اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآيات [125-128] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الأنعام - الآيات [125-128] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
الله عز وجل هو خالق الخلق والقادر عليهم، يفعل في ملكه ما يشاء، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، وصراطه مستقيم وطريقه واضحة، فمن وفق لها أدخله جنته دار السلام، ومن انحرف عنها، واتبع هواه، ووالى الظالمين من الإنس أو الجن فالنار مثواه، خالدين فيها أبداً.
تفسير قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام...)
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين, حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, كما يحب ربنا ويرضى, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير, وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد: فقد بين ربنا جل جلاله في هذه السورة المباركة أن المشركين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم بعض المعجزات الحسية, قال الله عز وجل: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الأنعام:37], وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام:8], وربنا جل جلاله في قوله سبحانه: فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125] يبين أن الهداية ليست موقوفة على رؤية المعجزات, وإنما الهداية في مبتدئها وفي أساسها هي عطية من الله عز وجل, كما قال ربنا سبحانه: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ المَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ [الأنعام:111], وكما قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:96-97], فالهداية من الله عز وجل, وهذا المعنى قد سبق تقريره في قول ربنا جل جلاله: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122].يقول الله عز وجل: فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125].هذه الجملة شرطية, أداة الشرط: من, وفعل الشرط: (يرد), وجوابه: (يشرح), فمن (يرد) الله له الهداية.. من يرد الله له النجاة يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125], (يشرح): أصل الشرح: الشق, يقال شرحت اللحم إذا شققته, ويقال للقطعة من اللحم: شريحة. ومعنى الشرح يستخدم مجازاً في الإيضاح والبيان يقال: شرحت الآية إذا أوضحتها وبينت معانيها, والشرح كذلك مستخدم في انجلاء الأمر واطمئنان القلب له، وراحة البال به, وهذا المعنى وارد في قول ربنا جل جلاله في معرض الامتنان على نبيه عليه الصلاة والسلام: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1], فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى هذه الآية فيما روي عنه: ( أنه سئل عن أكيس المؤمنين فقال: أكيس المؤمنين أكثرهم للموت ذكراً, وأحسنهم لما بعده استعداداً, قيل له: يا رسول الله! فإن الله تعالى يقول: فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125] ), قال عليه الصلاة والسلام: (إذا نزل النور في القلب انشرح الصدر له وانفسح, قالوا: يا رسول الله! فما أمارة ذلك؟ قال: التجافي عن دار الغرور, والإنابة إلى دار الخلود, والاستعداد للموت قبل نزول الموت).وفي معنى هذه الآية قول ربنا جل جلاله في سورة الزمر: أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الزمر:22], وفي معناها قول ربنا جل جلاله: وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات:7].
 الهداية والضلال من الله تعالى
وقوله: كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام:125]. هذه الآية تقرر المعنى الذي مضى بيانه مراراً من أن الهداية والضلال كله من الله عز وجل: مَنْ يَشَإِ اللهُ يُضْللهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:39], مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17], مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:178].
تفسير قوله تعالى: (وهذا صراط ربك مستقيماً قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون)
يقول الله عز وجل: وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [الأنعام:126].قوله: وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ [الأنعام:126], الخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, أي: ما ورد في هذه السورة وفي غيرها من السور، من الآيات البينات والبراهين الساطعات والدلائل الواضحات: صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا [الأنعام:126]. ‏
 وصف الله القرآن بالاستقامة وعدم الاعوجاج
لقد وصف الله عز وجل القرآن بالاستقامة ونفى عنه الاعوجاج في قوله سبحانه: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا [الكهف:1], وفي قوله سبحانه: قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر:28], فهذا القرآن مستقيم, والحديث عند الترمذي عن علي رضي الله عنه مرفوعاً في وصف القرآن الكريم: ( وهو حبل الله المتين, وهو الصراط المستقيم, من قال به صدق, ومن حكم به عدل, ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ).قوله: قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ [الأنعام:126], أي: قد بينا وأوضحنا, الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [الأنعام:126], أي: لقوم ينتفعون ويرعون.
تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ...)

 الرد على الملاحدة القائلين بأنه من الظلم تعذيب الكافرين في النار أكثر من مدة عصيانهم
هنا يرد علينا سؤال: إذا تقرر بأن أهل النار في النار خالدون, فقد طرح بعض الملاحدة سؤالاً أورده العلامة الشيخ: محمد الأمين الشنقيطي عليه رحمة ربنا، فقال: سأل بعض الملاحدة سؤالاً فقال: أنتم تزعمون أن ربكم في غاية العدالة والإنصاف, لا نقول ربنا جل جلاله: العادل, بل نقول: ربنا هو: العدل جل جلاله .. هو: الحكم العدل وقد قرأنا في القرآن: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49], وقرأنا: إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40], وقرأنا قول ربنا: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [الأنعام:160]. يقول الملحد: إذا كنتم تزعمون أن ربكم في غاية العدالة والإنصاف فإن هؤلاء الكفار والمنافقين قد عصوا ربهم في الدنيا أياماً معدودة, والواحد منهم عاش ثلاثين سنة أو ستين أو تسعين أو مائة أو مائتين أو عاش ألف سنة.. ثم بعد ذلك مات, فلم لا يكون العذاب بقدر العقوبة؟ بمعنى أنه من عصى الله ستين سنة يعذب في النار ستين سنة، وبعد هذا يخرج من جهنم أو يكون تراباً, كما قال الله عز وجل للبهائم: كوني تراباً، وحينها: يَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40], يعني: غاية أمله أن يكون تراباً.والجواب هو: أن الله عز وجل لا يعامل البشر كما يعامل البشر البشر, فإن البشر يعاملون البشر بما ظهر منهم, لكن الله جل جلاله يعلم ما ظهر وما خفي, وقد قرر ربنا جل جلاله أن هؤلاء الكفار الفجار لو أخرجوا من النار ورجعوا إلى الدنيا سيرجعون إلى الكفر؛ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:27-28], قال الله عز وجل: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:22-23], فالله جل جلاله يعامل البشر بما علم منهم, وهو سبحانه: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7]؛ ولذلك كونه جل جلاله قد حكم عليهم بأنهم مخلدون في النار, وأنه كلما نضجت جلودهم بدلهم الله عز وجل جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب, فهذا جزاء على ما أظهروا وأضمروا, وجزاء على خبث طواياهم وفساد نواياهم, وأنهم قد أضمروا في أنفسهم الكفر بالله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، نسأل الله العافية!وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير قوله تعالى: (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون)

 ولاية الله لعبده المؤمن
يقول الله عز وجل: وَهُوَ وَلِيُّهُمْ [الأنعام:127], الله أكبر! هو ناصرهم, هو مؤيدهم, هو موفقهم, هو مسددهم, فكلمة الولاية شاملة لهذه المعاني كلها، اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:257], أي: ناصرهم ومؤيدهم وموفقهم ومسددهم, ولاية من الله للعبد, وولاية من العبد لله عز وجل. وولاية العبد لله: أنه يوالي بين الطاعات ويتابع القربات ويداوم على ما يقربه لربه, وولاية الله للعبد: أنه يتولاه بتوفيقه وتسديده ونصره وتأييده.ثم قال: بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:127], أي: بسبب ما قدموا من الطاعات والصالحات.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآيات [125-128] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net