اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآيات [145-150] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الأنعام - الآيات [145-150] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
إن من رحمة الله بهذه الأمة وضعه الإصر والأغلال التي كانت على من قبلهم عنهم، وما حرم الله عليهم ما حرم من الطيبات إلا لبغيهم. ومن سنن الكافرين والمشركين الاحتجاج على شركهم وكفرهم بالقدر، وقد تبعهم في الاحتجاج بالقدر على المعاصي كثير من العصاة المخذولين.
تفسير قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه ...)
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.أما بعد:
 إثبات اسم الله (الرحمن الرحيم) وما يدلان عليه
ويستفاد من هذه الآية كذلك: إثبات الاسمين الحسنين لله رب العالمين: أنه جل جلاله غفور، وأنه رحيم.ويستفاد منها: إثبات ما دل عليه هذان الاسمان من عظيم مغفرته وسعة رحمته جل جلاله.
تفسير قوله تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ...)
ثم يقول سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام:146]. هنا الله عز وجل يمتن علينا ويقول لنا: يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليس ثمة حرام إلا هذه الأربعة في كتاب الله عز وجل، فقارنوا حالكم بحال من كان قبلكم، واعلموا أن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد بعثه الله ليضع عنكم الإصر والأغلال التي كانت على من قبلكم؛ ولذلك نحن دائماً ندعو الله فنقول: رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286] ومن الإصر الذي حمله الله عز وجل على أمة اليهود الفاجرة الخاطئة: أنه سبحانه حرم عليهم هذه المذكورات في هذه الآية.
 تعظيم الله لنفسه العظيمة المجيدة
ثم قال: وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام:146]، ( وَإِنَّا ) الله عز وجل يعظم نفسه، كما قال: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] وقال: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1] وقال: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3] وقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر:9] وقال: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ َ [الزمر:2] وقال: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ [المائدة:44]. وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام:146] والله عز وجل هو أصدق القائلين وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حديثًا [النساء:122] قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران:95] وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام:146].
تفسير قوله تعالى: (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ...)
ثم قال سبحانه وتعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ [الأنعام:147].( فَإِنْ كَذَّبُوكَ ) قيل: المراد اليهود، أي: لو أنهم كذبوك يا محمد! وزعموا أن الله عز وجل ما حرم عليهم هذه الأشياء جزاءً على بغيهم.وقيل المراد: مشركو مكة الذين افتروا على الله الكذب، فحرموا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا [الأنعام:139]، وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ [الأنعام:138]، فإن كذبك هؤلاء فلا تكثر من جدالهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات.
 التنبيه على الجميع بين الترغيب والترهيب في المواعظ
وهذه الآية فيها تنبيه للدعاة أن يجمعوا في مواعظهم بين الترغيب والترهيب فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:147]، وقد ختمت هذه السورة بآية: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:165], وفي سورة الحجر: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:49-50].وفي صدر سورة غافر: حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ [غافر:1-3]، فلا بد من الجمع بينهما: ترغيب وترهيب فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:147].
تفسير قوله تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ...)
ثم قال سبحانه: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:148]، وفي قراءة: (كَذَلِكَ كَذَبَ) حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [الأنعام:148]. ‏
 ما يستفاد من الآية
وقول ربنا جل جلاله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ... [الأنعام:148]، يستفاد منه فوائد:1- أن هذا القرآن من عند الله عز وجل، ودليل كونه من عند الله: أنه أخبر بشيء يكون في المستقبل، وما استطاع المشركون التخلص منه؛ لأنه لو كان القرآن من عند غير الله لما قال المشركون تلك المقالة من أجل أن يثبتوا على النبي صلى الله عليه وسلم الكذب، لكنهم قالوا ما أخبر الله عز وجل أنهم سيقولونه.2- بطلان الاحتجاج بالقدر على الشرك والمعاصي، فلا ينبغي لعاقل أن يحتج بالقدر على الشرك والمعاصي.3- ذم من يحتج بالقدر على ما يقع فيه من الشرك والمعاصي.4- أن كل من يحتج بالقدر على الشرك والمعاصي فهو متبع سنن الكفار الذين كانوا من قبل، كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:148].5- أن سنة الله عز وجل جارية في إنزال بأسه ونكاله في كل من احتج بالقدر على شركه أو معصيته ولم يتب إلى الله عز وجل من ذلك.6- ذم الاعتماد على الظن، بمعنى التخمين والحدس الذي لا يقوم على دليل.
تفسير قوله تعالى: (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين)
ثم قال الله عز وجل: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الأنعام:149] أي: قل لهؤلاء المشركين: لله جل جلاله الحجة البالغة.قال أهل التفسير: الحجة البالغة: هي التي تقطع كلام الخصم، فلا يستطيع أن يرد عليها ولا أن يجيب عنها.قال: فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149] وفيه إثبات للمشيئة الكونية القدرية.
 ما يستفاد من الآية
وقول ربنا جل جلاله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ... [الأنعام:148]، يستفاد منه فوائد:1- أن هذا القرآن من عند الله عز وجل، ودليل كونه من عند الله: أنه أخبر بشيء يكون في المستقبل، وما استطاع المشركون التخلص منه؛ لأنه لو كان القرآن من عند غير الله لما قال المشركون تلك المقالة من أجل أن يثبتوا على النبي صلى الله عليه وسلم الكذب، لكنهم قالوا ما أخبر الله عز وجل أنهم سيقولونه.2- بطلان الاحتجاج بالقدر على الشرك والمعاصي، فلا ينبغي لعاقل أن يحتج بالقدر على الشرك والمعاصي.3- ذم من يحتج بالقدر على ما يقع فيه من الشرك والمعاصي.4- أن كل من يحتج بالقدر على الشرك والمعاصي فهو متبع سنن الكفار الذين كانوا من قبل، كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:148].5- أن سنة الله عز وجل جارية في إنزال بأسه ونكاله في كل من احتج بالقدر على شركه أو معصيته ولم يتب إلى الله عز وجل من ذلك.6- ذم الاعتماد على الظن، بمعنى التخمين والحدس الذي لا يقوم على دليل.
تفسير قوله تعالى: (قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ...)
قال الله: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا [الأنعام:150]، هلم: اسم فعل على لغة أهل الحجاز، بمعنى: أحضروا وقربوا، والمعنى: أحضروا شهداءكم. والشهداء: جمع شاهد وشهيد. وهو الذي يخبر بحق للغير على الغير. فالشهادة: إخبار بحق للغير على الغير. والإقرار: إخبار بحق للغير على النفس. قُلْ هَلُمَّ [الأنعام:150] أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المفترين: أحضروا شهداءكم وقربوهم، الذين يشهدون أن الله حرم هذا، فليشهدوا أن الله حرم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وحرم ما في بطون هذه الأنعام على الإناث إلا إذا كانت ميتة.ولو فرض أنهم أحضروا فهم كذابون مفترون يشهدون شهادة الزور، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ [الأنعام:150] أي: هؤلاء الذين يشهدون الزور لا تشهد معهم.
 مساواة الكفار لله بالأصنام
فالله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الأنعام:150] أي: من كفر بالآخرة، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:150] أي: يساوون به غيره وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165].وبِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يعدلونه حين يقولون: هذا لله وهذا لشركائنا، فكانوا يساوون شركاءهم بالله عز وجل.وسنبدأ في شرح الوصايا العشر في هذا السورة المباركة في الدرس القادم إن شاء الله.ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار!اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآيات [145-150] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net