اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآيات [27-35] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الأنعام - الآيات [27-35] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
لقد كان حال المشركين مع رسول الله عدم الاتباع والابتعاد عن سماع الحق ونهيهم غيرهم عن سماعه، وشدة جدلهم بالباطل؛ ولذلك سيكون حالهم في الآخرة الخسران والندامة، وتمني الرجوع إلى الدنيا عند عرضهم على ربهم ومشاهدتهم للنار أمام أعينهم
تلخيص لتفسير ما سبق من آيات
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:فقد تقدم معنا الكلام في الآيات السابقة أن المشركين الذين افتروا على الله الكذب يوم القيامة يجحدون شركهم، وينكرون كفرهم، ويقسمون بالله ربهم أنهم ما وقعوا في الشرك؛ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [الأنعام:22-24].يقول صاحب الظلال رحمه الله: والشرك ليس فقط تلك الصورة الساذجة التي يعتقدها بعض الناس في القديم من عبادة أصنام أو أشجار أو أحجار، بل الشرك تتعدد صوره: في اعتقاد أن أحداً سوى الله يتصرف في هذا الكون، أو في صرف شيء من شعائر التعبد لغير الله، أو اقتباس نظام أو قانون يعارض حكم الله، يقول رحمه الله: بأن هذا كله من صور الشرك، فلو أن إنساناً اعتقد أن ولياً من الأولياء أو صالحاً من الصالحين له تصرف في هذا الكون؛ يعطي ويمنع أو يضر وينفع أو يحيي ويميت فهذا والعياذ بالله شرك، وكذلك من اعتقد أن أحداً غير الله يعلم الغيب بإطلاق فإن هذا شرك، فلو أن إنساناً صرف شيئاً من شعائر التعبد لغير الله عز وجل، ركع لغير الله، أو سجد لغير الله، أو نذر لغير الله، أو استغاث أو استعاذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا أيضاً شرك، ولو أن إنساناً اقتبس نظاماً يعارض به ما شرعه الله عز وجل لعباده، فهذا أيضاً شرك، قال سبحانه: أَمْ لَهمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ [الشورى:21].هؤلاء المشركون ما كانت حجتهم في ذلك اليوم العصيب إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [الأنعام:23-24]، أي: غاب عنهم ما كانوا يفترونه من دون الله من شركاء وأنداد. ‏ قال عز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأنعام:25]. هؤلاء المشركون كانوا يستمعون إلى القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعجبهم فصاحته وتعجزهم بلاغته، ويجزمون في قرارة أنفسهم أنه ما يقول هذا بشر، ولكنهم مع ذلك كانوا يفترون على الله الكذب فيقولون: إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأنعام:25]، وهي الكلمة التي كان يرددها النضر بن الحارث ، فقد كان يقص على الناس أخبار رستم و إسفنديار ، وغير ذلك من أساطير الفرس، ويقول: محمد يحكي لكم الأساطير كما أحكي لكم الأساطير. قال الله عز وجل: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ [الأنعام:26]، ينهون الناس عن استماعه وفي الوقت نفسه يبتعدون عنه، أو إذا كانت الآية نازلة في شأن أبي طالب ، فالمعنى: أنه ينهى عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت نفسه ينأى عن اتباع دينه، وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [الأنعام:26].
 

تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على النار ...)

 حال الكفار إذا رأوا نار جهنم وتمنيهم الرجوع
وَلَوْ تَرَى [الأنعام:27]، يا محمد! صلى الله عليه وسلم، إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام:27]، وقفوا أي: بلغوا ووصلوا بعد طول سير، وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا [الأنعام:27]، بعدما رأوا النار رأي عين، رأوها عين اليقين وعلم اليقين وحق اليقين، وهم في ذلك اليوم في قمة الإبصار، وفي قمة السمع، أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [مريم:38]، ما أسمعهم وما أبصرهم! وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [السجدة:12]، فهم واقفون على النار، وقد علموا يقيناً أنها مصيرهم، فبدءوا في التمني حيث لا ينفع التمني، يقولون: ليت، حيث لا ينفع شيئاً ليت، يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ [الأنعام:27]، أي: إلى الدنيا، وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ [الأنعام:27]، طلبوا من الله الرد، والرد: هو الرجوع، واشترطوا على أنفسهم أمرين اثنين: الأمر الأول: ألا يكذبوا بآيات الله مثلما كانوا يكذبون أولاً. والأمر الثاني: أن يلتحقوا بوصف الإيمان: وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ [الأنعام:27].
تفسير قوله تعالى: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ...)
