اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [21-24] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الكهف - الآيات [21-24] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
ثبتت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في حرمة اتخاذ المساجد على القبور، وتجصيصها وتعظيمها، وذلك حمايةً لجناب التوحيد وسداً لذريعة الشرك، من التبرك بها وعبادة الله عندها، وقد اعترض بعض الناس على هذا بشبه واهية لا تقاوم ما ورد في ذلك من أحاديث صريحة. كما حذرت شريعتنا من الرجم بالغيب والقول على الله بغير علم، واستفتاء من لا يصلح للفتوى.
البناء على القبور
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد: يقول تعالى: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا * سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا [الكهف:21-24]. ‏ كان الكلام في الدرس الذي مضى عن الفوائد التي تستنبط من هذه الآيات المباركات، وتوقف بنا الكلام عند الفائدة السابعة والعشرين، وهي قول الإمام الألوسي رحمه الله: استدل بهذه الآية يعني قول الله عز وجل: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً [الكهف:21] على جواز البناء على قبور الصلحاء، واتخاذ المساجد عليها، وجواز الصلاة في ذلك، وهو مذهب عاطل باطل كاسد فاسد.واتخاذ المساجد على القبور، والصلاة فيها، والبناء عليها ممنوع، وتقدم معنا ذكر الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن ذلك، كما في سنن أبي داود و الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج ).وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: ( أن أم حبيبة و أم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسةً رأتاها في أرض الحبشة، وما فيها من التصاوير، فقال عليه الصلاة والسلام: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى )، والدلالة ظاهرة من الحديثين، ففي الحديث الأول الرسول الله صلى الله عليه وسلم المتخذين على القبور مساجد، واللعن لا يكون إلا على كبيرة كما هو مقرر عند جمهور أهل العلم، وفي الحديث الثاني يحكم النبي صلى الله عليه وسلم على من بنوا على القبور مساجد بأنهم شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة. قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن في الجزء العاشر في الصفحة الحادية والثمانين بعد المائتين: قال علماؤنا: وهذا -أي ما مضى من النصوص- يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد، وفي حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها )، أي: لا تتخذوها قبلةً فتصلوا عليها أو إليها، كما فعل اليهود والنصارى؛ فيؤدي إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام.وقال عليه الصلاة والسلام: ( اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ).وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: ( أنه لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصةً على وجهه )، أي: لما نزل به الموت، أو لما نزل به النزع عليه الصلاة والسلام طفق يطرح خميصةً، والخميص هو الكساء الذي فيه أعلام، ( طفق يطرح خميصةً على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك ) أي: وهو على تلك الحال ( لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا ).وفي صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه )، فقوله: ( نهى أن يجصص القبر )، أي: أن يدخل فيه الجص، بمعنى: أن يجير، أو أن يبنى عليه بالحجارة، هذا كله منهي عنه، ( وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه ).وعند أبي داود و الترمذي عن جابر قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ ).وفي الصحيح عن أبي الهياج الأسدي رحمه الله قال: ( قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع صورة -يعني تمثالاً- إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته )، فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر علياً بألا يترك تمثالاً إلا كسره، ولا يدع قبراً مشرفاً، أي: ظاهراً بارزاً على الأرض إلا سواه. يقول القرطبي رحمه الله: قال علماؤنا: ظاهره منع تسنيم القبور ورفعها، وأن تكون لاطئةً أي: لاصقةً بالأرض، وقد قال به بعض أهل العلم. يعني: أن بعض العلماء قالوا: القبر يسوى، أي: يسطح تماماً، وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم، يعني: الآن جرت سنة الناس بأنهم إذا قبروا ميتهم فإنهم ينصبون على اللحد لبناً، ثم بعد ذلك يهيلون التراب، ويسنمون القبر، أي: يجعلونه على هيئة سنام الجمل، ويرشونه بالماء، من أجل أن يتميز القبر فلا يوطأ، ولا يجلس عليه، ولا يستند إليه، وهذا الذي عليه جمهور العلماء، فقالوا: الارتفاع المأمور بإزالته ما زاد على التسنيم، ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم، وذلك صفة قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقبر صاحبيه رضي الله عنهما.قال القرطبي رحمه الله: وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيماً وتعظيماً فذلك يهدم ويزال، فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبهاً بمن كان يعظم القبور ويعبدها.والمعنى أن الواجب على جماعة المسلمين ومن باب أولى على من ولي أمر المسلمين أن يزيل هذه القبور المرتفعة البارزة، ويقتفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.ويقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله في تفسير هذه الآية: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً [الكهف:21]، وكان بناء المساجد على القبور سنةً لأهل النصرانية، فإن كان شرعاً لهم فقد نسخه الإسلام، وإن كان بدعةً منهم في دينهم فأجدر. يعني: يقول هؤلاء الذين اتخذوا على القبور مساجد إما أن يكونوا قد فعلوا ذلك؛ لأنه كان مشروعاً في دينهم، وليس هو مشروعاً في ديننا، وإما أن يكونوا قد فعلوا ذلك ابتداعاً وافتراءً على الله، فذلك أجدر بنا أن نبتعد عن هديهم، وأن نحذر مثل فعلهم، ولا شك أن الراجح هو الثاني؛ أي: أنهم فعلوا ذلك ابتداعاً في دينهم، ولولا ذلك لما لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد )، فلو كانوا يفعلون ذلك؛ لأنه جائز في دينهم لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعنهم.وقد ذكرنا مقالة شراح الحديث كالإمام الشوكاني ، والإمام محمد بن الأمير الصنعاني ، والإمام ابن حجر الهيتمي ، وكذلك ما ذكره أبو عبد الله ابن القيم وغيرهم.
