اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآيات [59-69] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الأنعام - الآيات [59-69] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
لله سبحانه وتعالى كامل العلم بأحوال الخلق؛ فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، لا يطلع عليها نبياً مرسلاً ولا ملكاً مقرباً؛ لكنه قد يطلع بعض خلقه من أنبيائه على بعض الغيب، أما من ادعى علم الغيب من عامة الناس فكذاب دجال، ومن سعة إحاطة علم الله علمه بالمقادير والآجال، وعلمه بمن يدعوه في الظلمات والكربات، وهو ذو القدرة على إنزال العذاب بالعباد، وقد توعد الله الكفار بأن لهم موعداً مستقراً، وأمر رسوله بألا يقعد مع المستهزئين بالدين.
تفسير قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ...)
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:ففي الآيات التي مضت بين ربنا تبارك وتعالى أن المشركين متكبرون متغطرسون، مفترون على الله الكذب، وأنهم إذا رأوا المؤمنين الطيبين يقولون: أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا [الأنعام:53]، قال الله عز وجل جواباً على فريتهم: أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام:53]، وختم تلك الآيات بقوله: وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ [الأنعام:58]، يعني: الله جل جلاله أعلم بالشاكرين وأعلم بالظالمين. ثم عطف ربنا جل جلاله على تلك الجملة قوله: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام:59]، المفاتح جمع مفتح، كمخازن جمع محزن، وقال بعضهم: بل مفاتح جمع مِفتح، بكسر الميم، والمفتح بفتح الميم مكان الفتح، والمفتح بكسرها اسم آلة الفتح كما يقال: مَشعل، مكان الاشتعال، ومِشعل آلة الإشعال، وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ [الأنعام:59]، وقرأ بعضهم: (مفاتيح الغيب). ‏
 دلالة الآية على إثبات القدر
قال تعالى: وعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]، وهذه الآية دليل على إثبات القدر، أنه ما كان شيء ولا يكون شيء إلا وهو مكتوب عند الله جل جلاله، قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا [التوبة:51]، مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ [الحديد:22]، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ [الحج:70]، كله مكتوب عند الله، وهذا الاعتقاد يسكب في قلب المؤمن طمأنينة حين يعلم أن كل شيء مكتوب عند الله، فلا يقول: لو كان كذا لكان كذا، ولكن يقول: قدر الله وما شاء فعل.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ...)
يقول لله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأنعام:60]. ‏
 إثبات البعث والنشور
قال تعالى: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ، أي: إلى نهار ثان؛ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ، إذا استوفيتم أيامكم وانتهت أعماركم، فالمرجع والمصير إلى الله، ما يستطيع أحد أن يفلت ولا أن يذهب هكذا وهكذا، كما قال الله عز وجل: يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المَفَرُّ [القيامة:10]، وقد ورد في الحديث: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكى قصة ذلك الرجل الذي أسرف على نفسه، فلما نزل به الموت جمع أولاده وقال: إن أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني، ثم انظروا في يوم شديد الرياح، فذروني، فوالله لأن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين -يعني: يقول لهم: شتتوني لئلا يجدني ربي- فلما فعلوا به ذلك قال الله عز وجل له: كن فكان -أعاده كما كان- ثم قال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك يا رب! قال الله عز وجل: قد غفرت لك ).ثم قال سبحانه: ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ، الله عز وجل يوم القيامة ينبئ كل امرئ بما فعل، كما قال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ [آل عمران:30]، وقال الله عز وجل: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:14]، وقال: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65]، وقال: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت:19-21].
تفسير قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة ...)
قال سبحانه: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:61]، جل جلاله، له علو الذات وعلو القهر، قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29]، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان:30].
