اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآيات [115-118] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة الأنعام - الآيات [115-118] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
القرآن الكريم أحسن الحديث، ولذا كانت أخباره متصفة بالصدق لا يعتريها ظلم ولا جور، فمن أخباره العادلة الإخبار بأن أكثر الناس على ضلال، كما أن من أحكامه العادلة تحريم الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه.
تلخيص لتفسير ما سبق من آيات
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين, حمدًا كثيراً طيباً مباركاً فيه, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير, وعلى آله وصحبه أجمعين.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59].وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين, وآل كل وصحبه أجمعين, وأسأل الله أن يحسن ختامي وختامكم وختام المسلمين, وأن يحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.اللهم علمنا علمًا نافعًا, وارزقنا عملاً صالحاً, ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى, أما بعد: أيها الفضلاء! فقد توقف بنا الكلام في الدرس الذي مضى عند قول ربنا جل جلاله: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ [الأنعام:114], وعلمنا أن هذه الحجة الناصعة لقنها رب العالمين جل جلاله محمداً صلى الله عليه وسلم, حين عرض عليه المشركون أن يذهبوا معه إلى بعض كهنتهم أو إلى بعض علماء اليهود والنصارى ليسألوهم: أمحمد صلى الله عليه وسلم صادق أم كاذب؟ فأمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول لهؤلاء القوم: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا [الأنعام:114], أأطلب حكماً غير الله عز وجل؟! والحال أنه سبحانه: أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا [الأنعام:114], قد فصل فيه الأحكام والأخبار والقصص والأمثال والأمر والنهي والوعد والوعيد.ثم قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام:114].هؤلاء الذين يريد المشركون أن يأتوهم ليسألوهم عنك يعلمون علم اليقين أن هذا القرآن: مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ , كما قال سبحانه: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146]. ثم ختمت الآية بقول ربنا: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ [الأنعام:114], وعلمنا أن هذا الخطاب موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, والمراد به أمته كما في قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65], وكما في قول الله عز وجل: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ [القصص:86], ونحو ذلك من الآيات, فمعاذ الله أن يمتري رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومعاذ الله أن يكون صلوات ربي وسلامه عليه ظهيراً للكافرين, ومثلها قول ربنا جل جلاله: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا [الإنسان:24], وهو عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يطيع آثماً أو كفوراً.
 

تفسير قوله تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً ...)

 دلالة اختتام الآية بقوله: (وهو السميع العليم)
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115], ختم ربنا جل جلاله هذه الآية المباركة بهذين الاسمين الحسنين الجليلين: السَّمِيعُ الْعَلِيمُ , وقد دل على صفتين عظيمتين: الصفة الأولى: أنه جل جلاله سميع بسائر المسموعات، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء, ( يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ), وأنه سبحانه وتعالى عليم بكل معلوم لا تخفى عليه خافية: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [سبأ:3]. لا يكاد الواحد منا يقلب صفحة من صفحات المصحف الشريف إلا وجد تذييلاً للآيات بهذه الأسماء وتلك الصفات: وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115], إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:139], وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11], وهذا يدل على أن أعظم زاجر وأقوى رادع هو مراقبة الله عز وجل, فمن راقب الله سارع إلى إنفاذ أوامره واجتناب نواهيه.والمثال المحسوس كما قال بعض المفسرين: لو أن ناساً علموا أن ملكاً في ناحية من النواحي -شديداً بأسه عظيماً بطشة, سيفه مسلط, ونطعه مبسوط, وجلاده قائم- واقف بين الناس وقد خشعت منهم الأبصار وسكنت منهم الحركات وخفتت الأصوات, وحول هذا الملك حشمه وحريمه, فإنه لا يجرؤ أحد أن يغمز لأحداهن، ولا يجرؤ أحد منهم أن يلقي بورقة لواحدة منهن؛ لأنه يعلم أن هذا الملك الشديد البطش، العظيم البأس قد بث عيونه وأرسل في الناس جواسيسه, وأن من فعل ذلك فعقوبته إهدار الدم, وقطع الرأس.لله المثل الأعلى, لو أن الواحد منا استيقن أن الله عز وجل يسمع كلامه ويرى مكانه ولا يخفى عليه شيء من أمره, وأنه جل جلاله عليم بحاله مطلع على أمره، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7], مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7], فإن هذا الإنسان يرتدع عن معصية الله عز وجل. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115].