قال الله عز وجل: بَلْ بَدَا لَهمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28]، (بَلْ بَدَا لَهمْ): أي: ظهر لهم، من بدو الشيء وظهوره عياناً، وهو هاهنا مجاز في زوال الشك، بَلْ بَدَا لَهمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ [الأنعام:28] في الدنيا، ما الذي كانوا يخفونه؟كانوا يخفون في الدنيا فطرتهم، ويحرصون على الكفر ويصرون عليه، وهم ثابتو الإقدام، مع كونهم في قرارة أنفسهم يعتقدون يقيناً أن القرآن كلام الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه صادق لا يكذب، بَلْ بَدَا لَهمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ [الأنعام:28]، الذي كانوا يخفونه هو هذه الفطرة، وهذا الإيمان، فقد كانوا يخفونها؛ حرصاً على السيادة والزعامة والجاه، وحرصاً على الأتباع والمال.. هكذا كان حالهم، ولو تأملت في كفار قريش، واليهود لوجدت أن، هذا كان شأنهم، فقد كان الواحد منهم يأنف بعد أن كان سيداً متبوعاً أن يصير تابعاً مقوداً؛ فمن أجل هذا صدوا عن سبيل الله عز وجل. وقال بعض أهل التفسير: بَلْ بَدَا لَهمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ [الأنعام:28]، أي: ما كانوا يعلمونه في قرارة أنفسهم من صدق الرسل عموماً، مثلما قال موسى لفرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء:102]، ومثلما سيأتي معنا في قول ربنا: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، وفي هذه السورة: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]. وقال بعض المفسرين: المراد بذلك: المنافقون الذين كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر، وهذا بعيد؛ لأن سورة الأنعام مكية، ولم يكن في مكة منافقون، بل المنافقون ظهروا في المدينة بعد غزوة بدر، بعدما أظهر الله رسوله. قال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28]، الله أكبر! الله جل جلاله الذي علم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، لا يكون رد إلى الدنيا بعد الوقوف بين يدي الله للحساب؛ لا رد إلى الدنيا بعد مفارقة الروح الجسد؛ لأن الله عز وجل حكى بأن الواحد من أولئك الفجار في سكرات الموت يقول: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100]، فيقول الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ[المؤمنون:100]، وفي آية أخرى قال ربنا سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا [فاطر:36-37]، أي: في النار، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37]، قال الله عز وجل: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ[فاطر:37]، ألم نعطكم عمراً كافياً للتذكر والتدبر؟ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ[فاطر:37]، جاءكم الرسول، جاءكم الشيب، جاءكم المرض، جاءكم بلوغ الستين، فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37]. الله عز وجل في هذه الآية الكريمة يخبر أنه عالم بكل موجود ومعدوم، وهو سبحانه يعلم أن هؤلاء الكفار لو ردوا إلى الدنيا مرة أخرى فإنهم لا يؤمنون، وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28]، لعادوا إلى الكفر والتكذيب والعناد والجحود. وهذا المعنى: أن الله قد علم بما كان وما يكون. جاء في آيات أخرى، كقول الله عز وجل عن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهمْ [التوبة:47]، المنافقون لم يخرجوا إلى تبوك، قال الله عز وجل: لو أنهم خرجوا فحالهم أنهم فتانون، يريدون خبال المؤمنين وإضلالهم، وكذلك في قوله سبحانه: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [المؤمنون:75]. قال الله عز وجل: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28]، (لو ردوا) إلى الدنيا (لَعَادُوا) إلى ما نهوا عنه من الكفر والتكذيب، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28]، أي: في قولهم: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ [الأنعام:27].
 حال الكفار إذا رأوا نار جهنم وتمنيهم الرجوع
وَلَوْ تَرَى [الأنعام:27]، يا محمد! صلى الله عليه وسلم، إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام:27]، وقفوا أي: بلغوا ووصلوا بعد طول سير، وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا [الأنعام:27]، بعدما رأوا النار رأي عين، رأوها عين اليقين وعلم اليقين وحق اليقين، وهم في ذلك اليوم في قمة الإبصار، وفي قمة السمع، أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [مريم:38]، ما أسمعهم وما أبصرهم! وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [السجدة:12]، فهم واقفون على النار، وقد علموا يقيناً أنها مصيرهم، فبدءوا في التمني حيث لا ينفع التمني، يقولون: ليت، حيث لا ينفع شيئاً ليت، يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ [الأنعام:27]، أي: إلى الدنيا، وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ [الأنعام:27]، طلبوا من الله الرد، والرد: هو الرجوع، واشترطوا على أنفسهم أمرين اثنين: الأمر الأول: ألا يكذبوا بآيات الله مثلما كانوا يكذبون أولاً. والأمر الثاني: أن يلتحقوا بوصف الإيمان: وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ [الأنعام:27].