 المتوفي للمخلوقات
قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ [الأنعام:61]، نزل بأحدكم أجله. تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61]، وقرئ: (توفاه رسلنا)، فيصح التأنيث والتذكير، قال الله عز وجل: (كذبت رسلنا)، وقال الله عز وجل: جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ [المائدة:32]، وقال: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام:34]، فيصح التذكير والتأنيث، تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61]، والذي يتوفى هو من قال الله فيه: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ [السجدة:11]، ومر معنا قبل قليل: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ [الأنعام:60]، كذلك قوله: اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر:42]، فتارة تنسب الوفاة إلى الله: اللهُ يَتَوَفَّى [الزمر:42]، باعتبار أنه الآمر جل جلاله، وتارة تنسب الوفاة إلى ملك الموت باعتبار أنه المباشر، وتارة تنسب الوفاة إلى الملائكة باعتبار أنهم يساعدون ملك الموت -ولله المثل الأعلى- كما يقال: أجرى العملية فلان من الأطباء، وهذا الطبيب ما يجريها وحده، وإنما معه مساعدون، فهؤلاء جميعاً ينسب إليهم الفعل، وقد يكون إجراء العملية بأمر طبيب آخر، يعني: أمر طبيب وباشر طبيب وساعدته مجموعة، فملك الموت إذا نزل بالعبد فهناك ملائكة رحمة وهناك ملائكة عذاب، فإذا كان العبد من أهل الخير -نسأل الله أن يجعلنا منهم- فإن روحه تأخذها ملائكة الرحمة، وإن كانت الأخرى -نسأل الله العافية- فإن روحه تأخذها ملائكة العذاب، وقد حكى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ( الرجل الذي قتل مائة نفس، فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ).قال الله عز وجل: وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61]، لا يقصرون ولا يضيعون، لو أمر الله ملك الموت بقبض روح عبدٍ بالمشرق وفي الوقت نفسه بقبض روح عبد بالمغرب، لما فرط ملك الموت فيما أمر به؛ ولذلك لما سئل ابن عباس رضي الله عنهما: كيف يقبض ملك روح رجل بالمشرق ورجل بالمغرب في آن واحد؟ قال: والله ما أرواح العباد بين يدي ملك الموت إلا كالقصعة بين يدي الآكل، يأكل من حيث شاء، وروي في الحديث: ( أن ملك الموت إذا قبض روح العبد فصرخ صارخ من أهله؛ قال ملك الموت: ما هذا الصارخ؟ والله ما سبقنا أجله! وما استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه من ذنب، فإن ترضوا لما صنع الله تؤجروا، وإن تسخطوا تأثموا وتؤزروا، وإن لنا عندكم عودة بعد عودة، فالحذر الحذر ) يعني كأنه يقول لهم: أنا سآتي مرة أخرى هذه الدار وليست هذه آخر مرة.
تفسير قوله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ...)
يقول الله عز وجل: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام:62].هذه الآية في معنى قوله تعالى: ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأنعام:60].قوله: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ ، خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم وباعثهم، الحق لا إله إلا هو، المعبود بحق، (الْحَقِّ) الحق على أنها صفة للمولى.قال تعالى: أَلا لَهُ الْحُكْمُ [الأنعام:62]، جل جلاله، له الحكم الكوني القدري، وله الحكم الديني الشرعي، فكما أنه لا يحي ولا يميت إلا الله، كذلك لا يحلل ولا يحرم إلا الله، له الحكم الكوني وله الحكم الشرعي. ثم قال: وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62]، يوم القيامة جل جلاله لا يحتاج إلى عقد باليد ولا إحصاء بالقلم، لكنه جل جلاله يعلم ما تكسب كل نفس.قد يسأل بعض الناس فيقول: إذا كان كذلك فلم تنشر الدواوين وتنصب الموازين يوم القيامة؟نقول: من أجل إقامة الحجة، فما وكل الله ملائكة يكتبون من أجل أنه جل جلاله لا يعلم، حاشاه، ولكن من أجل أن يكون هؤلاء الملائكة شهوداً، قال تعالى: وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:21]، ما نصب الله الموازين لأنه لا يعلم مثقال الحسنات والسيئات؛ ولكن من أجل إقامة الحجة عليك أمامك، -ولله المثل الأعلى- كما تذهب فتشتري رطلاً من السكر فتشكك فيه فيقول لك التاجر: أزنه لك من أجل أن يطمئن قلبك، فربنا سبحانه وتعالى يقيم الحجج على المشركين؛ لأنه الإله الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، المستحق للعبادة وحده جل جلاله، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ، هو الذي يبعثكم ويميتكم ويحييكم.