 الصلاة في المسجد الذي فيه قبر
المسألة الرابعة: وبها ختام الكلام في هذا المبحث: ما حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور يعني: الآن هناك مساجد ضمت قبراً أو أكثر، فما حكم الصلاة في هذه المساجد التي بها قبور؟ الجواب: هناك حديث رواه الخمسة: الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة، عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام )، يعني: هناك مواطن نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن الصلاة فيها، والأحاديث في ذلك مروية عن أبي مرثد الغنوي ، و ابن عمر ، و جابر ، و عبد الله بن عمرو بن العاص ، و عمران بن الحصين ، و معقل بن يسار ، و أنس بن مالك رضي الله عنهم جميعاً.ومن تلك الأحاديث: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الصلاة في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، والحمام، ومعاطن الإبل، وقارعة الطريق، وفوق ظهر بيت الله )، وهذه المواطن بعضها نهي عن الصلاة فيها؛ لأنها مظنة النجاسة، كالمجزرة، والحمام، والمزبلة، وما أشبه ذلك، وبعضها نهي عن الصلاة فيها سداً لذريعة الشرك، يعني مثلاً: المقبرة بعض العلماء قالوا: نهي عن الصلاة فيها أو إليها سداً لذريعة الشرك، وبعضهم قالوا: نهي عن الصلاة فيها؛ لأنها مظنة النجاسة أيضاً، لأن الميت يستحيل فيخرج منه الصديد، يخرج منه الدم، ويتعفن، وغير ذلك، لكن نقول قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم )، هل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبورهم مظنة النجاسة؟ هل الأنبياء يتحللون؟ هل الأنبياء ويخرج منهم دم وصديد وما إلى ذلك؟ لا والله، قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء )، والحديث صحيح، وأول الحديث قال عليه الصلاة والسلام: ( إن من خير أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا من الصلاة علي فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا: كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ يعنون بليت، فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء )، أي: كل الأنبياء، فثبت في هذا أن النهي عن السجود على قبور الأنبياء، والنهي عن الصلاة فيها وإليها إنما هو سد لذريعة الشرك؛ لئلا يقود ذلك إلى عبادتهم من دون الله عز وجل.ونقول: بالنسبة للنهي عن الصلاة في المقابر فقد ذهب أحمد إلى تحريم الصلاة في المقبرة، ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيء أو لا يفرش، قال ابن حزم رحمه الله: وبه يقول طوائف من السلف، فحكي عن خمسة من الصحابة النهي عن ذلك، يعني: النهي عن الصلاة في القبور، وهم عمر ، و علي ، و أبو هريرة ، و أنس ، و ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وقال: ما نعلم لهم مخالفاً من الصحابة. هذا كلام ابن حزم رحمه الله.وحكي عن جماعة من التابعين منهم إبراهيم النخعي ، و نافع بن جبير بن مطعم ، و طاوس بن كيسان ، و عمرو بن دينار ، و خيثمة وغيرهم، ثم ذهب الشافعي رحمه الله إلى التفريق بين المنبوشة وغيرها، فقال: إذا كانت مختلطةً بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى الرجل في مكان طاهر منها أجزأته، وإلى مثل ذلك ذهب أبو طالب و أبو العباس وغيرهما، وذهب الثوري و الأوزاعي و أبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة، ولم يفرقوا كما فرق الشافعي ومن معه بين المنبوشة وغيرها.يقول الشوكاني رحمه الله: وأحاديث النهي المتواترة لا تقصر دلالتها عن التحريم الذي هو المعنى الحقيقي له، أي: للنهي، وقد تقرر في الأصول أن النهي يدل على فساد المنهي عنه.. إلى آخر كلامه رحمه الله.وهناك كلام منقول عن النووي ، وعن ابن قدامة رحمه الله في المغني وغيرهم.والخلاصة: أن من صلى في مسجد فيه قبر فعليه التوبة والاستغفار، ولا يلزمه إعادة الصلاة في قول أكثر أهل العلم، منهم المالكية والحنفية والشافعية وهي رواية عن أحمد رحمه الله.يعني: من صلى في مسجد فيه قبر فقد ارتكب حراماً، فيلزمه التوبة والاستغفار، لكن لا يلزمه إعادة الصلاة في قول جمهور العلماء: الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله، ولهذا نظائر كثيرة، فلو أن إنساناً صلى وهو مثلاً يلبس شيئاً من ذهب، فعليه التوبة والاستغفار، ولا يلزمه إعادة الصلاة، ومن صلى في ثوب حرير فعليه التوبة والاستغفار، ولا يلزمه إعادة الصلاة، يعني: نفرق بين التحريم والبطلان، هذا هو قول جمهور العلماء رحمهم الله.
