اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [17-20] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الكهف - الآيات [17-20] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
تناولت سورة الكهف عدة جوانب، وذكرت قصصاً عظيمة، فيها العظات والعبر كقصة أصحاب الكهف الذين فروا بدينهم، وسميت السورة باسمهم تعريفاً بهم وتكريماً لهم، وذكرت ما جعل الله لهم من عظيم الرحمة والذكر الحسن ومن ذلك نومهم لفترة طويلة حتى ذهب الجيل السيئ والملك الظالم، ومنها منع وصول الشمس إليهم إلا بقدر الحاجة، وتقليبهم ذات اليمين والشمال حتى لا تتغير أبدانهم.
تفسير قوله تعالى: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ...)
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد: يقول تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا * وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا * وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:17-21].تقدم معنا الكلام في خبر الفتية أصحاب الكهف الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى.وخلاصة ما قيل: أن هؤلاء الفتية المؤمنين قاموا في وجه ملك جبار ظالم، كان يدعو قومه إلى عبادة الأصنام، فقاموا بكلمة الحق وقالوا: رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً [الكهف:14]، وعابوا على قومهم أنهم اتخذوا آلهةً من دون الله، دون أن يكون لهم حجة ولا برهان، ولا دليل ولا سلطان، وأنهم في هذا قد افتروا على الله كذباً؛ فهؤلاء الفتية الصالحون تهددهم الملك الجبار وتوعدهم، وأمهلهم مدةً، إما أن يرجعوا إلى دينه الباطل الذي هو عليه، وإلا فإنه قاتلهم؛ فلجئوا إلى الله عز وجل ودعوه، ورجوه أن يهيئ لهم من أمرهم رشداً، وأن ينشر عليهم من رحمته، فأرشدهم ربهم جل جلاله إلى أن يتخذوا كهفاً في الجبل مأوىً لهم ومسكناً، بعيداً عن سلطان ذلك الملك الظالم، فلما أووا إلى ذلك الكهف نشر عليهم ربهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقاً؛ فضرب عليهم النوم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، فكل هذه المدة الطويلة كانوا نياماً، ومعهم كلبهم، ثم بعد ذلك بعثهم الله عز وجل ليتساءلوا بينهم، وجعلهم آيةً في الأولين والآخرين. ‏
 الهداية والضلالة بيد الله سبحانه
ثم ختم الآية بقوله: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً [الكهف:17]، فهنا جملتان شرطيتان: في الجملة الأولى: أداة الشرط (من)، وفعل الشرط (يهدي)، وجوابه (فهو المهتدي)، وفي الجملة الثانية: فعل الشرط (يضلل)، وجوابه (فلن تجد له ولياً مرشداً)، فالله جل جلاله يخبر أن الهداية والإضلال منه جل جلاله، فهو خالقهما، من شاء هداه، ومن شاء أضله، من شاء أرشده، ومن شاء أغواه، ولا يسأل عما يفعل، وقد دل على هذا المعنى آيات كثيرة في القرآن كقول الله عز وجل: وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً [المائدة:41].وقول الله عز وجل في الأنعام: فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125]، وقوله في الأعراف: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:178]، وقوله سبحانه في النحل: إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [النحل:37]، وقوله في الإسراء: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً [الإسراء:97]، وقوله سبحانه في القصص: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].وتقدم معنا أن الإنسان إذا بذل الأسباب ليجد الهداية فالله عز وجل سيهديه، كما قال سبحانه: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13]، أي: لما آمنوا بالله عز وجل ثبتهم وأيدهم، وبالمقابل من سار في طريق الغواية فإن الله عز وجل يضله، ويجعله ينتكس، قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، وقال سبحانه: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً [البقرة:10]، والله عز وجل لا يظلم الناس شيئاً؛ فلن تجد له من دون الله من يواليه ويرشده ويصوبه، قال تعالى: وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً [الكهف:17].
تفسير قوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ...)