 المتوفي للمخلوقات
قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ [الأنعام:61]، نزل بأحدكم أجله. تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61]، وقرئ: (توفاه رسلنا)، فيصح التأنيث والتذكير، قال الله عز وجل: (كذبت رسلنا)، وقال الله عز وجل: جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ [المائدة:32]، وقال: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام:34]، فيصح التذكير والتأنيث، تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61]، والذي يتوفى هو من قال الله فيه: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ [السجدة:11]، ومر معنا قبل قليل: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ [الأنعام:60]، كذلك قوله: اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر:42]، فتارة تنسب الوفاة إلى الله: اللهُ يَتَوَفَّى [الزمر:42]، باعتبار أنه الآمر جل جلاله، وتارة تنسب الوفاة إلى ملك الموت باعتبار أنه المباشر، وتارة تنسب الوفاة إلى الملائكة باعتبار أنهم يساعدون ملك الموت -ولله المثل الأعلى- كما يقال: أجرى العملية فلان من الأطباء، وهذا الطبيب ما يجريها وحده، وإنما معه مساعدون، فهؤلاء جميعاً ينسب إليهم الفعل، وقد يكون إجراء العملية بأمر طبيب آخر، يعني: أمر طبيب وباشر طبيب وساعدته مجموعة، فملك الموت إذا نزل بالعبد فهناك ملائكة رحمة وهناك ملائكة عذاب، فإذا كان العبد من أهل الخير -نسأل الله أن يجعلنا منهم- فإن روحه تأخذها ملائكة الرحمة، وإن كانت الأخرى -نسأل الله العافية- فإن روحه تأخذها ملائكة العذاب، وقد حكى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ( الرجل الذي قتل مائة نفس، فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ).قال الله عز وجل: وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61]، لا يقصرون ولا يضيعون، لو أمر الله ملك الموت بقبض روح عبدٍ بالمشرق وفي الوقت نفسه بقبض روح عبد بالمغرب، لما فرط ملك الموت فيما أمر به؛ ولذلك لما سئل ابن عباس رضي الله عنهما: كيف يقبض ملك روح رجل بالمشرق ورجل بالمغرب في آن واحد؟ قال: والله ما أرواح العباد بين يدي ملك الموت إلا كالقصعة بين يدي الآكل، يأكل من حيث شاء، وروي في الحديث: ( أن ملك الموت إذا قبض روح العبد فصرخ صارخ من أهله؛ قال ملك الموت: ما هذا الصارخ؟ والله ما سبقنا أجله! وما استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه من ذنب، فإن ترضوا لما صنع الله تؤجروا، وإن تسخطوا تأثموا وتؤزروا، وإن لنا عندكم عودة بعد عودة، فالحذر الحذر ) يعني كأنه يقول لهم: أنا سآتي مرة أخرى هذه الدار وليست هذه آخر مرة.
تفسير قوله تعالى: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ...)
ثم يقول سبحانه: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ [الأنعام:63]، أو: (لئن أنجيتنا من هذه)، قراءتان، مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ [الأنعام:63-64]، أو: (ينجيكم)، مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [الأنعام:64]، يوجه الله السؤال لهؤلاء المشركين فيقول: أنتم تقعون في مصائب ومشاكل، وتحيط بكم كربات وغموم وهموم، من الذي ينجيكم؟ من الذي تدعونه؟ من الذي تلجئون إليه؟ إنه جل جلاله، تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا ، تضرعاً، قالوا: كلمة التضرع مشتقة من الضرع، انظروا إلى الشاة حين يأتي ولدها فيمص ضرعها، كذلك الإنسان في لحظات الحاجة والضيق والفاقة، يتضرع إلى ربه جل جلاله ويرجوه، تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ، والمخافة على سبيل الأدب الكامل التام.ويقطع الإنسان على نفسه عهداً، يقول لربه: لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ، يا رب! لو نجيتني من هذه الكربة وخلصتني من هذه المصيبة ستجدني شاكراً ذاكراً، حامداً عابداً، لا أشرك بك أحداً، ولا أقصر في حقك، ولا أقدم على معصيتك.
