اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [27-29] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الكهف - الآيات [27-29] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
أمر الله نبيه بتلاوة القرآن العظيم الذي حفظه من التبديل والتغيير، وأخبره أنه لا يوجد ملجأ دون الله أبداً، وأمره أن يحبس نفسه مع المؤمنين الذاكرين الله في جميع أوقاتهم المريدين بذلك وجه الله، وحذره من الإعراض عنهم، ونهاه عن طاعة أهل الغنى من المعرضين عن ذكر الله، كما أمره الله بقول الحق وحذر من أعرض عنه بالنار التي ستحيط بهم من كل مكان.
تفسير قوله تعالى: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك ...)
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد: يقول تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً * وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:27-29].يقول الله عز وجل مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً [الكهف:27].هذا الخطاب جاء عقيب الآيات التي تناولت خبر أصحاب الكهف مفصلاً، يأمر الله فيه نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يواظب على درس هذا القرآن وتلاوته، وألا يتأثر بأسئلة المشركين ودعواهم؛ فإنهم كانوا يكثرون من طرح الأسئلة، وإيراد الإشكالات، وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس:15]، وأمره الله عز وجل أن يجيبهم بقوله: مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يونس:15].يقول الله عز وجل: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً [الكهف:27]. ‏
 التحذير من تبديل كلمات الله أو إخفاء شيء منها
وفي قول الله عز وجل: وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً [الكهف:27]، معنى التهديد لكل من أراد أن يبدل كلمات الله، أو أن يخفي شيئاً مما أوحاه الله، ومثله قول ربنا تبارك وتعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة:44-47].
تفسير قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ...)
ثم بعدها يقول الله عز وجل مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28]. ‏
 فضائل بعض فقراء الصحابة
هذه الآيات عملت عملها في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يحرص على الجلوس مع هؤلاء، وعلى أن يذكر شرفهم، وينوه بفضلهم؛ فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لـبلال : ( يا بلال ! إني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة، فقال: يا رسول الله! ما أحدثت إلا توضأت، ولا توضأت وضوءاً إلا صليت به ركعتين ).وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن عماراً ملئ إيماناً من مشاشه إلى قدمه ). وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عن ابن مسعود رضي الله عنه في ساقيه: ( والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد )، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يثني على هؤلاء رضوان الله عليهم؛ بل نزلت في بعضهم آيات من القرآن، كقوله تعالى: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ [البقرة:207]، وهذه نزلت في صهيب بن سنان ، وكذلك سيدنا عمر رضي الله عنه مرةً كان على بابه بلال و عمار و خباب و سهيل بن عمرو ، و أبو سفيان بن حرب ، و صفوان بن أمية ، فأذن للثلاثة الأولين وترك الآخرين، فورمت أنوف القوم، فقال لهم سهيل رضي الله عنه، وكان أعقلهم: يا قومي! لوموا أنفسكم، فإنكم دعيتم ودعوا، فأجابوا وبطأتم، يعني: دعوة الإسلام جاءت للجميع، والرسول صلى الله عليه وسلم ما دعا عماراً و خباباً وترك الآخرين، وإنما دعا الكل، فهؤلاء أجابوا وتأخرتم.ومرة أخرى كان سهيل و صفوان و أبو سفيان جلوساً حول عمر ، فجاء بلال وبعض من كانوا مثله من المهاجرين، فـعمر رضي الله عنه قال: تنح يا سهيل ! تنح يا أبا سفيان ! تنح يا فلان! فنحى هؤلاء وأدنى هؤلاء القوم، فهذا هو ميزان الإسلام.
تفسير قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ...)
