اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة يس [10] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة يس [10] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
لقد أخذ الله العهد والميثاق على بني آدم أن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئاً، فأغوى الشيطان كثيراً من الناس، فإذا بعث الله الناس يوم القيامة ورأى الكفار النار أنكروا ما كانوا يفعلون في الدنيا، فيختم الله على أفواههم فتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، ونفى الله عن نبيه قول الشعر وذلك رداً على المشركين الذين كانوا يقولون أن القرآن إنما هو قول شاعر.
تفسير قوله تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان ...) إلى قوله: (... أفلم تكونوا تعقلون)
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد: ‏
 تربص الشيطان ببني آدم
وهذا المعنى مذكور في قول الله عز وجل في سورة الأعراف، لما قال الله عز وجل: اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف:18]، هذا الخبيث توعد، وقال: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف:16]، أي: على صراطك المستقيم، ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17]، وفي سورة الإسراء قال تعالى: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:62]، لأَحْتَنِكَنَّ))، لأجرنهم من الحنك، صنيع الإنسان بالدابة، الشيطان يتوعد آدم الذي طرد من رحمة الله بسببه، سيكون سبباً في غواية ذريته، لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:62].وفي سورة الحجر: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:39-40]، وهذا الوعيد وللأسف، قال الله عز وجل: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ:20]، أكثر الناس أتباع لإبليس، يطيعونه ويتبعون خطواته ويسلكون دروبه ويسلكون سلوكهP بل بعض الناس -والعياذ بالله- تفوق على إبليس، كما قال القائل:وكنت من جند إبليس فارتقىبي الحال حتى صار إبليس من جنديأي أن إبليس نفسه صار تابعاً له.فالله عز وجل يذكرنا بهذا العهد الذي قطعه علينا ونحن في صلب أبينا آدم، حين أخرجنا ونثرنا بين يديه كالذر، وأخذ علينا الميثاق: قال تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا[الأعراف:172]، ثم ما تركنا جل جلاله لذلك العهد القديم؛ بل أرسل رسله تترى، رسولاً إثر رسول، يذكروننا، ويبشروننا، وينذروننا، ويأمروننا وينهوننا، قال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، لكن للأسف إبليس استولى على جملة الخلق.وقوله تعالى: أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس:62]، أي: أما كانت عندكم عقول حين اتبعتم هذا الشيطان، هذا العدو المبين؟! فالعاقل لا يتبع عدوه أبداً؛ بل يجانب طريقه ويفارق سبيله، وهذا كله تقريع وتوبيخ يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (هذه جهنم التي كنتم توعدون) إلى قوله: (... وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون)
ثم يقال لهم والعياذ بالله: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [يس:63]. وفي الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يخرج يوم القيامة عنق من جهنم ساطع مظلم، ينادي: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس:60-62]، ثم يقال: تزايلوا أيها المجرمون )، أي: تميزوا وابتعدوا عن المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام: ( فذلك حين تجثوا الأمم، ثم تلى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:28] ).وقوله: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [يس:63]، (جهنم): لفظة عربية على وزن فعنل، مشتقة من التجهم؛ لأنها تتجهم وتعبس في وجوه الكفار والفجار، يا فرعون يا هامان يا قارون يا أبا جهل يا أبا لهب يا عقبة يا عتبة يا شيبة .. يا من كنتم تكذبون بالجنة والنار! هذه جهنم التي توعدكم بها الأنبياء والمرسلون، كما قال الله عز وجل في سورة الطور: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً [الطور:13]، أي: يدفعون، هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:14-16].وقوله تعالى: اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [يس:64]، اصلوها: قاسوا حرها، عانوا سعيرها، (صلا النار) أي: قاسى حرها وسعيرها، اصْلَوْهَا الْيَوْمَ )) أي: يوم القيامة، بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ))، أي: بسبب كفركم، الباء باء السببية و(ما) مصدرية.