 المتوفي للمخلوقات
قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ [الأنعام:61]، نزل بأحدكم أجله. تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61]، وقرئ: (توفاه رسلنا)، فيصح التأنيث والتذكير، قال الله عز وجل: (كذبت رسلنا)، وقال الله عز وجل: جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ [المائدة:32]، وقال: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام:34]، فيصح التذكير والتأنيث، تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61]، والذي يتوفى هو من قال الله فيه: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ [السجدة:11]، ومر معنا قبل قليل: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ [الأنعام:60]، كذلك قوله: اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر:42]، فتارة تنسب الوفاة إلى الله: اللهُ يَتَوَفَّى [الزمر:42]، باعتبار أنه الآمر جل جلاله، وتارة تنسب الوفاة إلى ملك الموت باعتبار أنه المباشر، وتارة تنسب الوفاة إلى الملائكة باعتبار أنهم يساعدون ملك الموت -ولله المثل الأعلى- كما يقال: أجرى العملية فلان من الأطباء، وهذا الطبيب ما يجريها وحده، وإنما معه مساعدون، فهؤلاء جميعاً ينسب إليهم الفعل، وقد يكون إجراء العملية بأمر طبيب آخر، يعني: أمر طبيب وباشر طبيب وساعدته مجموعة، فملك الموت إذا نزل بالعبد فهناك ملائكة رحمة وهناك ملائكة عذاب، فإذا كان العبد من أهل الخير -نسأل الله أن يجعلنا منهم- فإن روحه تأخذها ملائكة الرحمة، وإن كانت الأخرى -نسأل الله العافية- فإن روحه تأخذها ملائكة العذاب، وقد حكى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ( الرجل الذي قتل مائة نفس، فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ).قال الله عز وجل: وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61]، لا يقصرون ولا يضيعون، لو أمر الله ملك الموت بقبض روح عبدٍ بالمشرق وفي الوقت نفسه بقبض روح عبد بالمغرب، لما فرط ملك الموت فيما أمر به؛ ولذلك لما سئل ابن عباس رضي الله عنهما: كيف يقبض ملك روح رجل بالمشرق ورجل بالمغرب في آن واحد؟ قال: والله ما أرواح العباد بين يدي ملك الموت إلا كالقصعة بين يدي الآكل، يأكل من حيث شاء، وروي في الحديث: ( أن ملك الموت إذا قبض روح العبد فصرخ صارخ من أهله؛ قال ملك الموت: ما هذا الصارخ؟ والله ما سبقنا أجله! وما استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه من ذنب، فإن ترضوا لما صنع الله تؤجروا، وإن تسخطوا تأثموا وتؤزروا، وإن لنا عندكم عودة بعد عودة، فالحذر الحذر ) يعني كأنه يقول لهم: أنا سآتي مرة أخرى هذه الدار وليست هذه آخر مرة.
تفسير قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ...)
قال تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا [الأنعام:65]. قص الله عز وجل علينا في القرآن أنه عذب أقواماً من فوقهم، وعذب أقواماً من تحت أرجلهم، وجمع لأقوام بين العذابين، يقول سبحانه: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا [العنكبوت:40]، من فوقه، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ [العنكبوت:40]، من فوقه، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ [العنكبوت:40]، أي: من تحته، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا [العنكبوت:40]، إن الله عز وجل عذب عاداً وثمود وقوم لوط بعذاب جاءهم من فوقهم، وعذب قارون وأصحاب مدين بالخسف من تحتهم، وأما قوم نوح فقد جمع الله لهم بين العذابين، قال تعالى: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى المَاءُ [القمر:11-12]، أي: الماءان، عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:12]، جمع الله لهم بين العذابين، من فوقهم ومن تحت أرجلهم.وكان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح وإذا أمسى: ( اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ). وقال بعض المفسرين: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ، أي: حكام السوء، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ، أي: خدم السوء، فيكون المعنى أن يسلط الله عليك حاكماً ظالماً، يجلد ظهرك، ويأخذ مالك ويشتم عرضك، أو يسلط الله عليك خادماً سيئاً، يسرق مالك ويفشي سرك، فقد يكون الخادم عذاباً من حيث لا تحتسب، يسرق مالك وأنت لا تقدر على متابعته، ويفشي سرك ويظهر للناس ما تريد ستره، والله يفعل ما يشاء. قال سبحانه: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا ، يجعلكم فرقاً وأحزاباً وطوائف وجماعات، كما قال تعالى: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53]، يبغض بعضكم بعضاً، ويلعن بعضكم بعضاً، ويكفر بعضكم بعضاً، ويرجوا بعضكم لبعض العداوة والبغضاء، نسأل الله العافية.قال بعض المفسرين: وقد استدل بهذه الآية الحسن البصري رحمه الله على ما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم من فتن وحروب، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة أطال السجود، كما ثبت ذلك من حديث خباب رضي الله عنه، وأخبر عليه الصلاة والسلام فقال: ( سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته ألا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها، وسألته ألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمعنيها )؛ ولذلك نرى البأس بين الأمة -نسأل الله العافية- شديداً، وقد قال الله عز وجل: ( يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً )، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ).
