، لكن من باب السخرية والتبكيت لهم، وهنا قال: (حسنت مرتفقاً) أي: حسنت منزلاً، ومقاماً، وموضعاً، ومقيلاً.فهذا الذي بينه ربنا جل جلاله في هذه السورة، من أن الجنة الطيبة المباركة ذات النعيم المقيم هي جزاء عباد الله المتقين، وقد بينه ربنا في آيات أخرى كما في سورة الإنسان: إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً [الإنسان:5] إلى أن قال ربنا جل جلاله: وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً [الإنسان:22]، وكما في قوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72]، وكما في قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة:10] إلى أن قال: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة:24].
تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ...) إلى قوله: (... لأجدن خيراً منها منقلباً)
بعدما بين ربنا جل جلاله حال أهل النار وحال أهل الجنة، وما أعد الله عز وجل للكفار المتكبرين المتغطرسين، وما أعد للمؤمنين الطيبين المتواضعين، الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ضرب الله عز وجل للفريقين مثلاً، قال سبحانه مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ [الكهف:32]، أي: اضرب لهؤلاء المؤمنين والكافرين مثلاً برجلين، وحالهم يشبه حال رجلين: أحدهما هو مثل للكفار، والآخر مثل للمؤمنين، وهذه الآية تنسجم مع مقدمة السورة التي قال الله عز وجل فيها: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الكهف:7]، فليست الدنيا دار جزاء، وإنما هي دار بلاء، وكما قال ربنا سبحانه في سورة البقرة: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:212]، هذا حالهم.
 فوائد من قوله تعالى: (واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ...) إلى قوله: (... لأجدن خيراً منها منقلباً)
تضمنت هذه الآيات جملةً من الفوائد، منها: الفائدة الأولى: مشروعية ضرب الأمثال للوصول بالمعاني الخفية إلى الأذهان، وهذا في القرآن كثير، قال الله عز وجل: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، وكما قال أهل التفسير: الأمثال في القرآن نوعان: هناك أمثال ظاهرة، وهناك أمثال كامنة.الفائدة الثانية: تنويع أساليب القرآن في بيان الحقائق وتعليم الآداب، يعني القرآن يعلمنا تارةً بالأمثال، وتارةً بالقصص، وتارةً بالترغيب، وتارةً بالترهيب، فالله عز وجل ينوع لعباده الأساليب.الفائدة الثالثة: أن فضل الله لا يمنع عن الكافر؛ لأننا في هذه الآيات قد قرأنا أن ذلك الرجل كان كافراً، ومع ذلك آتاه الله جنتين، فالدنيا ليست مجالاً للجزاء، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً شربة ماء ).الفائدة الرابعة: أن الله تعالى إذا أعطى فخزائنه ملأى، ويده سحاء الليل والنهار، لا يغيضها عطاء.الفائدة الخامسة: أن الله عز وجل قد يتابع النعم للكافر استدراجاً؛ لأن هذا الكافر كان يتقلب في النعم، وهذا ظاهر من قوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا [الكهف:33]، والله عز وجل قال: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم:44]، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا رأيت الله ينعم على العبد وهو يعصيه فاعلم أنه استدراج )، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.الفائدة السادسة: جواز إطلاق لقب الصاحب على الكافر.الفائدة السابعة: أن على المؤمن أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يستكين أمام الكافر، يعني: ولو كان المؤمن فقيراً مسكيناً، والكافر طاغيةً متكبراً غنياً، فعلى المؤمن أن ينصحه ويأمره وينهاه، وهذا ظاهر من قوله تعالى: وَهُوَ يُحَاوِرُهُ [الكهف:34]، يعني: ما كان المؤمن ساكتاً، والكافر يتكلم بهذا الكلام، ويصرح بهذا الكفر بدليل أنه سيأتي معنا قوله: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [الكهف:37]، ثم يقول له بعد ذلك: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ [الكهف:39].الفائدة الثامنة: أن شأن الغني دائماً إلا من رحم الله المفاخرة بأمواله، والاغترار بالدنيا، هذا شأن الغني إذا طمس الله بصيرته، ولم يعرف حقيقة الأمر، فإنه يغتر بالدنيا، ويظن أن له كرامةً عند الله، قال الله عز وجل: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً [آل عمران:178].الفائدة التاسعة: أن من أسباب الاغترار بالدنيا كثرة العشيرة والأمصار، يعني الدنيا ليست مالاً فقط، وإنما مال وعشيرة وأمصار، لذلك الكافر جمع بينهما فقال: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً [الكهف:34].الفائدة العاشرة: أن إنكار البعث والمعاد ظلم وكفر بالله، قال سبحانه: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا [الكهف:35]، أي: أن القول ببقاء العالم، وكذلك القول بقدمه كفر بالله، كما قال هذا الكافر: ما أظن أن تبيد هذه أبداً، فالقول ببقاء العالم كفر بالله، وكذلك القول بأن العالم قديم هذا أيضاً كفر بالله، واعتقاد المؤمن أن العالم حادث، وكل حادث لا بد له من محدث، أي مخلوق في الدنيا له أول وله آخر، أما الله الخالق فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء وهو الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء جل جلاله. والله أعلم.اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [30-36] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net