فوائد من قوله تعالى: (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق ...)
ونعود إلى ذكر ما بقي من فوائد هذه الآية، الفائدة الثامنة والعشرون: أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا إذا جاء شرعنا بخلافه، وقد تقدم معنا أن أهل التفسير مختلفون، فقول الله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ [الكهف:21]، هل كانوا مسلمين أو مشركين؟ فإن كانوا مشركين فلا كلام، وإن كانوا مسلمين نقول: شرعهم يخالف شرعنا، والحجة في شرعنا، قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً [المائدة:48].الفائدة التاسعة والعشرون: أن أهل الكتاب جريئون على القول في أمر الدين بغير علم؛ لأن الله عز وجل قال: سَيَقُولُونَ [الكهف:22]، والمقصود بذلك اليهود الذين كانوا يساكنون النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، أو نصارى نجران الذين ناظروا النبي عليه الصلاة والسلام في بعض المسائل.الفائدة الثلاثون: ذم من رجم بالغيب، وتكلم فيه بغير أثارة من علم؛ لأن الله عز وجل قال معلقاً على قولهم: ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف:22]، قال: رَجْماً بِالْغَيْبِ [الكهف:22]، فلا تتكلم في أمر من أمور الغيب، إلا وأنت تستند على دليل من قرآن أو سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجد الناس يرجمون بالغيب في أمور كثيرة، فمثلاً: بعض الناس يقول: سؤال القبر يكون بالسريانية، أين دليلكم على أنه يكون بالسريانية أو بالألمانية أو بالفرنسية؟ من أين أتيتم بهذا الكلام؟ أين الحديث؟ أين الآية؟ ما عندهم شيء، ومثله أيضاً ما يخوض فيه بعض الناس من الكلام عن عرش الرحمن جل جلاله، أو الكلام عما يتعلق بأمور الغيب في الفتن والملاحم، وهذا كثر في الآونة الأخيرة، فهناك كتب تخرج بأن القحطاني الذي يسوق الناس بعصاه هو فلان، وأن الرجل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث كذا وكذا هو فلان، حاكم بلاد كذا، وما يلبث في الأمر إلا قليلاً حتى يتبين بأن هذا رجم بالغيب، وأن هذا قول على الله بغير علم.الفائدة الحادية والثلاثون: وجوب رد العلم إلى عالمه جل جلاله، قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ [الكهف:22]، فالفتية لما اختلفوا في المدة قالوا: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ [الكهف:19].الفائدة الثانية والثلاثون: ليس المهم معرفة العدد، بل المهم الاعتبار بتلك القصص، وبما يكون نافعاً لعقولنا، مطهراً لأخلاقنا، فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً [الكهف:22]، يعني: فقضية العدد سواءً كانوا ستة أو سبعة أو عشرة أو عشرين ليس هذا مهماً، وأيضاً قوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا [البقرة:73]، ما هو البعض، هل كان اليد، أو الذراع، أو الرجل، أو الرأس، أو القرون أو كذا ؟ ليس مهماً، وقوله تعالى: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود:44]، أين الجودي في تركيا، في الشام؟ ما يهمنا، ومثله أيضاً ما تكلم به بعض الناس قبل سنوات من أن موسى عليه السلام كان سودانياً، وسواء كان سودانياً أو تركياً، أو غيرها من البلدان المهم هو رسول الله عليه الصلاة والسلام نحبه، ونجله، وهو فوق رءوسنا من أي جنس كان، هذه ليست قضية، ولا يترتب على الجدال فيها أي فائدة.