اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآية [151] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الأنعام - الآية [151] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
إن من أعظم آيات القرآن المحكمات آيات الوصايا العشر، والتي تناولت أموراً وتشريعات اتفقت عليها جميع الشرائع السماوية كالدعوة إلى توحيد الله ونبذ الشرك به سبحانه وبيان خطره على الإنسان، وكذلك الوصية بالوالدين وبيان حقهما وكيفية التعامل معهما، وتحريم قتل النفس المحرمة بغير حق شرعي يبيح قتلها، والنهي عن ارتكاب الفواحش الظاهرة والباطنة وغيرها.
تفسير قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ...)
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:يقول سبحانه وتعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:151-153].هذه الآيات المباركات آيات محكمات، لم تنسخ في شريعة من الشرائع، وأنها متضمنة وصية محمد صلى الله عليه وسلم عليها خاتمه لم يفك، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه، وأن هذه الوصايا العشر المباركة قد أنزلها الله عز وجل في كل كتاب وعلى كل رسول، فهي مما اتفقت عليها الشرائع، وهي مقسمة على أقسام ثلاثة: القسم الأول: وقد تضمنتها الآية الأولى وهي الوصايا الخمس، وهي آداب اجتماعية، قال تعالى: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام:151].القسم الثاني: آداب تكون بين الخلق، وهي ما يسمى بالمعاملات، قال تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [الأنعام:152]، وسيأتي الكلام عن عهد الله عز وجل، وأنه متضمن للعهود التي تكون بين الناس، مما لا يقتضي تحليل حرام، أو تحريم حلال.القسم الثالث: أدب جامع لهذه الوصايا كلها بلزوم صراط الله المستقيم، قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]. يقول ربنا الملك العلام: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]، وأن هذه دعوة من رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس؛ من أجل أن يستمعوا إليه، وينتبهوا لدعوته، ويمتثلوا أمره، وأن هذا الذي يبلغهم إياه إنما هو وحي من الله عز وجل.
 ما تفيده (لعل) في القرآن الكريم
قال الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام:151]، ثم قال: ذَلِكُمْ [الأنعام:151]، الإشارة إلى الأمور الخمسة: النهي عن الشرك، والأمر ببر الوالدين، والنهي عن قتل الأولاد مخافة الإملاق، والنهي عن قربان الفواحش، والنهي عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وَصَّاكُمْ بِهِ [الأنعام:151] وصاكم به ربكم، والوصية: الأمر المؤكد لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام:151].قد مر بنا بأن (لعل) من أخوات (إن) وهي تفيد الترجي، و(ليت) تفيد: التمني.وهنا قال الله عز وجل: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام:151]، فهل الله عز وجل يترجى؟معاذ الله إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، ولذلك للمفسرين فيها قولان: القول الأول: بأن (لعل) في القرآن كله على بابها من الترجي إلا في موضع واحد في سورة الشعراء، قول ربنا جل جلاله على لسان هود عليه السلام: وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [الشعراء:129]، قالوا: هنا (لعل) بمعنى: كأن، وتتخذون مصانع كأنكم خالدون في هذه الدنيا.إذاً: (لعل) في القرآن كله على بابها من الترجي؛ لكن الترجي في حيز المخلوقين، قال الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] والمعنى على رجاء منكم أن تحصل لكم التقوى.وقال الله عز وجل في كفارة اليمين: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:89] على رجاء منكم أن يحصل لكم الشكر.القول الثاني وهو الأوجه: أن (لعل) بمعنى اللام، أي: للتعليل، قال الله عز وجل: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام:151]، أي: ذلكم وصاكم به لتعقلوا، وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول القائل: فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثقفلما كففنا الحرب كانت عهودكم كلمع سراب في الفلا متألقفقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف، أي: كفوا الحروب لنكف.اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، اللهم فرج همومنا, ونفس كروبنا، واغفر ذنوبنا، وطهر قلوبنا، واستر عيوبنا، واشرح صدورنا، ويسر أمورنا، وحسن أخلاقنا، ووسع أرزاقنا، وبلغنا آمالنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا!يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب! صرف قلوبنا على طاعتك!اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين!اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا، ولمن علمنا وتعلم منا! اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لأخينا محمد الحبيب ، اللهم ارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، اللهم افسح له في قبره ونور له فيه، وجازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، وارحمنا اللهم برحمتك إذا صرنا إلى هذا المصير.ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع المرسلين، والحمد لله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآية [151] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net