اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بني سليم وبني قينقاع للشيخ : عبد الحي يوسف


بني سليم وبني قينقاع - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم التي كانت في السنة الثانية من الهجرة غزوة بن سليم وغزوة بني قينقاع، حيث جهز بنو سليم جيشاً لغزو المدينة فباغتهم الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه مائتان من أصحابه وحاصروهم ففروا هاربين، وهكذا غزوة بني قينقاع كانت بسبب نقضهم للميثاق؛ فأخرجهم الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة.
غزوة بني سليم
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين, حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى, وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه, عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار, وعدد ما اختلف الليل والنهار, وعلى المهاجرين والأنصار.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا علماً نافعاً, وارزقنا عملاً صالحاً, ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد: أيها الفضلاء! لما نصر الله المسلمين يوم بدر, صارت لهم قوة وشوكة ومنعة, وصارت العرب تهابهم, وعلم العرب أجمعون بأن المسلمين قد صاروا قوة لا يستهان بها, وأن هذا الانتصار قد رفع من روحهم ومكانتهم، والدليل على ذلك أن النفاق لم يظهر إلا بعد بدر: لأنه قبل غزوة بدر لم يكن هناك منافقون, لكن لما نصر الله المسلمين في بدر قال عبد الله ابن سلول: إن هذا أمر قد توجه -يعني صار له وجاهة- فدخل في الإسلام نفاقاً, ودخل معه آخرون.وبالمقابل فإن بعض العرب أيقنوا بأنهم إن لم يقاتلوا المسلمين فسيقاتلونهم؛ ولذلك حشد بنو سليم وبنو غطفان قواتهما لغزو المدينة, وكان من عبقرية رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربية بأنه لم يترك العدو حتى يدهمه, وإنما إذا بلغه بأن عدواً يجمع الجموع لمهاجمته فإنه يبدؤهم قبل أن يبدءوه.وقد باغتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عقر دارهم ومعه مائتان من الصحابة, ففر بنو سليم, وتركوا في الوادي خمسمائة بعير استولى عليها المسلمون, واصطفى النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه الخمس منها, ثم وزع الأربعمائة على المجاهدين, فوقع لكل واحد بعيران, وكان ذلك يمثل ثروة عظيمة في ذلك المجتمع, وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم غلاماً يقال له: يسار ، ورجع عليه الصلاة والسلام بعدما أقام في ديارهم ثلاثة أيام.
 

دروس مستفادة من غزوة بني سليم
ونستفيد من غزوة بني سليم فوائد:
 الهجوم خير وسيلة للدفاع
ثالثاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع قاعدة حربية وهي أن الهجوم خير وسيلة للدفاع, فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يترك العدو إلى أن يتهيأ ويستعد ويهجم, وإنما كان يباغته بغتة.رابعاً: في تلك الغزوة تحققت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ( بعثت بالسيف بين يدي الساعة, وجعل رزقي تحت ظل رمحي, وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ).
غزوة بني قينقاع
وفي السنة الثانية من الهجرة حصلت غزوة بني قينقاع:وبنو قينقاع هم إحدى طوائف اليهود، وكلمة اليهود مأخوذة من هادى، ومعنى هادى كما في قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا [الجمعة:6], أي: مأخوذة من قولهم: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف:156], أي رجعنا إليك.أو تكون نسبة إلى يهوذا, وهو أحد أسباط يعقوب عليه السلام, وكلمة اليهود لم تذكر في القرآن على سبيل المدح أبداً, وإنما إذا ذكر اليهود في القرآن ذكر معهم الغش والحسد والعداوة والبغضاء والغل, وقتل الأنبياء وأكل أموال الناس بالباطل, والصد عن سبيل الله, وافتراء الكذب على الله, وسوء الأدب مع الأنبياء, وغير ذلك من الصفات الذميمة.واليهود في الأصل جاءوا من اليمن بعدما انهد سد مأرب, وبعضهم جاء من بلاد الشام لما دخل الملك البابلي الكافر بختنصر بيت المقدس وجاس خلال الديار, وخرب الهيكل, وساق أربعة آلاف من بني إسرائيل إلى بلاد بابل, وهي الفترة التي تسمى بفترة الأسر البابلي.واليهود سكنوا الجزيرة العربية, لكن سكنوها بصفاتهم الذميمة, وأخلاقهم القبيحة, وكان في المدينة منهم ثلاث طوائف: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة, والنبي صلى الله عليه وسلم عاهد الطوائف الثلاث وكلهم نقضوا عهد الله وميثاقه.