اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [1-8] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الكهف - الآيات [1-8] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
ابتدأ الله سبحانه وتعالى سورة الكهف بالثناء على نفسه؛ إذ هو مستحق الحمد والثناء، ذاكراً ما منَّ به على عباده من إنزال الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي لا ميل فيه ولا انحراف، والقائم بمعاش العباد ومصالحهم في الدنيا والآخرة، كما أنه جعله سبحانه منذراً للكافرين المعاندين، ومبشراً للمؤمنين الذين يعملون الصالحات، كما نهى الله نبيه في الآيات على عدم الحزن على المشركين، مبيناً سبحانه زوال الدنيا وفناءها بما عليها من الكائنات.
تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً)
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّماً لِيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً [الكهف:1-8].
 حمد الله على نعمة القرآن
ونعمة القرآن التي أمرنا ربنا جل جلاله بأن نحمده عليها قد ذكرت في آيات كثيرة، كقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النساء:174]، وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57]، وقوله: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت:44]، وقوله سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82]، وقوله أيضاً: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل:76-77]، وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت:51].. إلى غير ذلك من المواضع التي بين فيها ربنا أن أعظم نعمة أنعم بها على عباده هي إنزال هذا الكتاب العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فواجب على كل مسلم أن يحمد الله عز وجل على هذه النعمة العظيمة.
تفسير قوله تعالى: (قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه ...)
قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا [الكهف:1] قَيِّمًا [الكهف:2] قال بعض أهل التفسير: في الكلام تقديم وتأخير، وأصله الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً.
 شروط العمل الصالح
ولا بد أن نعلم أن قول الله عز وجل: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ [الكهف:2]، بأن العمل لا يعد صالحاً في ميزان الإسلام إلا إذا توافرت له ثلاثة شروط: الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل، فلا يكون رياءً ولا سمعة، ولا طلباً للدنيا، قال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر:11-15]، وقوله سبحانه: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3]، وقوله: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].الشرط الثاني: أن يكون مطابقاً لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال تعالى: مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [النساء:80]، وقال سبحانه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92]، وقال أيضاً: فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].الشرط الثالث: أن يكون مبنياً على أساس من الإيمان، قال الله عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97].فلو أن إنساناً عمل أعمالاً كثيرة: كان أوقف أوقافاً للأيتام، وكفل الأرامل، وأطعم الفقراء والمساكين، لكنه ليس بمؤمن، لا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله -كحال بعض الكفار الآن الذين عندهم أعمال طيبة- فهذا لا يقبل الله منه قال الله عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].وقال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور:39].وقال أيضاً: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ [إبراهيم:18].والسيدة عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ( يا رسول الله! إن ابن جدعان كان يقري الضيف، ويكسب المعدوم، ويفك العاني، فهل ذلك نافعه؟ قال عليه الصلاة والسلام: ليس بنافعه؛ لأنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين )، فلا ينفع الكافر عند الله أي عمل، وأما أعماله الطيبة فيجزيه الله بها في الدنيا؛ كأن يصح الله له بدنه، ويدر له رزقه، ويرغد له عيشه، أما في الآخرة فليس له إلا النار، قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16].فخلاصة القول: أن العمل لا يعد صالحاً إلا بثلاثة شروط: أولها: أن يكون خالصاً لله عز وجل، ليس لأحد من الخلق فيه نصيب.وثانيها: أن يكون مطابقاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.وثالثها: أن يكون مبنياً على أساس من الإيمان. ولذلك لو أن إنساناً جاء إلى المسجد مخلصاً يرجو وجه الله، لكنه قال: أنا نشيط ولذلك سأصلي المغرب أربعاً، فهذا نقول له: عملك مردود عليك؛ لأن الشرط الأول قد حصل وهو الإخلاص، لكن الشرط الثاني لم يحصل؛ وهو أن عملك ليس مطابقاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (ماكثين فيه أبداً)