تفسير قوله تعالى: (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين)
قال الله عز وجل: وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [الأنعام:29]، كان دينهم وديدنهم تكذيب رسول الله صلى الله عليه سلم، يقولون: يا محمد! ما تقوله من أن هناك بعد الموت بعثاً، وبعد البعث حساباً، وبعد الحساب جنة أو ناراً هذا كله هراء، ليس هناك إلا هذه الدنيا، ولا يوجد دار بعدها، وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [الأنعام:29]، وهذا المعنى في كثير من آي القرآن، كقول الله عز وجل: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24]، وقوله سبحانه: وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:49]، وفي قوله سبحانه: ق وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق:1-3]، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج:6-7]، هكذا كان حالهم، وهذا صنف من الكفار لا يؤمنون بالبعث أصلاً. هناك صنف آخر من الكفار يؤمنون بالبعث ولكن ليس على الصفة الشرعية، فهم يؤمنون بأن البعث للأرواح فقط لا للأجساد، أو يؤمنون بأن النعيم والعذاب ليس إلا شيئاً نفسياً، يعني: كحال النائم الذي يرى في منامه أشياء فيفرح ويسر، أو يرى في منامه أشياء فيحزن ويضيق، ولربما يصرخ، لكن في الوقع ليس هناك شيء محسوس، هذا والعياذ بالله كفر.
 حال الكفار إذا رأوا نار جهنم وتمنيهم الرجوع
وَلَوْ تَرَى [الأنعام:27]، يا محمد! صلى الله عليه وسلم، إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام:27]، وقفوا أي: بلغوا ووصلوا بعد طول سير، وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا [الأنعام:27]، بعدما رأوا النار رأي عين، رأوها عين اليقين وعلم اليقين وحق اليقين، وهم في ذلك اليوم في قمة الإبصار، وفي قمة السمع، أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [مريم:38]، ما أسمعهم وما أبصرهم! وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [السجدة:12]، فهم واقفون على النار، وقد علموا يقيناً أنها مصيرهم، فبدءوا في التمني حيث لا ينفع التمني، يقولون: ليت، حيث لا ينفع شيئاً ليت، يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ [الأنعام:27]، أي: إلى الدنيا، وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ [الأنعام:27]، طلبوا من الله الرد، والرد: هو الرجوع، واشترطوا على أنفسهم أمرين اثنين: الأمر الأول: ألا يكذبوا بآيات الله مثلما كانوا يكذبون أولاً. والأمر الثاني: أن يلتحقوا بوصف الإيمان: وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ [الأنعام:27].
تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ...)
قال عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام:30]، في الآية السابقة وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام:27]، وهنا وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام:30]، سيقوا إلى ربهم جل جلاله سوق العبد الآبق العاصي المجرم الذي يقدم على سيده بعدما سب سيده وأساء إليه، وكفر بنعمه، وصد عن سبيله، وقاتل أولياءه، وعاند دينه، يقف بين يدي هذا السيد الجليل، فيوجه إليه سؤالاً: أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ [الأنعام:30]، الآن أنت ترى البعث، فقد جئنا بك يا من كنت تقول: أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا [الإسراء:49]، أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا [الرعد:5]، يا من كنت تقول: مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78]، يا من كنت تقول: أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [مريم:66]، الآن أنت ترى، أليس هذا بالحق؟! يا من كنت تقول: لا جنة ولا نار، الآن أنت ترى، أليس هذا بالحق؟! النار ها هي أمامك، لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، ألا تسمع تغيظها وزفيرها؟ أليس هذا بالحق؟! فيأتي الجواب الذليل المهين: بَلَى وَرَبِّنَا [الأنعام:30]، لو قال: بلى لكفى، ولم يطلب منه أحد أن يحلف، لكنه الكذاب الأفاك، يظن أن يمينه ستنجيه، أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا [الأنعام:30]. وهم يتصورون بعد هذا الإقرار أن يعفى عنهم، وأن يغفر لهم، قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [الأنعام:30]، الآن: لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158]، لا ينفعها الإيمان. قوله: بَلَى وَرَبِّنَا [الأنعام:30]، لن يغنيه من الله شيئاً، فَذُوقُوا الْعَذَابَ [الأنعام:30]، على كفركم، والذوق استعارة لشيء محسوس، فَذُوقُوا الْعَذَابَ [الأنعام:30]، بسبب كفركم، بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [الأنعام:30].