ثم يقول سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ [الكهف:18]، قرأ عاصم و حمزة و الكسائي بفتح السين: (وتحسبهم)، وقرأ الباقون بكسرها: (وتحسبهم)، وهي من الحسبان وهو الظن، أي: تظنهم، (أيقاظاً) أيقاظ: جمع يقظ، كأكتاف جمع كتف، وأكباد جمع كبد، وَهُمْ رُقُودٌ [الكهف:18]، (رقود): جمع راقد وهو النائم، وهذه كرامة ثالثة لأصحاب الكهف؛ أنهم رضوان الله عليهم كانوا في اضطجاعتهم تلك مفتوحةً أعينهم، لو نظر إليهم ناظر ظنهم ليسوا نائمين، أي أنهم كانوا مفتوحةً أعينهم. ومن الطرائف ما يذكره بعض المفسرين من أن الذئب ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بالأخرى، يعني: الذئب إذا نام يغمض عيناً ويفتح أخرى، يتقي بها الرزايا والمقاتل، هذا حال الذئب، أما هؤلاء الطيبون فقد كانت كلتا العينين مفتوحةً، وهذا قول.وقيل: (تحسبهم أيقاظاً) أي: من كثرة تقلبهم، يعني: أنهم وهم نائمون كانوا يتقلبون كحال القلق، فمثلاً: لو دخلنا على إنسان ووجدناه يتقلب كثيراً؛ فقلنا: دعوه يستريح؛ فيقولون: لا، هذا صاحي؛ لأنه يتقلب كثيراً.
 سبب الفرار من أصحاب الكهف في قوله تعالى: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً)
ثم يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ [الكهف:18]، يعني: لو أشرفت عليهم، ونظرت إلى حالهم لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً [الكهف:18]، لوليت أي: هربت من التولي، وَلَمُلِئْتَ [الكهف:18]، وفي قراءة: (ولملئت) بالتشديد (ولملئت منهم رعباً)؛ فلو أن إنساناً اطلع على أهل الكهف فلا يستطيع أن يهرب، وهو خائف مذعور؛ لأن الله عز وجل كساهم مهابةً وجلالةً وفخامةً؛ لأنهم أولياء الله، وقد خافوا من الله، ومن خاف من الله خوف الله منه كل شيء، وقد قرأنا: أن أعظم الخلق خوفاً من الله، وهو سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من يراه يهابه بديهة؛ فالإنسان أول ما يرى الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه يرتجف ويرتعد، ومن خالطه معرفةً أحبه عليه الصلاة والسلام، وقد جرب هذا مع بعض أهل العلم والفضل رحمة الله على من مات، وبارك الله فيمن بقي، تجد الواحد منهم أول ما تراه وتتعرف عليه تهابه، وتخاف منه، وتتحفظ، ثم إذا خالطته وعاشرته تجده هيناً ليناً سهلاً طيباً مباركاً، بحيث لا تطيق فراقه، هكذا ( كان الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك لما صلى بالصحابة يوماً ثم بعدما انتهى من صلاته توجه إليهم كعادته وسنته وجد رجلين في آخر القوم لم يصليا؛ فقال: علي بهما )، يعني: الاثنان اللذان هناك ائتوا بهم، ( فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال عليه الصلاة والسلام: هونا عليكما، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد )، يعني: أنا ابن امرأة، شأني شأن سائر البشر، وهذه المرأة ما كانت غنية، ولا موسرة، كانت تأكل القديد: اللحم المنشف، فما كانت تأكل لحماً طازجاً، ( إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد، ثم قال لهما: ما منعكما أن تصليا معنا؟ ألستما مسلمين؟ قالا: يا رسول الله! صلينا في رحالنا )، يعني: قبل أن نأتي صلينا، ( فقال عليه الصلاة والسلام: إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما إلى المسجد فصليا مع الناس، فإنها لكم نافلة ).وبعض المفسرين قال في قوله تعالى: لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً [الكهف:18] يعني: لطول شعورهم، وطول أظفارهم؛ لأنهم ناموا ثلاثمائة سنة شمسية، وازدادوا تسعاً بالسنين القمرية، ولكن هذا القول ليس بصحيح؛ لدليل قول الله عز وجل في الآيات التي بعدها أنهم لما استيقظوا سأل بعضهم بعضاً: كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف:19]، وما جرت العادة بأن الإنسان إذا لبث يوماً أو بعض يوم أنه يقوم وشعره طويل، وأظفاره طويلة، ولو قام هكذا لعلم بأن هناك شيئاً غير عادي، وأنه نام نومةً طويلة، فاختلافهم في مدة المكث يدل على أنهم قاموا على هيئاتهم، لم تكن شعورهم طويلة، ولا أظفارهم طويلة، إذاً: وليت منهم فراراً لما ألبسوا من المهابة والجلالة، عصمهم الله عز وجل لئلا يدنو منهم أحد، ولا تمسهم يد لامس، رحمةً من الله عز وجل بهم.
تفسير قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم ...) إلى قوله: (... ولن تفلحوا إذاً أبداً)
يقول سبحانه: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ [الكهف:19]، يعني: مثلما أنمناهم تلك النومة الطويلة بقدرتنا بعثناهم بقدرتنا جل جلال الله، وقد تقدم معنا أن البعث هو تحريك الساكن سواء كان ساكناً بنوم أو بموت؛ ولذلك سمي يوم القيامة يوم البعث، وكذلك بعثناهم صحيحةً أبدانهم، قويةً أبصارهم، مدركةً حواسهم، بعثهم الله عز وجل وهم يسمعون ويبصرون ويعقلون؛ بل أكثر من هذا يشعرون بالجوع، ولا يشعر بالجوع إلا الصحيح، أما الذي عنده ملاريا مثلاً فإنه في الغالب لا يجوع.