 المتوفي للمخلوقات
قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ [الأنعام:61]، نزل بأحدكم أجله. تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61]، وقرئ: (توفاه رسلنا)، فيصح التأنيث والتذكير، قال الله عز وجل: (كذبت رسلنا)، وقال الله عز وجل: جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ [المائدة:32]، وقال: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام:34]، فيصح التذكير والتأنيث، تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61]، والذي يتوفى هو من قال الله فيه: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ [السجدة:11]، ومر معنا قبل قليل: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ [الأنعام:60]، كذلك قوله: اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر:42]، فتارة تنسب الوفاة إلى الله: اللهُ يَتَوَفَّى [الزمر:42]، باعتبار أنه الآمر جل جلاله، وتارة تنسب الوفاة إلى ملك الموت باعتبار أنه المباشر، وتارة تنسب الوفاة إلى الملائكة باعتبار أنهم يساعدون ملك الموت -ولله المثل الأعلى- كما يقال: أجرى العملية فلان من الأطباء، وهذا الطبيب ما يجريها وحده، وإنما معه مساعدون، فهؤلاء جميعاً ينسب إليهم الفعل، وقد يكون إجراء العملية بأمر طبيب آخر، يعني: أمر طبيب وباشر طبيب وساعدته مجموعة، فملك الموت إذا نزل بالعبد فهناك ملائكة رحمة وهناك ملائكة عذاب، فإذا كان العبد من أهل الخير -نسأل الله أن يجعلنا منهم- فإن روحه تأخذها ملائكة الرحمة، وإن كانت الأخرى -نسأل الله العافية- فإن روحه تأخذها ملائكة العذاب، وقد حكى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ( الرجل الذي قتل مائة نفس، فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ).قال الله عز وجل: وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61]، لا يقصرون ولا يضيعون، لو أمر الله ملك الموت بقبض روح عبدٍ بالمشرق وفي الوقت نفسه بقبض روح عبد بالمغرب، لما فرط ملك الموت فيما أمر به؛ ولذلك لما سئل ابن عباس رضي الله عنهما: كيف يقبض ملك روح رجل بالمشرق ورجل بالمغرب في آن واحد؟ قال: والله ما أرواح العباد بين يدي ملك الموت إلا كالقصعة بين يدي الآكل، يأكل من حيث شاء، وروي في الحديث: ( أن ملك الموت إذا قبض روح العبد فصرخ صارخ من أهله؛ قال ملك الموت: ما هذا الصارخ؟ والله ما سبقنا أجله! وما استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه من ذنب، فإن ترضوا لما صنع الله تؤجروا، وإن تسخطوا تأثموا وتؤزروا، وإن لنا عندكم عودة بعد عودة، فالحذر الحذر ) يعني كأنه يقول لهم: أنا سآتي مرة أخرى هذه الدار وليست هذه آخر مرة.
تفسير قوله تعالى: (وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل)
قال الله عز وجل: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام:66].(وكذب به)، الضمير يعود إلى القرآن ،كذب المشركون بالقرآن (وهو الحق)، نزل من الله عز وجل بالحق، كما قال تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء:105]. قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ، لست عليكم بحافظ، ما وكلني الله عز وجل على حفظ أعمالكم، إنما أنا بشير ونذير، ولا أجازيكم على أعمالكم.