 حال الكفار إذا رأوا نار جهنم وتمنيهم الرجوع
وَلَوْ تَرَى [الأنعام:27]، يا محمد! صلى الله عليه وسلم، إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام:27]، وقفوا أي: بلغوا ووصلوا بعد طول سير، وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا [الأنعام:27]، بعدما رأوا النار رأي عين، رأوها عين اليقين وعلم اليقين وحق اليقين، وهم في ذلك اليوم في قمة الإبصار، وفي قمة السمع، أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [مريم:38]، ما أسمعهم وما أبصرهم! وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [السجدة:12]، فهم واقفون على النار، وقد علموا يقيناً أنها مصيرهم، فبدءوا في التمني حيث لا ينفع التمني، يقولون: ليت، حيث لا ينفع شيئاً ليت، يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ [الأنعام:27]، أي: إلى الدنيا، وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ [الأنعام:27]، طلبوا من الله الرد، والرد: هو الرجوع، واشترطوا على أنفسهم أمرين اثنين: الأمر الأول: ألا يكذبوا بآيات الله مثلما كانوا يكذبون أولاً. والأمر الثاني: أن يلتحقوا بوصف الإيمان: وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ [الأنعام:27].
تفسير قوله تعالى: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ...)
ثم قال ربنا جل حلاله: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [الأنعام:31]. ‏
 حمل وزر الغير يوم القيامة
بعض الناس يحمل وزره، وبعض الناس يحمل وزره ووزر غيره، قال الله عز وجل: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [العنكبوت:13]، وقال: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل:25]، دعاة الضلالة، المحرضون على الفواحش، من كانوا يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، من حرض على بدعة منكرة حاد بها الله ورسوله، وضاد الطريقة الشرعية فضلَّ بسببه ناس كثيرون، يوم القيامة يحمل وزره وأوزارهم، من كتب قصة خليعة قبيحة ففتن بها الشباب، ووقعوا في الفواحش، يحمل وزره وأوزارهم، من غنى وطرب وأطرب الناس وتمايل، ثم هلك؛ فبقيت الأسطوانات محفوظة وتتكرر خاصة في الذكرى السنوية، فإنه في الذكرى السنوية في قبره سيتقلب؛ لأنه كان سبباً في ضلال من لا يحصيهم إلا الله، أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [الأنعام:31].
تفسير قوله تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ...)
ثم قال تعالى: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنعام:32].
 خيرية الآخرة على الدنيا
قوله: وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأنعام:32]، في قراءة ابن عامر : (ولدار الآخرة خير للذين يتقون)، الدار هي محل إقامة الناس، وهي الأرض التي فيها بيوت الناس من بناء وقباب وخيام ونحو ذلك، وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ [الأنعام:32]، أي: خير من دار الدنيا، هنا تفضيل، وأوجه التفضيل كثيرة، باعتبار أن تلك الدار الآخرة باقية، وهذه الدار الدنيا فانية، باعتبار أن الدار الآخرة لا متناهية، ودار الدنيا ما أسرع زوالها وانقضاءها، وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنعام:32].
تفسير قوله تعالى: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ...)

 تذكير الله لرسوله بتكذيب الرسل من قبله
قال الله عز وجل: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33].اعلم يا محمد! أنك لست في الطريق وحدك، وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام:34]، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم، كلهم كذبوا، فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا [الأنعام:34]، نصر الله أتاهم في نهاية الأمر، وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ [الأنعام:34]، أي: لقدره جل جلاله، وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ المُرْسَلِينَ [الأنعام:34].
تفسير قوله تعالى: (وإن كان كبر عليك إعراضهم ...)
ثم خاطب الله نبيه صلى الله عليه وسلم بحزم وقوة: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ [الأنعام:35].يعني: الناس هؤلاء لا فائدة فيهم، وأنت لو صنعت نفقاً في الأرض وأتيتهم بآية فلا فائدة! لو صنعت سلماً وصعدت إلى السماء مثلما قالوا له: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا [الإسراء:90]، إلى أن قالوا: أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ [الإسراء:93]، أمامنا، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه [الإسراء:93]، وبعضهم قال له: ولو فعلت ما آمنت بك، ترقى أمامنا وتنزل كتاباً، وبعد هذا لا فائدة؛ ولذلك الله عز وجل أيئسه، قال له: لا تشتغل بهم، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ [الأنعام:35]، ثم قال: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى [الأنعام:35]، هذه مشيئته جل جلاله ولا راد لقضائه، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:99]، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود:118]، وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [النحل:93]؛ ولذلك ختم هذه الآيات بقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام:35]، قال النسفي : المعنى: من الذين يجهلون ذلك. أسأل الله عز وجل أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.
 تذكير الله لرسوله بتكذيب الرسل من قبله
قال الله عز وجل: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33].اعلم يا محمد! أنك لست في الطريق وحدك، وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام:34]، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم، كلهم كذبوا، فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا [الأنعام:34]، نصر الله أتاهم في نهاية الأمر، وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ [الأنعام:34]، أي: لقدره جل جلاله، وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ المُرْسَلِينَ [الأنعام:34].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآيات [27-35] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net