أما بنو قينقاع فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر ذهب إليهم وقال لهم: ( يا بني قينقاع! اتقوا الله وأسلموا, فإنكم تعلمون أني رسول الله إليكم الذي تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة. وقالوا له: يا محمد! ما نعلم أنك رسول الله, ولا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب, والله لئن قاتلتنا لتعلمن أنا نحن الناس ), فأنزل الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ[آل عمران:12-13] وهم المسلمون: وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران:13].وبعد ذلك ذهبت امرأة من المسلمين إلى سوق بني قينقاع لتبتاع ذهباً، فراودها أحد اليهود عن كشف وجهها فأبت, فعمد أحد خبثائهم إلى طرف ثوبها فربطه في عقاص رأسها, وهي لا تشعر, فلما قامت بعدما قضت حاجتها عند الصائغ, انكشفت سوءتها, فصاح اليهود وصفقوا وتمايلوا وطربوا, فصاحت المرأة: وامحمداه! تطلب النصر من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فاستجاب أحد تلامذة محمد صلى الله عليه وسلم, من الصحابة رضي الله عنهم فعمد إلى اليهودي فقتله, فجاء اليهود فاجتمعوا على الصحابي فقتلوه.ولما بلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أن اليهود سرطان خبيث, والسرطان لا بد من بتره، فأمر الصحابة بالمسير إليهم وحاصرهم صلى الله عليه وسلم, فجاء يشفع فيهم عدو الله عبد الله بن أبي ابن سلول ، فقال: ( يا رسول الله! أحسن إلي في موالي من يهود, ثلاثمائة دارع وأربعمائة حاسر, كانوا يمنعونني من الأحمر والأسود, تحصدهم في غداة واحدة, إني أخشى الدوائر, وتعلق بجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غضب صلى الله عليه وسلم وقال: أرسلني! أرسلني! ثم وهبه إياهم على أن يغادروا المدينة ), أي: لا يساكنوه فيها, فخرجوا مشيعين بلعنات ربنا، وطهر الله المدينة من رجسهم, وفي تلك الغزوة أنزل الله آيات من سورة المائدة قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَهمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ[المائدة:51-52] يعني: عبد الله ابن سلول : يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ [المائدة:52-53].
 الهجوم خير وسيلة للدفاع
ثالثاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع قاعدة حربية وهي أن الهجوم خير وسيلة للدفاع, فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يترك العدو إلى أن يتهيأ ويستعد ويهجم, وإنما كان يباغته بغتة.رابعاً: في تلك الغزوة تحققت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ( بعثت بالسيف بين يدي الساعة, وجعل رزقي تحت ظل رمحي, وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ).
دروس مستفادة من غزوة بني قينقاع
أما الدروس المستفادة من غزوة بن قينقاع فهي:
 قلة أدب المنافقين مع الله ورسوله
سادساً: أن من خصال المنافقين عدم الأدب مع الله, ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهذا عبد الله ابن سلول يتعلق بجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلح عليه, وما كان المسلمون أبداً يفعلون ذلك مع الرسول صلى الله عليه وسلم.وليست هذه أول بوائقه لعنه الله، بل مرة لما جاءه النبي صلى الله عليه وسلم راكباً حماراً وقد أردف أسامة فنزل مسلماً, خمر عبد الله ابن سلول أنفه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إليك عني, فوالله لقد آذاني نتن ريح حمارك, فقال له عبد الله بن رواحة وهو من قومه: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك.وفي رواية قال له: بول حمار رسول الله خير منك. وصدق رضي الله عنه.وأيضاً من بوائق عبد الله بن أبي : أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء يوماً فوجده جالساً مع مجموعة من قومه فقام يتلو عليهم القرآن فقال له ابن سلول : يا هذا! لا أحسن مما تقول إن كان حقاً, فلا تغشنا به في مجالسنا, اجلس في مسجدك فمن جاءك فاقرأ عليه.فإذا وجدت إنساناً يسيء الأدب مع الله أو يسيء الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه منافق, يظهر الإسلام ولكنه باطنه خرب والعياذ بالله تعالى.سابعاً: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حسن التصرف, وكظم الغيظ, وأن الانفعال لا يخرجه عما ينبغي فعله صلوات ربي وسلامه عليه.نقف عند هذا الحد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بني سليم وبني قينقاع للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net