 خروج أحد أصحاب الكهف من الكهف إلى المدينة
ثم خرج الفتى بالدراهم، وخرج من ذلك الكهف، فجعل يتنكر الطريق فالبناء غير البناء، والناس غير الناس، والحال غير الحال، وسمع الناس يذكرون الإسلام، يعني الناس يقولون: لا إله إلا الله، ويذكرون عيسى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فبدأ الرجل يتحسس نفسه، يقول: أحالم أنا أم مجنون؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، ولك أن تتصور هذا الموقف، فلو أن جدك الذي مات قبل ثلاثمائة سنة بعث في هذه الليلة، فوجد هذه السيارات، وهذه الأنوار، وهذه الآلة التي أتكلم بها، ثم وجد هذا الشاب يخرج من المسجد ويحمل معه جهازاً صغيراً يتكلم مع الناس، ماذا يكون حال ذلك الجد؟ وهكذا هذا الفتى تحير جداً؛ لكنه مضى في طريقه، فذهب إلى البائع وطلب منه طعاماً ودفع إليه الثمن، فنظر البائع في النقود، وذهب إلى الدكان المجاور وقال له: انظر هذه من عهد دقيانوس ، ذلك الملك الكافر عليه لعنة الله الذي بسببه خرج الفتية من تلك المدينة، انظر إلى هذه الدراهم، ثم تجمع الناس يري بعضهم بعضاً، ثم جاءوا للفتى، قالوا له: يا فتى! من أين عثرت على هذا المال أوجدت كنزاً؟ قال لهم: سبحان الله! ما هذا كنز، إنما خرجت بالأمس ومعي أصحاب لي، قالوا: سبحان الله، أين كنتم؟ قال: ذهبنا إلى الجبل ودخلنا في الكهف، فساقوه إلى الملك، وكان ملكاً مسلماً، يعني: ملك كان على الإسلام يشهد أن لا إله إلا الله، وهو على دين المسيح بن مريم عليه الصلاة والسلام؛ فلما ذهبوا به إلى الملك سأله ما خبرك؟ وكان القوم يتناقلون قصة أولئك الفتية؛ لأنه كما ذكرنا كانوا من أبناء الأشراف، ولم يكونوا من السوقة والدهماء، وإنما كان لهم في البلد شأن ووضع، فلما قص على الملك الخبر سر به، وعظمه، وأكرمه، وقام معه من أجل أن يذهب إلى ذلك الكهف، وهاهنا تدركون أن الفتى قد خالف الشرط، فإن إخوانه قالوا له: وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً [الكهف:19]، يعني لو قبضوا عليك المشكلة مشكلتك، لكن الفتى لما وجد من الملك إكراماً وإعظاماً وأنه لا خوف على إخوانه دله على الكهف، فلما وصلوا إلى باب الكهف قال للملك: اصبر، فإنك لو دخلت عليهم فزعوا، فدخل على إخوانه وأخبرهم الخبر بأن الله عز وجل قد أنامنا مدةً طويلة، وسنوات عديدة، وقروناً متعاقبة، وأن هذه المدينة قد أظهر الله فيها الدين، وأعلن كلمته، وأن ملكها رجل مسلم، ثم بعد ذلك أذن للملك فدخل، وسلم عليهم، وأكرمهم، لكن الفتية كانوا عقلاء، أدركوا أنهم لن يستطيعوا أن يعيشوا في قرن غير قرنهم، وجيل غير جيلهم، وناس غير ناسهم، فدعو الله عز وجل أن يميتهم فأماتهم الله موتة الحق التي لا قيامة بعدها إلا القيامة الكبرى.
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق ...)