 المتوفي للمخلوقات
قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ [الأنعام:61]، نزل بأحدكم أجله. تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61]، وقرئ: (توفاه رسلنا)، فيصح التأنيث والتذكير، قال الله عز وجل: (كذبت رسلنا)، وقال الله عز وجل: جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ [المائدة:32]، وقال: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام:34]، فيصح التذكير والتأنيث، تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61]، والذي يتوفى هو من قال الله فيه: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ [السجدة:11]، ومر معنا قبل قليل: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ [الأنعام:60]، كذلك قوله: اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر:42]، فتارة تنسب الوفاة إلى الله: اللهُ يَتَوَفَّى [الزمر:42]، باعتبار أنه الآمر جل جلاله، وتارة تنسب الوفاة إلى ملك الموت باعتبار أنه المباشر، وتارة تنسب الوفاة إلى الملائكة باعتبار أنهم يساعدون ملك الموت -ولله المثل الأعلى- كما يقال: أجرى العملية فلان من الأطباء، وهذا الطبيب ما يجريها وحده، وإنما معه مساعدون، فهؤلاء جميعاً ينسب إليهم الفعل، وقد يكون إجراء العملية بأمر طبيب آخر، يعني: أمر طبيب وباشر طبيب وساعدته مجموعة، فملك الموت إذا نزل بالعبد فهناك ملائكة رحمة وهناك ملائكة عذاب، فإذا كان العبد من أهل الخير -نسأل الله أن يجعلنا منهم- فإن روحه تأخذها ملائكة الرحمة، وإن كانت الأخرى -نسأل الله العافية- فإن روحه تأخذها ملائكة العذاب، وقد حكى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ( الرجل الذي قتل مائة نفس، فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ).قال الله عز وجل: وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61]، لا يقصرون ولا يضيعون، لو أمر الله ملك الموت بقبض روح عبدٍ بالمشرق وفي الوقت نفسه بقبض روح عبد بالمغرب، لما فرط ملك الموت فيما أمر به؛ ولذلك لما سئل ابن عباس رضي الله عنهما: كيف يقبض ملك روح رجل بالمشرق ورجل بالمغرب في آن واحد؟ قال: والله ما أرواح العباد بين يدي ملك الموت إلا كالقصعة بين يدي الآكل، يأكل من حيث شاء، وروي في الحديث: ( أن ملك الموت إذا قبض روح العبد فصرخ صارخ من أهله؛ قال ملك الموت: ما هذا الصارخ؟ والله ما سبقنا أجله! وما استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه من ذنب، فإن ترضوا لما صنع الله تؤجروا، وإن تسخطوا تأثموا وتؤزروا، وإن لنا عندكم عودة بعد عودة، فالحذر الحذر ) يعني كأنه يقول لهم: أنا سآتي مرة أخرى هذه الدار وليست هذه آخر مرة.
تفسير قوله تعالى: (لكل نبإٍ مستقر وسوف تعلمون)
ثم قال تعالى: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ [الأنعام:67]. لكل خبر حقيقة ونهاية، له وقت يقع فيه، لا يتقدم ولا يتأخر، يخبر الله عز وجل عن الساعة أنها ستقع، ويخبر بالحساب أنه سيقع يخبر عن الجنة والنار أن الناس سيرونهما رأي عين.والمعنى كما قال بعض أهل التفسير: يراد بذلك ما أنزل الله بهم من العذاب يوم بدر، كما قال سبحانه: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر:45]، لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ [الأنعام:67]. من اللطائف أن بعض المفسرين كان يقول: هذه الآية تفيد في وجع الضرس، وأن من آلمه ضرسه فإنه يأخذ قطعة فيكتب عليها: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ [الأنعام:67]، ويضعها فيسكن بإذن الله، يعني: ومثله ما قال بعضهم: بأنه إذا كنت لا تريد أن يراك إنسان فإنك تقرأ: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الأنعام:25]، أو تقرأ: خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ [البقرة:7]، لكن ما ينبغي أن يستخدم القرآن في مثل هذا، وبعض الناس مرة قال لي وهو رجل عامي: إذا أزعجك الأضياف وكثروا عليك فاقرأ لهم: إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا [الزلزلة:1]!