 وجه البلاغة في التعبير بكلام الأيدي وشهادة الأرجل يوم القيامة
وهاهنا سؤال وهو:لم قال ربنا جل جلاله: وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ[يس:65]؟ لم تكن الآية: وتكلمنا أيدهم وأرجلهم، ولم لم تكن: وتكلمنا أرجلهم وتشهد أيديهم؟ أو لم لم تكن الشهادة في العضوين معاً: وتشهد أيديهم وتشهد أرجلهم؟ قال المفسرون: تكلمنا أيديهم لأن اليد هي التي تباشر؛ فالإنسان إذا أراد أن يتناول حراماً فإنما يتناوله بيده، وإذا مس حراماً مسه بيده، وإذا سفك دماً حراماً ففي الغالب يكون بيده؛ فلما كانت اليد فاعلة تكلمت، وأما الرجل ففي الغالب ما فعلت لكنها حضرت، ولذلك تشهد، وتشهد أي: تخبر بما رأت، أما اليد فإنها تتكلم؛ لأنها هي الفاعلة غالباً، قال تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ [يس:65]، هذا الختم يكون على الفم ثم بعد ذلك تنطق هذه الأعضاء.ثم قال: وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ، وليس المقصود اليد والرجل فقط؛ بل كما في سورة فصلت ذكر ربنا الأسماع والأبصار والجلود، وقيل: الجلود هنا المراد بها: الفروج والعلم عند الله تعالى.قال تعالى: بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65]، أي: بما كسبت هذه الأعضاء.
تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم...) إلى قوله: (...فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون)
ثم قال سبحانه: وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ[يس:66]. أي: ولو نشاء لأعمينا أبصارهم، فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ [يس:66]، أي: أسرعوا إليه، فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ))، أي: كيف يبصرون بعدما أذهب الله الآلة التي يكون بها الإبصار، وطمسها الله عز وجل. ‏
 المراد بقوله تعالى: (فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون)
ثم قال: فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلا يَرْجِعُونَ[يس:67] أي: ما استطاعوا التقدم إلى الأمام ولا استطاعوا رجوعاً إلى الخلف؛ فيذكرهم ربهم جل جلاله بهذه النعم التي أنعم بها عليهم، وأنها أثر من آثار رحمته، ونوع من أنواع فيوضاته جل جلاله، وهب السمع والبصر وهذه الأعضاء؛ قال تعالى ممتناً على عباده: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:8-9]، فهذه الأعضاء كلها منة ورحمة من الله، ولو شاء لعطل منافعها وأبطل عملها.
تفسير قوله تعالى: (ومن نعمره ننكسه في الخلق ...) إلى قوله: (ويحق القول على الكافرين)
ثم قال سبحانه: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ [يس:68]. (من نعمره) أي: من نطيل عمره، كما قال سبحانه: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ[البقرة:96]، وقال سبحانه: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ[فاطر:11]، وقوله: نُنَكِّسْهُ، التنكيس هو: القلب.‏
 حكم قول الشعر
قال الله عز وجل: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ[يس:69]، هل هذا يعني أن الشعر مذموم بإطلاق؟الجواب: لا، وقد جاء حديث في سنن أبي داود قال صلى الله عليه وسلم: ( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً )؛ لكن قال العلماء: هذا في الشعر المذموم، الذي فيه مدح بغير حق، أو ذم بغير حق، أو دعوة إلى باطل أو إلى منكر، أما إذا كان الشعر إعلاء لقيم الإسلام، وتألهاً وتنسكاً، ومدحاً في رب العالمين جل جلاله، أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو قيم الإسلام السامية وتعاليمه الراقية فهو ممدوح؛ ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام استمع إلى الشعر من حسان بن ثابت ، و كعب بن مالك ، و عبد الله بن رواحة ، و كعب بن زهير ـ وغيرهم رضوان الله عليهم.فإذا كان الشعر كلاماً حقاً فهو ممدوح لا مذموم، مثل ما قال الله عز وجل: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ[العنكبوت:48]، هل يفهم من هذا أن الكتابة مذمومة؟! كلا، وإنما نفاها الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم من أجل أن يثبت معجزته.وهاهنا أيضاً قال: إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ[يس:69]، إِنْ هُوَ)) أي: القرآن، وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:69-70]، وهو نذير لكل من كان حياً على وجه الأرض، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً[سبأ:28]. وأيضاً لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً))، أي: حي القلب، أما من كان قلبه ميتاً فإنه لا ينتفع، قال تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [الروم:52]، وقال تعالى: وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ [النمل:81].وقوله: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً [يس:70]، وفي قراءة: لتنذر من كان حياً، فهي قراءتان.قال تعالى: وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:70]، القول الذي قطعه الله على نفسه في قوله تعالى: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:13].أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة يس [10] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net