قال الله عز وجل: مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً [الكهف:3]، هذا الأجر الحسن ليس أجراً موقوتاً، بخلاف أجر الكافر فإنه موقوت؛ لأن الله يقول: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه [الزلزلة:7]، فإذا فعل الكافر الخير يراه في الدنيا، أما المؤمن فأجره الحسن هو: جنة عرضها السموات والأرض فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55]، لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48]، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود:107]، عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108] أي: غير مقطوع، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17].فجزاء المؤمنين أبدي سرمدي لا انقطاع له ولا زوال، ولذلك كان من الدعاء المأثور: ( اللهم إنا نسألك النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول )، أي: لا يتغير، ولا يتبدل، فأهل الجنة نسأل الله أن يجعلنا منهم لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم، يصحون فلا يسقمون، ويشبون فلا يهرمون، وينعمون فلا يبأسون، بخلاف نعيم الدنيا فإن كل نعيم في الدنيا يتغير، فالشباب يتحول إلى هرم، والصحة إلى سقم، والقوة إلى ضعف، والقدرة إلى عجز، قال تعالى: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ [يس:68]، أما نعيم الجنة فليس كذلك، قال تعالى: مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً [الكهف:3]، أي: أبد الآبدين، ودهر الداهرين.
 شروط العمل الصالح
ولا بد أن نعلم أن قول الله عز وجل: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ [الكهف:2]، بأن العمل لا يعد صالحاً في ميزان الإسلام إلا إذا توافرت له ثلاثة شروط: الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل، فلا يكون رياءً ولا سمعة، ولا طلباً للدنيا، قال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر:11-15]، وقوله سبحانه: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3]، وقوله: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].الشرط الثاني: أن يكون مطابقاً لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال تعالى: مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [النساء:80]، وقال سبحانه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92]، وقال أيضاً: فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].الشرط الثالث: أن يكون مبنياً على أساس من الإيمان، قال الله عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97].فلو أن إنساناً عمل أعمالاً كثيرة: كان أوقف أوقافاً للأيتام، وكفل الأرامل، وأطعم الفقراء والمساكين، لكنه ليس بمؤمن، لا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله -كحال بعض الكفار الآن الذين عندهم أعمال طيبة- فهذا لا يقبل الله منه قال الله عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].وقال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور:39].وقال أيضاً: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ [إبراهيم:18].والسيدة عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ( يا رسول الله! إن ابن جدعان كان يقري الضيف، ويكسب المعدوم، ويفك العاني، فهل ذلك نافعه؟ قال عليه الصلاة والسلام: ليس بنافعه؛ لأنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين )، فلا ينفع الكافر عند الله أي عمل، وأما أعماله الطيبة فيجزيه الله بها في الدنيا؛ كأن يصح الله له بدنه، ويدر له رزقه، ويرغد له عيشه، أما في الآخرة فليس له إلا النار، قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16].فخلاصة القول: أن العمل لا يعد صالحاً إلا بثلاثة شروط: أولها: أن يكون خالصاً لله عز وجل، ليس لأحد من الخلق فيه نصيب.وثانيها: أن يكون مطابقاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.وثالثها: أن يكون مبنياً على أساس من الإيمان. ولذلك لو أن إنساناً جاء إلى المسجد مخلصاً يرجو وجه الله، لكنه قال: أنا نشيط ولذلك سأصلي المغرب أربعاً، فهذا نقول له: عملك مردود عليك؛ لأن الشرط الأول قد حصل وهو الإخلاص، لكن الشرط الثاني لم يحصل؛ وهو أن عملك ليس مطابقاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً)
