اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآية [1] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الأنعام - الآية [1] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
تعتبر سورة الأنعام السورة الطويلة الوحيدة التي نزلت جملة واحدة، وقد علل بعضهم هذا بكونها اشتملت على موضوعات تتعلق بالعقيدة والتوحيد، وقد كان هذا مع أول آية فيها حيث افتتحت بـ(الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور).
بين يدي سورة الأنعام
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير, وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:فنحمد الله الذي جمعنا في هذا المجلس المبارك، ونسأله سبحانه كما جمعنا فيه أن يجمعنا في جنات النعيم, وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم, وأن يجعلنا إخواناً على سرر متقابلين، أما بعد:فابتداء من هذا الدرس -إن شاء الله- نشرع في تفسير سورة الأنعام, وقبل الشروع في تفسير آياتها نذكر مقدمات تتعلق بأغراض هذه السورة وعدد آياتها, ومن أي النوعين هي: أمكية أم مدنية؟ ثم نتكلم عن وقت نزولها وترتيبها في كتاب الله عز وجل, مع بيان اسمها وحكمة إنزالها جملة واحدة.
 الأغراض التي اشتملت عليها سورة الأنعام
اشتملت هذه السورة المباركة على أغراض: أولاً: أنها في ابتدائها أشعرت الناس بأن حق الحمد ليس إلا لله؛ لأنه سبحانه وتعالى مبدع العوالم كلها, سواء كانت جواهر كالسموات والأرض, أو أعراضاً كالظلمات والنور, فهو المتفرد بالإلهية, وإبطال تأثير الشركاء من الأصنام والجن.ثانياً: تنزيه الله عز وجل عن الصاحبة والولد: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ [الأنعام:101] رداً على المشركين الذين قالوا: الملائكة بنات الله, واليهود الذين قالوا: عزير ابن الله, والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله. قال أبو إسحاق الإسفرائيني رحمه الله تعالى: في سورة الأنعام كل قواعد التوحيد: توحيد الربوبية, وتوحيد الألوهية, وتوحيد الأسماء والصفات, ففي توحيد الربوبية قوله: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا َ [الأنعام:164]، وفي توحيد الألوهية قوله: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا [الأنعام:14]، وقوله: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا [الأنعام:114]، وفي توحيد الأسماء والصفات قوله: إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [الأنعام:95-96]، إلى غير ذلك من الآيات المباركات.ثالثاً: موعظة المعرضين عن آيات القرآن، والمكذبين بالدين الحق, وتهديدهم بأن يحل بهم ما حل بالقرون المكذبين من قبلهم, يقول الله عز وجل: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [الأنعام:6].يقول الله عز وجل: يا معشر قريش! يا أيها المعاندون المكذبون! لا تظنوا أنكم بدع من الأمم, فقد أهلكت من قبلكم عاداً وثمود, وأصحاب الرس، وقوم نوح وقوم لوط.. وغيرهم من الأمم كانوا أشد منكم قوة, وأكثر أموالاً وأولاداً, فلو أنكم تماديتم في تكذيبكم فسيسري عليكم ما سرى عليهم. رابعاً: تثبيت قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأنه لا يؤاخذ بإعراض قومه, يقول الله عز وجل: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33] يعني: يقول الله عز وجل: يا محمد! صلوات الله وسلامه عليه, هؤلاء الناس لا يعتقدون أنك كذاب, فهم يعلمون بأنك صادق؛ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام:33-34], أي: لست أول رسول يكذب, فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا [الأنعام:34], وكما أتاهم نصرنا سيأتيك نصرنا, وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الأنعام:34].ثم يسلي الله نبيه صلى الله عليه وسلم: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ [الأنعام:35]، يقول الله له: ماذا أنت صانع بهؤلاء القوم الذين يطلبون الآيات ويقترحونها؟ يقولون: لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا [الفرقان:21], لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ [الإسراء:90-93] وهذا الكلام كانوا يقولونه، ويتبجحون به في مواجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأمره الله عز وجل بالإعراض عنهم وتركهم.