الفائدة الثالثة والثلاثون: النهي عن سؤال أهل الكتاب، واستفتائهم في شيء من العلم، قال الله عز وجل: وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف:22]، أي: لا تستفت أهل الكتاب؛ لأن أهل الكتاب مدلسون، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( لا تسألوهم فتصدقوهم بكذبهم، أو تكذبوهم بصدقهم )، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، يعني: ربما يخبرون بأمر باطل يلبسون به علينا، ولربما يخبرون بأمر حق فنكذبهم فنقع في الحرج، ولذلك قال: ( لا تصدقوهم ولا تكذبوهم )، قال الله تعالى: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [العنكبوت:46]، ( لا تصدقوهم، ولا تكذبوهم )، أي: فيما سكت عنه الشرع، أما إذا جاء كتابهم يقول: الله ثالث ثلاثة، فهذا نكذبه، ونقول: هذا كذب وافتراء وأنت مفتر، أو يأتي شخص فيقول في كتابنا: بأن موسى عليه السلام كان مصاباً بالأدرة، أو أن عيسى عليه السلام ابن زنا، أو أن يعقوب سرق غنم سيده، أو أن سليمان كان ساحراً، أو غير ذلك من الأباطيل، فنقول له: كذبت وافتريت على الله. أما إذا أخبرونا بشيء ثابت في شرعنا نقول له: صدقت.الفائدة الرابعة والثلاثون: وهذه نبه عليها العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في تيسير الكريم المنان، قال: في الآية دليل على المنع من استفتاء من لا يصلح للفتوى، إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه، أو لكونه لا يبالي بما تكلم به، وليس عنده ورع يحجزه، وهو منهي عن الفتوى من باب أولى.إذاً السعدي رحمه الله يقول: في الآية دليل على المنع من استفتاء من لا يصلح للفتوى، يعني: كما أنك لا تتطبب عند من لا يصلح طبيباً، وأيضاً لا تسلم بيتك ليبنيه أو يقدر المقادير من حديد وإسمنت لمن لا يصلح، فمن باب أولى في الدين، فلا تستفت من لا يصلح للفتوى، والذي لا يصلح للفتوى فهو إما لقصوره، فلا يعرف قرآناً، ولا سنة، ولا مواطن الإجماع من مواضع الخلاف، ولا يعرف القواعد التي يستند عليها العلماء في فتاويهم، فهذا إنسان نقول عنه: أنه قاصر في نفسه، وإما لأنه ليس عنده ورع يحجزه، فهو عنده علم، لكن ما عنده ورع، وهذا الصنف موجود وبكثرة -نسأل الله العافية- فتجده يطوي الأدلة، ويوظف النصوص لخدمة أصحاب الجاه، أو أصحاب الأموال، وإذا سئل عن مسألة فإنه يشمشم وينظر هل يريدون القول بالحل أو بالحرمة؟ وعنده في جيبه اليمين أدلة للحل، وفي جيبه الشمال أدلة للحرمة، نسأل الله العافية.الفائدة الخامسة والثلاثون: في الآية دليل على أن الشخص قد يكون منهياً عن استفتائه في شيء دون آخر، يعني: يصلح للفتوى في شيء، ولا يصلح للفتوى في شيء آخر.الفائدة السادسة والثلاثون: حرص الإسلام على صيانة الطاقة العقلية أن تبدد في غير ما يفيد، فالطاقة العقلية بدلاً من أن تبددها في تتبع كلب أصحاب الكهف من أي لون كان، وتتبع عصا موسى من أي خشب كانت، وتتبع سفينة نوح على أي جبل رست، وتتبع وسوسة الشيطان لآدم كيف حصلت، ونحو ذلك من القضايا التي لا يترتب عليها عمل، وظف عقلك، واستعمل طاقتك في معرفة ما يجب عليك معرفته.الفائدة السابعة والثلاثون: النهي عن أن يقول الإنسان: إنه سيفعل شيئاً في المستقبل؛ إلا إذا كان معلقاً ذلك بمشيئة الله عز وجل، الذي لا يقع في الكون شيء إلا بإرادته وإذنه جل في علاه.اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 الصلاة في المسجد الذي فيه قبر
المسألة الرابعة: وبها ختام الكلام في هذا المبحث: ما حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور يعني: الآن هناك مساجد ضمت قبراً أو أكثر، فما حكم الصلاة في هذه المساجد التي بها قبور؟ الجواب: هناك حديث رواه الخمسة: الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة، عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام )، يعني: هناك مواطن نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن الصلاة فيها، والأحاديث في ذلك مروية عن أبي مرثد الغنوي ، و ابن عمر ، و جابر ، و عبد الله بن عمرو بن العاص ، و عمران بن الحصين ، و معقل بن يسار ، و أنس بن مالك رضي الله عنهم جميعاً.