قال الله عز وجل: وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [الكهف:4]. أيها الإخوة الكرام! من المعلوم أن من قال: إن الله قد اتخذ ولداً فإنه كافر، قال تعالى: وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ [التوبة:30] أي: يساوون قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ [التوبة:30].فـ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [الكهف:4]، هم داخلون في الأولين، الذين ذكرهم الله عز وجل بقوله: لِيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ [الكهف:2]، أي: لينذر الذين كفروا بأساً شديداً من لدنه، فعطف الله عز وجل الخاص على العام، ومعلوم من البلاغة أن عطف الخاص على العام إما لمزية الخاص وفضله، كما في قول الله عز وجل: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ [القدر:4]، فالروح هو جبريل عليه السلام، وهو من الملائكة، لكن الله عز وجل خصه بالذكر لشرفه وفضله.وقال الله عز وجل: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163]، فخص الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالذكر لمزيته وفضله. وقد يكون العطف لمزيد فساد الخاص وضلاله وخبثه، كما في هذه الآية: وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [الكهف:4]، وهم اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، والمشركون الذين قالوا: الملائكة بنات الله، وقال تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمْ الْكَذِبَ [النحل:62]، وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [النحل:57]، فهذا هو صنيعهم.والله عز وجل بين هنا أن القرآن جاء مخوفاً ومنذراً لهؤلاء المفترين الكذابين، الذين نسبوا لله الولد، قال الله سبحانه: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116]، وقال سبحانه: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ [الأنعام:101].وقال سبحانه: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً [مريم:88-93]، فليس بين أحد من الخلق وبين رب العالمين نسب، لا نسب أبوة ولا غيرها، وكل من في السموات والأرض ليس بينه وبين الله إلا علاقة واحدة وهي علاقة العبودية، أن الله عز وجل سيد والكل عبيده، قال تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً [مريم:93].
 شروط العمل الصالح
ولا بد أن نعلم أن قول الله عز وجل: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ [الكهف:2]، بأن العمل لا يعد صالحاً في ميزان الإسلام إلا إذا توافرت له ثلاثة شروط: الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل، فلا يكون رياءً ولا سمعة، ولا طلباً للدنيا، قال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر:11-15]، وقوله سبحانه: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3]، وقوله: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].الشرط الثاني: أن يكون مطابقاً لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال تعالى: مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [النساء:80]، وقال سبحانه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92]، وقال أيضاً: فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].الشرط الثالث: أن يكون مبنياً على أساس من الإيمان، قال الله عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97].فلو أن إنساناً عمل أعمالاً كثيرة: كان أوقف أوقافاً للأيتام، وكفل الأرامل، وأطعم الفقراء والمساكين، لكنه ليس بمؤمن، لا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله -كحال بعض الكفار الآن الذين عندهم أعمال طيبة- فهذا لا يقبل الله منه قال الله عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].وقال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور:39].وقال أيضاً: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ [إبراهيم:18].والسيدة عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ( يا رسول الله! إن ابن جدعان كان يقري الضيف، ويكسب المعدوم، ويفك العاني، فهل ذلك نافعه؟ قال عليه الصلاة والسلام: ليس بنافعه؛ لأنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين )، فلا ينفع الكافر عند الله أي عمل، وأما أعماله الطيبة فيجزيه الله بها في الدنيا؛ كأن يصح الله له بدنه، ويدر له رزقه، ويرغد له عيشه، أما في الآخرة فليس له إلا النار، قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16].فخلاصة القول: أن العمل لا يعد صالحاً إلا بثلاثة شروط: أولها: أن يكون خالصاً لله عز وجل، ليس لأحد من الخلق فيه نصيب.وثانيها: أن يكون مطابقاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.وثالثها: أن يكون مبنياً على أساس من الإيمان. ولذلك لو أن إنساناً جاء إلى المسجد مخلصاً يرجو وجه الله، لكنه قال: أنا نشيط ولذلك سأصلي المغرب أربعاً، فهذا نقول له: عملك مردود عليك؛ لأن الشرط الأول قد حصل وهو الإخلاص، لكن الشرط الثاني لم يحصل؛ وهو أن عملك ليس مطابقاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (ما لهم به من علم ولا لآبائهم ...)