خامساً: بيان حكمة إرسال الله الرسل, وأنها الإنذار والتبشير, وليست وظيفة الرسل إخبار الناس بالمغيبات, يقول سبحانه: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام:50]، فهذه كلها لا أدعيها, لست إلا رسولاً بشراً, مبعوثاً من عند الله عز وجل أبشركم وأنذركم.سادساً: أن تفاضل الناس بالتقوى, والانتساب إلى دين الله, وإبطال ما شرعه أهل الشرك من شرائع الضلال، فقد كان المشركون كما أخبر عنهم ربنا: قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58]، إذا قيل لهم: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً [الأنعام:145]، أي: الميتة حرام, قالوا له: ( يا محمد! الميتة من قتلها؟ قال: الله, قالوا له: ما قتلته بيدك حلال, وما قتله الله حرام! )، قال الله عز وجل: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121]، فيبطل الله عز وجل هذه الشرائع الزائفة التي ادعاها هؤلاء الزنادقة. سابعاً: المنة على هذه الأمة بما أنزل الله من القرآن, الذي هو هدى ورحمة, كما أنزل الكتاب على موسى, وأن الله جعل هذه الأمة أمة خاتمة للأمم الصالحة, وبيان فضيلة القرآن ودين الإسلام, وما منح الله لأهله من مضاعفة الحسنات، ولذلك في الختام يقول تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأنعام:160].هذه هي الأغراض التي اشتملت عليها هذه السورة المباركة.
تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور...)
يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم. الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]، افتتحت السورة بالحمد لله, وفي القرآن الكريم خمس سور افتتحت بالحمد لله, أولها: سورة الفاتحة, وهذه الثانية, والثالثة سورة الكهف, والرابعة: سورة سبأ, والخامسة: سورة فاطر، فهذه خمس سور افتتحت بالحمد.وهناك تسع سور سواها افتتحت بالتسبيح: إما بسبحان, كسورة بني إسرائيل, أو: سبح, كسورة الحديد والحشر والصف, أو: يسبح, كسورة الجمعة وسورة التغابن, أو: سبح, كما في سورة الأعلى.
 دلالة تقديم الله للظلمات على النور
السؤال الرابع وبه نختم: لماذا قدم الله الظلمات على النور؟قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: لأن الظلمات سابقة, يعني: في خلقك أنت أيها الإنسان خلقك الله عز وجل في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة, ثم أخرجك من بطن أمك إلى النور, يمكن أن يقال هذا الجواب, ويمكن أن يقال غيره. على كل حال هذه أربعة أسئلة: السؤال الأول: لماذا جمعت السموات, وأفردت الأرض؟ السؤال الثاني: لماذا عبر بخلق ثم عبر بجعل؟السؤال الثالث: لماذا جمع الظلمات وأفرد النور؟ والسؤال الرابع: لماذا قدم الظلمات على النور؟ ونسأل الله أن يهدينا سواء السبيل, ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم, وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم, اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل, ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل, وما قضيت لنا من أمر فاجعل عاقبته رشداً يا أرحم الراحمين. اللهم أعطنا ولا تحرمنا, وزدنا ولا تنقصنا, وأكرمنا ولا تهنا, وارفعنا ولا تضعنا, وآثرنا ولا تؤثر علينا, اللهم اجعلنا لك ذاكرين, لك شاكرين, لك مخبتين, لك مطواعين, إليك أواهين منيبين, اللهم تقبل توبتنا واغسل حوبتنا وأجب دعوتنا, وثبت حجتنا، وسدد ألسنتنا, واهد قلوبنا, واسلل سخيمة صدورنا, اللهم اجعل بلادنا هذه آمنة مطمئنة سخية رخية وسائر بلاد المسلمين, اللهم ارفع عنا البلاء والغلاء والوباء والزلازل والمحن، وسائر الفتن ما ظهر منها وما بطن, اللهم اجعل هذا المجلس المبارك شاهداً لنا لا علينا, واجعله في صحائف حسناتنا يوم نلقاك, اللهم كما جمعتنا فيه نسألك أن تجمعنا في جنات النعيم, وأن ترزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم, وأن تجعلنا إخواناً على سرر متقابلين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الآخرة حسنة, وقنا عذاب النار, اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين, والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآية [1] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net