اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ديوان الإفتاء [286] للشيخ : عبد الحي يوسف


ديوان الإفتاء [286] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
الفتوى لها منزلة عظيمة في الدين، تولاها رب العزة بنفسه، كما تولاها النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، والسنة النبوية مليئة بفتاوى النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه، لكن ينبغي الحذر من القول على الله بغير علم في الفتوى، خصوصاً في كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن تتبع أحوال السلف مع الفتوى يجد أنهم كانوا يتورعون فيها أشد الورع.
الفتيا ومنزلتها في الدين
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى جميع المرسلين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى. أما بعد:أيها الإخوة الكرام! السلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ومرحباً بكم في حلقة جديدة من ديوان الإفتاء، أسأل الله أن يجعلها نافعة مفيدة.تقدم معنا الكلام في فضل التفقه، وتقدم معنا الكلام كذلك عما ينبغي للمسلم فعله من أجل أن يحصل ثقافة شرعية صحيحة، وبقي أن أقول: إن الفتوى هي الإخبار بحكم شرعي جواباً عن سؤال سائل، وهذه الفتوى منزلتها من الدين عظيمة، فقد تولاها رب العالمين جل جلاله بنفسه فقال سبحانه: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا [النساء:127]، وقال تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176].وتولاها كذلك خير البشر وسيد الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، فحين كان يسأل الصحابة رضوان الله عليهم نبيهم صلى الله عليه وسلم عن الأشربة، وعن الألبسة، وعن الأنكحة، ويسألونه عن علامات الساعة وغير ذلك، كان صلى الله عليه وسلم يجيبهم.وكذلك تولاها من بعده أكابر أصحابه وفضلاؤهم كـأبي بكر و عمر و عثمان و علي و أبي بن كعب و معاذ بن جبل و عبد الله بن عباس و أبي هريرة و أبي موسى الأشعري و عبد الله بن عمر رضوان الله على الجميع.والمفتي كما قال الإمام القرافي من المالكية: هو ترجمان عن الله عز وجل، فعده القرافي ترجماناً عن الله.وكذلك الإمام ابن القيم رحمه الله عده موقعاً عن الله، ولذلك كتب سفره القيم الذي سماه: إعلام الموقعين عن رب العالمين، وقال: إذا كان التوقيع عن الملوك بالمكان الذي لا يجهل، والمنزلة التي لا تنكر، فكيف بالتوقيع عن رب الأرض والسموات، يعني: لو أن ملكاً من ملوك الأرض خول واحداً من الناس سلطة التوقيع عنه في القرارات والمراسيم لكانت منزلة عظيمة، فالمفتي حين يقول: هذا حلال وهذا حرام، فإنما يوقع عن رب الأرض والسموات جل جلاله.
 الحذر من الفتيا بغير علم في كتاب الله وسنة رسوله
ويشتد الأمر خطورة إذا تعلق الأمر بتفسير القرآن، فالواجب على المسلم أن يتوقف، وأن يتحسس ما يقول، وأن يتأمل فيما ينطق به؛ لأنه يتحدث عن أفضل الكلام وأعلاه وأغلاه وأحسنه، نعوذ بالله أن نقول على الله ما لا نعلم، فتجد بعض الناس يُسأل، فيقول: هذه الآية واضحة ثم يقتحم بغير علم، وفي الحديث: ( من قال برأيه في كتاب الله فأصاب فقد أخطأ )، وهؤلاء أكابر العلماء وأجلة الفقهاء وسادات المسلمين كانوا يتورعون، فأبو بكر رضي الله عنه لما سئل عن آية قال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم، ولما سئل عن قوله تعالى: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس:31]، ما معنى الأب؟ توقف رضي الله عنه. وكذلك عمر بن الخطاب لما كان على المنبر، فقرأ قول الله عز وجل: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [النحل:45-47]، قال: التخوف؟ ثم قال: وماذا على ابن أم عمر أن يجهل آية في كتاب الله، وهكذا عبد الله بن عباس و علي بن أبي طالب ، وغيرهم رضوان الله عليهم، رغم علمهم بلغة العرب، ورغم معاصرتهم للتنزيل، ورغم مخالطتهم للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام، كانوا يتوقفون ويترددون قبل أن يقولوا في كتاب الله ويتكلمون.ولذلك أقول: لا ينبغي للإنسان أن يجترئ على الخوض في تفسير القرآن بغير علم.وقل مثل ذلك في رواية السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن بعض الناس ربما جاءه حديث في بريده الإلكتروني مثلاً، أو ربما وجد ورقة توزع مكتوباً فيها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيطبعها، وينسخها ويبدأ يوزعها قبل أن يسأل: هل هذا الكلام يصح نسبته إلى النبي عليه الصلاة والسلام أو لا؟ وهل تحل روايته أو لا؟ فلا يتثبت منه ولا يتوقف عنده، بل يخبط خبط عشواء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين )، ويقول بعض التابعين: صحبت عبد الله بن مسعود سنة، فما سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة، وتغير وجهه، وتصبب منه العرق، ثم قال: أو فوق ذلك أو دون ذلك، يعني: هذا الكلام الذي قلته لكم قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال ما هو أزيد من ذلك، أو هو ما دون ذلك، وهذا من ورعهم رضوان الله عليهم.فينبغي أن نتورع حين الخوض في تفسير القرآن، ونتورع في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك ينبغي أن نتورع حين نقول: هذا حلال وهذا حرام.وللأسف الآن يتجرأ كثير من غير المختصين على الخوض في المسائل الشرعية بدعوى أنها خفيفة سهلة، وربما بعض الناس تحت ضغط الواقع يقول: هذا حلال أو هذا حرام دون أن يتثبت ودون أن يتبين، ولذلك علينا أن ندعو دائماً بأن يسلمنا ربنا، وأن يسلم الناس منا حتى نخرج لا لنا ولا علينا. أسأل الله أن يحفظنا والمسلمين أجمعين.
الأسئلة
المتصل: شيخ بارك الله فيك! لدي بعض الأسئلة أرجو الإجابة عليها. السؤال الأول: ما المقصود بتخاصم أهل النار؟السؤال الثاني: نقرأ في كثير من كتب تفسير الأحاديث فيقول: هذا الحديث ضعفه الألباني ، فنريد أن نعرف الألباني هذا هل هو بنفس درجة البخاري و مسلم أم أقل منهما درجة؟ السؤال الثالث: ما هي أقصى فترة لختم القرآن؛ لأني أحياناً أختمه مرة في كل شهر، وأحياناً في كل شهرين؟
 الأحوال التي يطلق فيها القاضي المرأة من زوجها
السؤال: سافر زوجي منذ سبع وتركني حاملاً، ولا نعرف عنه شيئاً، علماً بأنه بنفس البلد؟الجواب: هذه من حقها أن تطلب الطلاق، والقاضي يطلقها؛ لأن القاضي يطلق في ثلاثة أحوال:الحال الأولى: حال الغيبة كما هو حاصل في هذا السؤال. الحال الثانية: في حال السجن، كإنسان حكم عليه بالسجن والزوجة لا تستطيع أن تنتظر فالقاضي يطلق؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار. الحال الثالثة: إذا أضر الزوج بزوجته، فإذا أساء معاملتها أو ترك الإنفاق عليها فإن القاضي يطلقها.أسأل الله أن يجمعنا على الخير مرة بعد مرة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ديوان الإفتاء [286] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net