قال الله سبحانه: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ [الكهف:5]، هؤلاء الذين قالوا هذه الكلمة الضالة، ليس عندهم دليل ولا برهان، وليس عندهم علم، ولا سلطان بين، مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ [الكهف:5]، فما معهم إلا الجهل، وقد وقعوا في كبيرة من كبائر الذنوب حين قالوا على الله ما لا يعلمون، ثم قال الله تعالى: وَلا لآبَائِهِمْ))؛ لأن المشركين كانوا إذا سئلوا: من أين أتيتم بهذا؟ كانوا يقولون: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف:22]، قال تعالى أيضاً في شأنهم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [البقرة:170]، وقال سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [المائدة:104]، وقال تعالى: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23]، وهذا حالهم جميعاً، فالله عز وجل نفى العلم عنهم وعن آبائهم. ثم يقول سبحانه: كَبُرَتْ كَلِمَةً [الكهف:5]، المراد بها هنا الكلام، وفي القرآن الكريم وفي لغة العرب تطلق الكلمة ويراد بها الكلام، كما في قول الله عز وجل: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام:115]، أي: كلمات الله سبحانه، وكما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أصدق كلمة قالها شاعر، قول لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل )، وهذه ليست كلمةً واحدة، وإنما مجموعة كلمات.وفي قوله: (كبرت كلمةً) فائدة لغوية ذكرها العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان، قال: كلمة (كبر) إذا كانت في غير السن فإنها مضمومة الباء في الماضي والمضارع، يقال: كبُر يكبُر، أي: كانت في غير العمر، فمثلاً نقول: هذا المسجد كان صغيراً ثم كبر، ومنه قول الله عز وجل: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:3]، وغير ذلك من الآيات.أما إذا كانت في السن فهي مكسورة الباء في الماضي، مفتوحتها في المضارع، يقال: كبِر يكبَر، فإذا أردنا أن نقول: إن فلاناً قد تقدم به العمر، فنقول: كبِر يكبَر، ومنه قول الله عز وجل: وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا [النساء:6]، فلم يقل سبحانه: (يكبُروا) بالضم، بينما في الآيات الأخرى قال الله عز وجل: أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ [الإسراء:51].وفي قوله: (كبُرت كلمةً)، حذف الفاعل، وتقدير الكلام كما قال بعض المفسرين: كبرت هي كلمةً، وقال بعضهم: هو أسلوب تعجب. وفي قوله: تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ [الكهف:5]، القرآن دائماً يعبر بهذا التعبير للدلالة على الكذب، كما في قول الله عز وجل: وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [النور:15]، ومعلوم أن الكلام لا يكون إلا بالفم، لكن الله عز وجل يعبر بهذا التعبير للدلالة على أن هذا الكلام مجرد خارج مع الهوى، وليس له أصل في الحقيقة والواقع. وكلمة (أفواه) جمع فم، وأصلها (فوه)، حذفت الهاء استثقالاً لها، والواو متحركة وما قبلها مفتوح فقلبت ألفاً، فصارت (فا)، ثم لما استثقلت قلبت أصلاً صحيحاً وهو الميم، أي: أن الألف التي أصلها واو قلبت إلى ميم؛ لأنهما حرفان شفهيان، فكلمة (فم) إما أن يكون أصلها (فيه) بوزن ريح، أو أصلها (فَوَه) بوزن جمل. قال الله عز وجل: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً [الكهف:5]، أي: ما يقولون إلا الكذب، فكلامهم هذا كذب محض، وكذب صارخ، ليس له أصل في الحقيقة.