 المتوفي للمخلوقات
قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ [الأنعام:61]، نزل بأحدكم أجله. تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61]، وقرئ: (توفاه رسلنا)، فيصح التأنيث والتذكير، قال الله عز وجل: (كذبت رسلنا)، وقال الله عز وجل: جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ [المائدة:32]، وقال: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام:34]، فيصح التذكير والتأنيث، تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61]، والذي يتوفى هو من قال الله فيه: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ [السجدة:11]، ومر معنا قبل قليل: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ [الأنعام:60]، كذلك قوله: اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر:42]، فتارة تنسب الوفاة إلى الله: اللهُ يَتَوَفَّى [الزمر:42]، باعتبار أنه الآمر جل جلاله، وتارة تنسب الوفاة إلى ملك الموت باعتبار أنه المباشر، وتارة تنسب الوفاة إلى الملائكة باعتبار أنهم يساعدون ملك الموت -ولله المثل الأعلى- كما يقال: أجرى العملية فلان من الأطباء، وهذا الطبيب ما يجريها وحده، وإنما معه مساعدون، فهؤلاء جميعاً ينسب إليهم الفعل، وقد يكون إجراء العملية بأمر طبيب آخر، يعني: أمر طبيب وباشر طبيب وساعدته مجموعة، فملك الموت إذا نزل بالعبد فهناك ملائكة رحمة وهناك ملائكة عذاب، فإذا كان العبد من أهل الخير -نسأل الله أن يجعلنا منهم- فإن روحه تأخذها ملائكة الرحمة، وإن كانت الأخرى -نسأل الله العافية- فإن روحه تأخذها ملائكة العذاب، وقد حكى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ( الرجل الذي قتل مائة نفس، فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ).قال الله عز وجل: وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61]، لا يقصرون ولا يضيعون، لو أمر الله ملك الموت بقبض روح عبدٍ بالمشرق وفي الوقت نفسه بقبض روح عبد بالمغرب، لما فرط ملك الموت فيما أمر به؛ ولذلك لما سئل ابن عباس رضي الله عنهما: كيف يقبض ملك روح رجل بالمشرق ورجل بالمغرب في آن واحد؟ قال: والله ما أرواح العباد بين يدي ملك الموت إلا كالقصعة بين يدي الآكل، يأكل من حيث شاء، وروي في الحديث: ( أن ملك الموت إذا قبض روح العبد فصرخ صارخ من أهله؛ قال ملك الموت: ما هذا الصارخ؟ والله ما سبقنا أجله! وما استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه من ذنب، فإن ترضوا لما صنع الله تؤجروا، وإن تسخطوا تأثموا وتؤزروا، وإن لنا عندكم عودة بعد عودة، فالحذر الحذر ) يعني كأنه يقول لهم: أنا سآتي مرة أخرى هذه الدار وليست هذه آخر مرة.
تفسير قوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ...)
قال الله عز وجل: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام:68]. ‏
 النسيان من الشيطان
قال تعالى: وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ [الأنعام:68]، لو أنك نسيت فجلست مع هؤلاء، فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68]، وهذه الآية قد دلت على أن النسيان من الشيطان كما في قول ربنا: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ [الكهف:63]، وكما في قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا [الأعراف:201]، وكما في قوله سبحانه: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ [المجادلة:19].
تفسير قوله تعالى: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء...)
قال سبحانه: وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَهمْ يَتَّقُونَ [الأنعام:69]، لما نزل قوله تعالى: فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68]، قال بعض المسلمين: إذاً لا يمكننا دخول المسجد ولا الطواف؛ لأن المشركين موجودون فيه، فرفع الله عز وجل عنهم الحرج، قال لهم أنتم مؤمنون متقون، ليس عليكم حساب هؤلاء؛ بل: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21]، عليكم بأن تذكروهم إذا وجدتم الوقت مناسباً لذلك، مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَهمْ يَتَّقُونَ [الأعراف:164].أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما نقول ونسمع، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد.
 النسيان من الشيطان
قال تعالى: وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ [الأنعام:68]، لو أنك نسيت فجلست مع هؤلاء، فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68]، وهذه الآية قد دلت على أن النسيان من الشيطان كما في قول ربنا: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ [الكهف:63]، وكما في قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا [الأعراف:201]، وكما في قوله سبحانه: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ [المجادلة:19].
تفسير قوله تعالى: (قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون)
قال الله عز وجل: قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا، أي: من تلك الظلمات، وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ، كما قال في صدر السورة: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [الأنعام:2]، تمترون: تتشككون فيه جل جلاله، هو ينجيكم ويطعمكم ويسقيكم، يشفيكم ويؤويكم.ثم قال: ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ، وهذا المعنى يوجد في القرآن كثيراً، كقول الله عز وجل: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65]، هذا حالهم نسأل الله السلامة والعافية! وفي الآية تقريع وتوبيخ لهؤلاء المشركين الذين إذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون.
 النسيان من الشيطان
قال تعالى: وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ [الأنعام:68]، لو أنك نسيت فجلست مع هؤلاء، فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68]، وهذه الآية قد دلت على أن النسيان من الشيطان كما في قول ربنا: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ [الكهف:63]، وكما في قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا [الأعراف:201]، وكما في قوله سبحانه: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ [المجادلة:19].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآيات [59-69] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net