اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سورة البقرة - الآية [208] للشيخ : عبد الحي يوسف


سورة البقرة - الآية [208] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
لقد حثت الشريعة الإسلامية المؤمنين على الخير وأمرتهم به، وحذرت من الشر ونهت عنه، وإن مما أمرت به الشريعة الغراء الدخول في دين الله كاملاً، والتمسك به جملة وتفصيلاً، ونهت عن اتباع خطوات الشيطان؛ إذ إنه العدو الأكبر للمؤمن، وخطره أعظم الأخطار، وشباكه أشد الشباك. ولقد حث الله تعالى عباده المؤمنين بالإكثار من النفقة في وجوه الخير، وإخراج أطيب الأموال في الحياة الدنيا، قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة.
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة...)
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد:أسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.معنا في هذا الدرس النداء السادس في الآية الثامنة بعد المائتين من سورة البقرة: قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[البقرة:208].سبب نزول هذه الآية كما قال بعض أهل التفسير: إن جماعة من اليهود الذين أسلموا، وفيهم عبد الله بن سلام ، و أسد بن كعب ، و ثعلبة ، (سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يأذن لهم أن يسبتوا)، يعني: يعظموا يوم السبت، وأن يقوموا الليل بالتوراة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، يأمرهم فيها بشعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها، يعني: يا يهودي! يا من أسلمت! اعلم بأن ديانتك منسوخة، وأن شريعتك قد بطل العمل بها، فوجب عليك أن تجعلها وراء ظهرك، وأن تشتغل بشريعة الإسلام دون سواها.قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه بتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام، فـابن كثير رحمه الله يقول: عبد الله بن سلام رجل راسخ الإيمان، زكاه الله عز وجل في القرآن، فقال سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمَْ[الأحقاف:10]، وقال الله عز وجل: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ[الرعد:43]، قالوا: هو عبد الله بن سلام، رضي الله عنه.وعلى كل حال فإن الله عز وجل يأمرنا -نحن المسلمين- بأن ندخل في هذا الدين كله، أصولاً وفروعاً، عقيدة وشريعة، آداباً وأحكاماً، أخلاقاً وسلوكاً، لا نأخذ منه ما يوافق أهواءنا وندع ما يخالفه.وقال بعض أهل التفسير: بل الآية نازلة في أهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى! آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وادخلوا في دينه، ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار)، فاليهودي لن تنفعه يهوديته، والنصراني لن تغني عنه نصرانيته، لقول الله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[آل عمران:85].
 من فوائد الآية
من فوائد الآية: وجوب قبول شرائع الإسلام كافة، وحرمة التخير فيها، يعني: لا يجوز لك أن تختار وتنتقل، وإنما كما قال تعالى: (( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ٌ )).ثانياً: ما من مستحل حراماً أو تارك واجباً إلا وهو متبع للشيطان في ذلك، فالذي يصوم ولا يصلي هو ممن اتبع خطوات الشيطان، لأن الذي أمر بالصيام هو الذي أمر بالصلاة، وهو الله جل جلاله. ثالثاً: وضوح عداوة الشيطان لعباد الله المؤمنين.رابعاً: تحريم اتباع الشيطان فيما يدعو إليه من الكفر والضلال، وأن يستعيذ الإنسان منه بقوله تعالى: رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ[المؤمنون:97-98].
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم...)
النداء السابع في الآية الرابعة والخمسين بعد المائتين من سورة البقرة: يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ[البقرة:254]، هذه الآية جاءت بعد الآية التي بين الله فيها أنه قد أرسل رسلاً، وأنه قد فضل بعضهم على بعض، فكأن الأمر بالإنفاق بعد ذكر الرسل ليبين ربنا جل جلاله أن هذه الشعيرة المباركة وهذه الخصلة الفاضلة هي مما جاءت به الرسل، وأمرت به الأمم، وقبل ذلك بآيات أمر الله عز وجل بالجهاد، فقال سبحانه: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[البقرة:244]، ثم بعدها أمر بالإنفاق فقال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةًَ[البقرة:245]، يقول بعض أهل التفسير: النفقة ها هنا مقصود بها النفقة في الجهاد، كأنهم شبهوا هذه الآية على هذا النسق بقول الله عز وجل وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهَِ[التوبة:41]. يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ )) النفقة: هي إخراج المال الطيب في الطاعات والمباحات، والإنسان إذا أخرج مالاً في الطاعة كالزكاة الواجبة، أو صدقة التطوع، أو تفطير الصائمين، أو في المباحات كنفقته على نفسه، في طعامه وشرابه ولباسه وأثاثه وسكنه، وكان هذا المال من حلال طيب، فهذه هي النفقة التي أمر الله عز وجل بها، وأخبر أنها متقبلة عنده.يقول ابن عطية رحمه الله: ظاهر هذه الآية أنها تعم جميع وجوه البر: من سبيل خير، وصلة رحم. يعني: سواء كانت هذه النفقة في سبيل من سبل الخير، أو في صلة رحم، فنحن مأمورون بها.
 من فوائد الآية
هذه الآية فيها فوائد كثيرة منها:الفائدة الأولى: الحث على النفقة في جميع طرق الخير، إذ قال: أنفقوا، ولم يعين باباً، فالأبواب كلها أبواب خير، فلك أن تنفق في علاج مريض، أو كفالة يتيم، أو إطعام جائع، أو التصدق على مسكين، أو كسوة عار، أو تفطير صائم، أو في بناء مسجد، إلى غير ذلك من أبواب الخير.الثانية: التذكر بنعمة الله على الناس؛ لأنه جل جلاله هو الذي رزقهم، وأنعم عليهم بالنعم.الثالثة: أن الله عز وجل أمرنا بإنفاق بعض المال لا كله، إذ لم يقل: أنفقوا ما رزقناكم، وإنما قال: (مما رزقناكم)؛ لأن الله عز وجل يعلم أن النفس مجبولة على الشح؛ ولذلك الله عز وجل قال: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُوْن[البقرة:2-3]، فقال مما رزقناهم هو يمثل الجزء، فلذلك لو احتسبت الزكاة في المليون فستكون خمسة وعشرين ألفاً، وهي لا تمثل شيئاًً، وفي أربعين شاة شاة، وفي ثلاثين بقرة تبيع، وفي خمس من النوق شاة، فدائماً الصدقة القليلة متقبلة عند الله عز وجل.الرابعة: دلت الآية على أن هذه النفقات مدخرة عند الله ليوم لا تفيد فيه المعاوضات بالبيع ونحوه، ولا التبرعات ولا الشفاعات، ولذلك الممسك يوم القيامة يندم، ويقول: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ[الحاقة:28]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[المنافقون:9-11]، فهذا تحذير من الغفلة وتنبيه لوجوب الأخذ بأسباب النجاة التي تعين في نجاة العبد يوم القيامة، ثم حصر الظلم في الكفار؛ لأنهم خرجوا على ما خلقهم الله له، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سورة البقرة - الآية [208] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net