 شروط العمل الصالح
ولا بد أن نعلم أن قول الله عز وجل: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ [الكهف:2]، بأن العمل لا يعد صالحاً في ميزان الإسلام إلا إذا توافرت له ثلاثة شروط: الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل، فلا يكون رياءً ولا سمعة، ولا طلباً للدنيا، قال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر:11-15]، وقوله سبحانه: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3]، وقوله: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].الشرط الثاني: أن يكون مطابقاً لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال تعالى: مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [النساء:80]، وقال سبحانه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92]، وقال أيضاً: فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].الشرط الثالث: أن يكون مبنياً على أساس من الإيمان، قال الله عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97].فلو أن إنساناً عمل أعمالاً كثيرة: كان أوقف أوقافاً للأيتام، وكفل الأرامل، وأطعم الفقراء والمساكين، لكنه ليس بمؤمن، لا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله -كحال بعض الكفار الآن الذين عندهم أعمال طيبة- فهذا لا يقبل الله منه قال الله عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].وقال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور:39].وقال أيضاً: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ [إبراهيم:18].والسيدة عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ( يا رسول الله! إن ابن جدعان كان يقري الضيف، ويكسب المعدوم، ويفك العاني، فهل ذلك نافعه؟ قال عليه الصلاة والسلام: ليس بنافعه؛ لأنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين )، فلا ينفع الكافر عند الله أي عمل، وأما أعماله الطيبة فيجزيه الله بها في الدنيا؛ كأن يصح الله له بدنه، ويدر له رزقه، ويرغد له عيشه، أما في الآخرة فليس له إلا النار، قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16].فخلاصة القول: أن العمل لا يعد صالحاً إلا بثلاثة شروط: أولها: أن يكون خالصاً لله عز وجل، ليس لأحد من الخلق فيه نصيب.وثانيها: أن يكون مطابقاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.وثالثها: أن يكون مبنياً على أساس من الإيمان. ولذلك لو أن إنساناً جاء إلى المسجد مخلصاً يرجو وجه الله، لكنه قال: أنا نشيط ولذلك سأصلي المغرب أربعاً، فهذا نقول له: عملك مردود عليك؛ لأن الشرط الأول قد حصل وهو الإخلاص، لكن الشرط الثاني لم يحصل؛ وهو أن عملك ليس مطابقاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم ...)
ثم يقول الله عز وجل مخاطباً نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ [الكهف:6]، (فلعلك باخع) أي: مهلك، وجمعها: باخعون وبخعة، ومثلها كلمة ساحر جمعها ساحرون وسحرة، ومنه قول ذي الرمة : ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحته عن يديه المقادر فقوله: (الباخع الوجد نفسه). أي: المهلك.وقوله: عَلَى آثَارِهِمْ)) (آثارهم) جمع أثر أو إثر، أي: على إثر إدبارهم وإعراضهم.
 المراد بكلمة (أسفاً)
يقول الله عز وجل: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف:6].قال ابن عطية رحمه الله في التفسير: كلمة الأسف تطلق على الحزن، وتطلق على الغضب، فإذا كان أسفاً على من لا تملكه فهو بمعنى الحزن، وإذا كان أسفاً على من تملكه فهو بمعنى الغضب، ومنه قول الله عز وجل: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:55]، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( موت الفجأة أخذة أسف )، أي: أخذة غضب، ومنه قول الله عز وجل عن موسى: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً [الأعراف:150].فالأسف يطلق على الحزن وعلى الغضب، والمراد في الآية المعنى الأول، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحزن لإعراض هؤلاء المشركين المتكبرين.