ومن تلك الأحاديث: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الصلاة في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، والحمام، ومعاطن الإبل، وقارعة الطريق، وفوق ظهر بيت الله )، وهذه المواطن بعضها نهي عن الصلاة فيها؛ لأنها مظنة النجاسة، كالمجزرة، والحمام، والمزبلة، وما أشبه ذلك، وبعضها نهي عن الصلاة فيها سداً لذريعة الشرك، يعني مثلاً: المقبرة بعض العلماء قالوا: نهي عن الصلاة فيها أو إليها سداً لذريعة الشرك، وبعضهم قالوا: نهي عن الصلاة فيها؛ لأنها مظنة النجاسة أيضاً، لأن الميت يستحيل فيخرج منه الصديد، يخرج منه الدم، ويتعفن، وغير ذلك، لكن نقول قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم )، هل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبورهم مظنة النجاسة؟ هل الأنبياء يتحللون؟ هل الأنبياء ويخرج منهم دم وصديد وما إلى ذلك؟ لا والله، قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء )، والحديث صحيح، وأول الحديث قال عليه الصلاة والسلام: ( إن من خير أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا من الصلاة علي فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا: كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ يعنون بليت، فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء )، أي: كل الأنبياء، فثبت في هذا أن النهي عن السجود على قبور الأنبياء، والنهي عن الصلاة فيها وإليها إنما هو سد لذريعة الشرك؛ لئلا يقود ذلك إلى عبادتهم من دون الله عز وجل.ونقول: بالنسبة للنهي عن الصلاة في المقابر فقد ذهب أحمد إلى تحريم الصلاة في المقبرة، ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيء أو لا يفرش، قال ابن حزم رحمه الله: وبه يقول طوائف من السلف، فحكي عن خمسة من الصحابة النهي عن ذلك، يعني: النهي عن الصلاة في القبور، وهم عمر ، و علي ، و أبو هريرة ، و أنس ، و ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وقال: ما نعلم لهم مخالفاً من الصحابة. هذا كلام ابن حزم رحمه الله.وحكي عن جماعة من التابعين منهم إبراهيم النخعي ، و نافع بن جبير بن مطعم ، و طاوس بن كيسان ، و عمرو بن دينار ، و خيثمة وغيرهم، ثم ذهب الشافعي رحمه الله إلى التفريق بين المنبوشة وغيرها، فقال: إذا كانت مختلطةً بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى الرجل في مكان طاهر منها أجزأته، وإلى مثل ذلك ذهب أبو طالب و أبو العباس وغيرهما، وذهب الثوري و الأوزاعي و أبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة، ولم يفرقوا كما فرق الشافعي ومن معه بين المنبوشة وغيرها.يقول الشوكاني رحمه الله: وأحاديث النهي المتواترة لا تقصر دلالتها عن التحريم الذي هو المعنى الحقيقي له، أي: للنهي، وقد تقرر في الأصول أن النهي يدل على فساد المنهي عنه.. إلى آخر كلامه رحمه الله.وهناك كلام منقول عن النووي ، وعن ابن قدامة رحمه الله في المغني وغيرهم.والخلاصة: أن من صلى في مسجد فيه قبر فعليه التوبة والاستغفار، ولا يلزمه إعادة الصلاة في قول أكثر أهل العلم، منهم المالكية والحنفية والشافعية وهي رواية عن أحمد رحمه الله.يعني: من صلى في مسجد فيه قبر فقد ارتكب حراماً، فيلزمه التوبة والاستغفار، لكن لا يلزمه إعادة الصلاة في قول جمهور العلماء: الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله، ولهذا نظائر كثيرة، فلو أن إنساناً صلى وهو مثلاً يلبس شيئاً من ذهب، فعليه التوبة والاستغفار، ولا يلزمه إعادة الصلاة، ومن صلى في ثوب حرير فعليه التوبة والاستغفار، ولا يلزمه إعادة الصلاة، يعني: نفرق بين التحريم والبطلان، هذا هو قول جمهور العلماء رحمهم الله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [21-24] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net