يقول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ [الكهف:21]، أي: وكذلك كما أرقدناهم وأيقظناهم أعثرنا عليهم، كما قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ [الكهف:19]، هنا كذلك قال: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ [الكهف:21]، أي: أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان، وجعلناهم يعثرون عليهم. ‏
 إيمان المسلمين بالقيامة وما فيها من نعيم وعذاب
الصنف الثالث: يؤمنون بالله، ويؤمنون بالقيامة؛ لكن لا يؤمنون بها على الصفة الشرعية، يؤمنون بأن الله يبعث الأرواح ولا يبعث الأجساد، أو بعض الكفار يؤمن بأن النعيم والعذاب نفسي ليس حسياً. أما نحن المسلمين فنؤمن بالقيامة، ونعتقد بأن النعيم في الجنة حسي، أي أن أهل الجنة يأكلون، ويشربون، ويلبسون، ويتكلمون، ويتونسون، ويركبون الخيل، ويتناكحون، وعندهم مساكن وقصور وأشجار، وكذلك أهل النار والعياذ بالله، نؤمن بأنهم يأكلون ويشربون، ويتكلمون، وكذلك عندهم حيوانات مثلما أهل الجنة عندهم الخيول، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( إن في الجنة طيراً ناعمة ينظر المؤمن إلى إحداها فتخر مشويةً بين يديه )، يعني: إذا رأيت طيرة تشتهيها حمامة أو أي شيء يطير تشتهيه فلا تحتاج زوجتك أن تذبح وتنظف وتنتف؛ بل يخر مشوياً بين يديك، ( قال أبو بكر : إنها طير ناعمة يا رسول الله! قال: أكلتها أنعم منها )، ونؤمن بأن أهل الجنة يشربون شراباً من عين كان مزاجها كافوراً، كما قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً [الإنسان:6]، ونؤمن بأن أهل الجنة يقوم على رأس الواحد منهم عشرة آلاف خادم، مع كل خادم صحفتان واحدة من فضة وأخرى من ذهب، في كل واحدة لون من الطعام ليس في الأخرى، يأكل من آخره كما يأكل من أوله، يجد لآخره من اللذة ما لا يجد لأوله، يعني: في كل وجبة عشرون ألف صنف، وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً [البقرة:25]، فمثلاً: يعطوك موزاً، وفي الثانية: يعطوك موزاً، فتقول: أكلنا موزاً، فيقال: اللون واحد، والطعم مختلف، الموز غير الموز، واللحم غير اللحم، وكذلك يلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق، وبالمقابل أهل النار -والعياذ بالله- يأكلون وجبات متنوعة، يأكلون الزقوم، قال تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان:43-46]، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو أن قطرةً من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم )؛ فكيف إذاً تكون طعاماً؟ ويأكلون الغسلين، قال تعالى: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ [الحاقة:35-36]، غسالة أجسام أهل النار، العرق والقيح والصديد، وأهل النار كذلك يأكلون الضريع، وهو أخبث الشوك وأنتنه قال الله عنه: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية:7]، ويشربون قال تعالى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف:29]، وقال أيضاً عن شرب أهل النار: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم:17].وأهل الجنة كلامهم طيب يقولون كما قال تعالى: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:26-27]، فيتكلمون مع الأنبياء، ومع الرسل، ومع الصالحين.أما أهل النار -والعياذ بالله- فكلامهم خبيث قال الله تعالى: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38]، وقال تعالى: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ [سبأ:31-32]، يعني: الأصل أنكم مجرمون، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً [سبأ:33]، يدور بينهم حوار، وحوار مزعج والعياذ بالله، مرةً بين الكافر وإخوانه، ومرةً بين الكافر وشيطانه، ومرةً بين الكافر وأعضائه، كما قال تعالى: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت:21].فالشاهد بأن الإنسان لا يسلم إلا إذا آمن بالبعث إيماناً شرعياً، والإيمان الشرعي أن تؤمن بيوم البعث بتفاصيله؛ فتؤمن بالنفخة والصعقة، وتؤمن بالحساب والميزان والصراط، وتؤمن بتطاير الصحف؛ فمن آخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، وتؤمن كذلك بما فيه أهل الجنة من نعيم، وبما فيه أهل النار من جحيم، وتؤمن برؤية الله عز وجل أي: أنه يرى، وأن الكفار عن ربهم يومئذ لمحجوبون، إلى غير ذلك.أسأل الله أن ينفعني وإياكم، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا، اللهم اجعل القرآن العظيم لقلوبنا ضياءً، ولأبصارنا جلاءً، ولأسقامنا دواءً، ولذنوبنا ممحصاً، وعن النار مخلصاً، اللهم أسكنا به الظلل، وألبسنا به الحلل، وزدنا به من النعم، وادفع به عنا النقم، اللهم اجعلنا بتلاوة كتابك منتفعين، وإلى لذيذ خطابه مستمعين، ولأوامره ونواهيه خاضعين، اللهم اجعل هذا المجلس المبارك شاهداً لنا لا علينا، اللهم اجعله في صحائف حسناتنا يوم نلقاك، اللهم كما جمعتنا فيه نسألك أن تجمعنا في جنات النعيم، وأن ترزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، وأن تجعلنا إخواناً على سرر متقابلين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [17-20] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net