تفسير قوله تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ...) إلى قوله: (... صعيداً جرزاً)
ثم يقول الله سبحانه مبيناً لنبيه صلى الله عليه وسلم أن هذه الدنيا قصير أمدها: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الكهف:7]، (إنا) أي: الله جل جلاله يعظم نفسه، كما قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]. قوله: (ما على الأرض) أي: من مخلوقات، (زينةً لها) أي: مما يصلح أن يكون زينة من زخارف الدنيا وما يستحسن، فيخرج بذلك القبائح كالحيات، والعقارب، والحشرات التي لا تعد زينة، قال بعض المفسرين: بل الحيات والعقارب، والهوام السامة كلها زينة، باعتبار دلالتها على الخالق جل جلاله، وباعتبار إنذارها بالعذاب، أي: أن الله عز وجل الذي عذب خلقه في الدنيا بهذه المخلوقات الحقيرة كالبعوض، والذباب، والحيات، والعقارب، قادر على أن يعذبهم بما هو أشد وأنكأ في نار تلظى، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن في النار حيات تلسع إحداهن اللسعة فيجد حموتها سبعين خريفاً )، يعني: سبعين خريفاً وهو يجد حرارة تلك اللسعة، نعوذ بالله من عذاب النار. فالمهم أن المخلوقات كلها زينة، قال تعالى هنا: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا [الكهف:7]، ومن زينة الأرض: المال والبنون، قال سبحانه: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:46]، ومن زينة الأرض هذه الحيوانات، التي ذكرهن الله فقال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8].ثم قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ [الكهف:7]، (لنبلوهم) أي: لنختبرهم، أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف:7]، كما قال سبحانه: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2].وقال أيضاً: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [هود:7]، قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أحسن العمل أي: أخلصه وأصوبه، فقيل له: وما أخلصه وما أصوبه؟ قال: أخلصه: أن يكون لله، وأصوبه: أن يكون موافقاً لما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.ثم قال تعالى: وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً [الكهف:8]، أي: أن هذه الزينة التي على الأرض من مبان، وأشجار، وحدائق غناء، ومناظر بهية تسر الناظرين، سيجعلها الله عز وجل (صعيداً)، والصعيد: هو الأرض التي لا شيء فيها، وتجمع على صعدات، على غير قياس، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إياكم والجلوس على الصعدات )، ويعني بالصعدات الطرقات، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يحشر الناس على أرض بيضاء عفراء، كقرصة نقي، لا معلم فيها لأحد )، أي: ليس فيها أشجار، ولا مبان، ولا علامات، ولا جبال، ولا شيء، وقوله: (جرزاً)، أي: أرضاً بيضاء لا نبات فيها، جمعها أجراز، كما يقال: سنة جرز، وسنون أجراز، أي: لا مطر فيها، هذا الذي قاله ربنا في هذه الآية: أنه سيحول جمال هذه الدنيا إلى عدم، وذلك إذا وقعت الواقعة، وقد دلت عليه آيات أخرى كقوله سبحانه: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ [الكهف:45]، وقال سبحانه: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس:24].يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في الظلال: كلمة (جرز) تصور معنى الجذب بدرسها اللفظي، كما أن كلمة (صعيد) ترسم مشهد الاستواء والصلابة، فتوافق المبنى مع المعنى.
 المراد بكلمة (أسفاً)
يقول الله عز وجل: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف:6].قال ابن عطية رحمه الله في التفسير: كلمة الأسف تطلق على الحزن، وتطلق على الغضب، فإذا كان أسفاً على من لا تملكه فهو بمعنى الحزن، وإذا كان أسفاً على من تملكه فهو بمعنى الغضب، ومنه قول الله عز وجل: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:55]، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( موت الفجأة أخذة أسف )، أي: أخذة غضب، ومنه قول الله عز وجل عن موسى: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً [الأعراف:150].فالأسف يطلق على الحزن وعلى الغضب، والمراد في الآية المعنى الأول، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحزن لإعراض هؤلاء المشركين المتكبرين.