قال الله عز وجل: وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [الكهف:29].أي: وقل يا محمد لهؤلاء المشركين: (الحق من ربكم)، إما أن تكون (الحق) مبتدأً والجار والمجرور خبرها، وإما أن تكون (الحق) خبر لمبتدأ محذوف، وتقديره: هذا هو الحق، أي: هذا الذي أتلوه من كتاب ربي هو الحق؛ ليس أساطير الأولين، ولا حكايات الغابرين، ولا من الكهنة والشياطين، وإنما هو الحق مصدره الإله الحق جل جلاله، كما قال سبحانه: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ [البقرة:147]. فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، وهذه الآية ظاهرها التخيير، وحقيقتها التهديد، يعني -ولله المثل الأعلى- كما تقول لولدك: يا بني ادرس! يا بني! حافظ على وقتك، يا بني! استعد للامتحان، وكلما وجدته لاهياً أو لاعباً قلت له هذا الكلام، فلما أيست منه قلت له: إن شئت فادرس، وإن شئت فأهمل، هل يفهم الولد من كلام أبيه أنه قد أطلق له العنان وخيره؟ لا؛ بل يفهم منه التهديد، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، أي: من شاء فليصدق وليعمل، ومن شاء فليكذب وليعرض، والدليل على أنها للتهديد ما بعدها، قال الله عز وجل: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً [الكهف:29]، (إنا أعتدنا) أي: أعددنا وهيأنا وجهزنا، يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: أي شيء فالله عز وجل يخلقه بكلمة (كن) فيكون؛ لكن الله عز وجل عبر بهذا اللفظ: (أعتدنا)؛ لأنه يلقي ظلالاً من السرعة والتهيؤ والاستعداد والأخذ المباشر إلى النار المعدة المهيأة لاستقبال هؤلاء الكافرين. ‏
 المقصود بماء المهل الذي يغاث به أهل النار
لكن نسأل الله العافية يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ [الكهف:29]، والمهل قال بعضهم: هو كل ما أذيب من جواهر الأرض، من حديد، أو نحاس، أو رصاص، فهذه المعادن إذا أذيبت تسمى مهلاً، وقيل: المهل هو دردي الزيت، أي: عكر الزيت، يعني إناء الزيت لو نظرت في أسفله ستجد عكراً، ولا أقصد زيت الطبخ المعلّب وإنما الزيت الذي لم ينق؛ فتجد في أسفله عكراً، ومنه قول الله عز وجل: يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ [المعارج:8-9]، ومعنى: تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ [المعارج:8] أي: كعكر الزيت، يتغير حالها. وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف:29]، نسأل الله العافية، نعوذ بالله من عذاب النار، والله عز وجل تهدد الكفار بنوعين من العذاب: العذاب الأول: حسي نفسي، وهو السرادق الذي أحاط بتلك النار، أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف:29].وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد و الترمذي و ابن جرير ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لسرادق النار أربعة جدر، كل جدار مسافة أربعين سنة )، هذا السرادق. والمهل الذي يغاث به أهل النار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم صفته، وبين القرآن كذلك صفته، في القرآن الكريم قال الله عز وجل: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:16-17]، وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15]، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإٍلَى الْجَحِيمِ [الصافات:67-68]، تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [الغاشية:5]، لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [يونس:4]، يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن:44]، لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً [النبأ:24-25].وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم:16]: ( يقربه، فإذا قربه إلى فيه شوى وجهه حتى تسقط فروة رأسه، فإذا شربه سلت ما في أمعائه حتى تخرج من دبره )، يعني: يحرقه والعياذ بالله ظاهراً وباطناً. هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص:57-58] أي: ينوع لهم، مثلما ينوع لهم الطعام، ويكون عندهم وجبات مختلفة، تارةً الزقوم، وتارةً الغسلين، وتارةً الضريع، وكذلك الشراب ينوع لهم.
فوائد من قوله تعالى: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك...) إلى قوله: (... بئس الشراب وساءت مرتفقاً)

 كون الكفر أظلم الظلم
قوله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ [الكهف:29] قلنا: إنهم الكفار، فيستفاد منه بأن الكفر هو أظلم الظلم.اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا.اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار عن الوجه الذي يرضيك عنا، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [27-29] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net