فوائد من أوائل سورة الكهف
هذه الآيات المباركات يستفاد منها فوائد: الفائدة الأولى: عظم نعمة الله على عباده في إنزال هذا القرآن، قال الإمام الشوكاني رحمه الله: ووجه كونه نعمةً على النبي صلى الله عليه وسلم أنه اطلع بواسطته -أي: بواسطة القرآن- على أسرار التوحيد، وأحوال الملائكة والأنبياء، وعلى كيفية الأحكام الشرعية التي تعبده الله عز وجل وأمته بها. هذا وجه كون القرآن نعمة؛ أنه بواسطة القرآن اطلعنا على أسرار التوحيد، وعرفنا أسماء الله وصفاته، وأفعاله جل جلاله، وعرفنا أخبار الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، مما قصه الله علينا في القرآن، وكذلك أخبار الأمم الغابرة والقرون الداثرة، وعرفنا كذلك من القرآن كيف نعبد الله عز وجل، فهي نعمة ما بعدها نعمة.الفائدة الثانية: أن القرآن كلام الله، نزل من عنده جل جلاله، وليس للنبي صلى الله عليه وسلم إلا النقل والبيان، وليس له شيء من ألفاظه، وإنما هو مبلغ عن الله عز وجل، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67].الفائدة الثالثة: وجوب حمد الله عز وجل على هذه النعمة العظيمة، أي: على نعمة إنزال القرآن.الفائدة الرابعة: التنويه بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل وصفه بأنه عبد، وأضافه إلى نفسه إضافة تشريف، وإلا فالكل عبيد الله، قال تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً [مريم:93]، لكن الإضافة هنا إضافة تشريف، كما في قول الله عز وجل: وَطَهِّرْ بَيْتِي [الحج:26]، والبيوت كلها لله، لكن أضاف المسجد الحرام لنفسه إضافة تشريف، كما في قوله سبحانه: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ [الشمس:13]، والنوق كلها لله جل جلاله، لكنها إضافة تشريف، فهنا الله عز وجل يرفع منزلة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد تكرر هذا في القرآن، كقوله سبحانه: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان:1]، وقوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36]، وقوله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، وقوله: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:10]، كل هذا تشريف للرسول صلى الله عليه وسلم.الفائدة الخامسة: نفي العوج والاختلال عن القرآن لفظاً ومعنىً، فمستحيل أن تجد في ألفاظ القرآن اختلالاً، ومستحيل أن تجد في معاني القرآن تناقضاً وتنافياً، فلا يوجد في كتاب الله آيتان متناقضتان متعارضتان، بحيث لا يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه أبداً، ولو وجدت ذلك فاتهم عقلك، يعني: قبل أن تتهم كلام الله اتهم نفسك بأنك لم تفهم، ثم ارجع إلى كلام المفسرين، واسأل أهل العلم يزول الإشكال بإذن الله.الفائدة السادسة: استقامة القرآن في ألفاظه ومعانيه، وقيامه بمصالح العباد في المعاش والمعاد، وهيمنته على ما قبله من الكتب، وهذا كله مأخوذ من قوله تعالى: (قيماً)، وقد قلنا: إن لها معان ثلاثة: إما مستقيماً، أو مهيمناً، أو قائماً بمصالح العباد في المعاش والمعاد.الفائدة السابعة: أن من أهداف إنزال القرآن إنذار الكفار المكذبين، وتبشير المؤمنين الطيبين، كما قال الله عز وجل: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24]، ثم قال: وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [البقرة:25].الفائدة الثامنة: عقوبة الكافرين المكذبين تكون في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الله عز وجل قال: لِيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ [الكهف:2]، (بأساً شديداً) أي: شاملاً لعذاب الدنيا والآخرة، فعذاب الدنيا بتسليط المؤمنين عليهم، وعذاب الآخرة بالنار التي أعدها الله لهم، قال تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف:29]، فهذا جزاؤهم عند الله.الفائدة التاسعة: أن البشارة لا تكون إلا للمؤمن العامل للصالحات، فلا يكفي أن يكون مؤمناً، بل لا بد أن يكون عاملاً للصالحات.الفائدة العاشرة: ما أعد الله لأهل طاعته من الأجر العظيم والثواب الكبير، وهذا أخذناه من قول الله عز وجل: أَجْراً حَسَناً [الكهف:2].الفائدة الحادية عشرة: أن نعيم أهل الجنة أبدي سرمدي، وذلك من قوله تعالى: مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً [الكهف:3].الفائدة الثانية عشرة: عظيم ذنب المشركين الذين نسبوا لله الولد.الفائدة الثالثة عشرة: وصف من نسب لله الولد بالجهل، ونفي العلم عنهم، قال الله عز وجل: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ [الكهف:5]، فهم جهال، وآباؤهم مثلهم.الفائدة الرابعة عشرة: قال العلامة الشيخ الأمين رحمه الله قال: الآية دالة على أن نفي الفعل لا يدل على إمكانه، يعني مثلاً قال الله عز وجل: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة:57]، فالله عز وجل ينفي أن يكون الكفار قد ظلموه، فهل يمكن لأحد أن يظلم ربه جل جلاله؟ الجواب: لا يمكن، فنفي الفعل لا يدل على أنه ممكن، وهنا أيضاً قال الله عز وجل: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ [الكهف:5]، ليس معنى الآية أنه لو كان لهم علم لكان قولهم صحيحاً.وقوله: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ [الكهف:5]، يستفاد منها أيضاً: أن الجاهل ليس أهلاً لأن يقلد.الفائدة الخامسة عشرة: الإفك العظيم، والكذب المبين الذي وقع فيه اليهود والنصارى والمشركون حين نسبوا لله الولد؛ لأن الله عز وجل قال: كَبُرَتْ كَلِمَةً [الكهف:5]، أي: أنهم في إفك عظيم، وكذب مبين.الفائدة السادسة عشرة: تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إعراض المشركين، فالله عز وجل يقول له: لا تعبأ بهم، ولا تهتم لهم، وأعرض عنهم كما أعرضوا عنك، قال تعالى له: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف:6].الفائدة السابعة عشرة: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الحزن عليهم، وإهلاك نفسه من أجلهم، أي: لا تحزن عليهم، ولا تهلك نفسك من أجلهم.الفائدة الثامنة عشرة: قصر الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة، قال تعالى: فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ [التوبة:38]، والعاقل لا يؤثر الفاني على الباقي؛ لأن الله عز وجل بين أن هذه الزينة، وهذه القصور، وهذه الدور، وهذه البساتين، وهذه المزارع، كلها ستصبح هشيماً تذروه الرياح، وستصبح هذه الأرض صعيداً جرزاً، ولذلك قالوا: لو كانت الدنيا ذهباً يفنى والآخرة خزفاً يبقى، لوجب على العاقل أن يؤثر الخزف الباقي على الذهب الفاني، فكيف والدنيا خزف يفنى والآخرة ذهب يبقى! يعني: الذهب الذي هو أعز شيء على النساء، لو أنها صبت عليه شيئاً من المحاليل ولو بالخطأ هل يبقى ذهباً؟ الجواب: لا، بل تزول صفرته، ويذهب بهاؤه، ولا تبقى إلا الحسرات، لكن الآخرة نعيمها باق لا يزول ولا يحول.الفائدة التاسعة عشرة: حكمة الله عز وجل في ابتلاء الناس واختبارهم ليتبين المسيء من المحسن. فهذه بعض الفوائد من الآيات الكريمة، والله أعلم.نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا ما نسينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 المراد بكلمة (أسفاً)
يقول الله عز وجل: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف:6].قال ابن عطية رحمه الله في التفسير: كلمة الأسف تطلق على الحزن، وتطلق على الغضب، فإذا كان أسفاً على من لا تملكه فهو بمعنى الحزن، وإذا كان أسفاً على من تملكه فهو بمعنى الغضب، ومنه قول الله عز وجل: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:55]، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( موت الفجأة أخذة أسف )، أي: أخذة غضب، ومنه قول الله عز وجل عن موسى: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً [الأعراف:150].فالأسف يطلق على الحزن وعلى الغضب، والمراد في الآية المعنى الأول، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحزن لإعراض هؤلاء المشركين المتكبرين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الكهف - الآيات [1-8] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net