تفسير قوله تعالى: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ...)
ثم قال ربنا جل جلاله, مخاطبًا نبيه المختار عليه الصلاة والسلام: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ [الأنعام:116].
 معاني الظن في القرآن الكريم
قال: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [الأنعام:116], (إن) بمعنى: ما, أي: هؤلاء الضالون المضلون ما يتبعون في ضلالهم وإضلالهم علماً ظاهراً ولا دليلاً راجحاً ولا حجة بينة, وإنما يتبعون الظن.والظن في القرآن يطلق ويراد به معنيين:المعنى الأول: بمعنى الشك والحدس والتخمين الذي لا يقوم على دليل, كما في قول ربنا جل جلاله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ [النجم:23], وقوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم:28].المعنى الثاني: يطلق الظن مراداً به اليقين, كما في قول ربنا جل جلاله: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة:45-46], فيظنون هنا بمعنى يوقنون, وكما في قول العبد الصالح -نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يقولون تلك المقالة- الذي أوتي كتابه بيمينه ففرح وسر واطمأن وانشرح وقال: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ [الحاقة:19-20], أي: أيقنت، أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:20], ومنه قوله تعالى عياذاً بالله من تلك الحال: وَرَأَى المُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [الكهف:53], لما رأوها أيقنوا أنهم مواقعوها, أي: واقعون فيها, ومكدسون في دركاتها, نسأل الله السلامة والعافية. الظن في هذه الآية بالمعنى الأول وهو الشك, إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [الأنعام:116], الذين عبدوا الأصنام وقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى [الزمر:3], ما كانوا يتبعون إلا الظن، الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا * مَا لَهمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ [الكهف:4-5], ما كان عندهم علم، بل كانوا يفترون على الله الكذب.فالظن بمعنى القول على الله بمجرد الشك والحدس والتخمين مذموم مقبوح منبوذ, سواء كان في العقائد أو كان في الأحكام, أما الظن بمعنى إدراك الطرف الراجح في الأحكام فإن أغلب أحكام الشريعة مبني عليه, المفتي إذا أفتى والقاضي إذا حكم, فإنه يفتي بناء على ظن راجح؛ ولذلك كان سيدنا أبو عبد الله مالك بن أنس رحمه الله, لا يفتي في مسألة إلا قال: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية:32].فالله عز وجل ذم هؤلاء الضالين المضلين بأنهم يتبعون الظن: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الأنعام:116], والخرص هو الكذب, ومنه قول الله عز وجل: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات:10], أي: الكذابون, يتبعون هذا الظن بالكذب على الله عز وجل، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الأنعام:116].
تفسير قوله تعلى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين)
فَكُلُوا [الأنعام:118], كلوا: فعل أمر من الأكل, وماضيه: أكل, وعندنا ثلاثة أفعل في لغة العرب حين نأخذ منها الأمر فإننا نحذف همزتها: أكل.. كل, أخذ.. خذ, أمر.. مر, لما طلق عبد الله بن عمر زوجته وهي حائض, قال عليه الصلاة والسلام لـعمر رضي لله عنه: ( مره فليرجعها ), وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ), لكن إذا كان قبلها حرف عطف يؤتى بالهمزة, كما في قوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132]. قال الله عز وجل: فَكُلُوا [الأنعام:118], فعل أمر من الأكل، فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ [الأنعام:118].
 توجيه قول الله: (إن كنتم بآياته مؤمنين) مع أن المخاطب هم المؤمنون
هاهنا الإشكال في الآية، يقول الله عز وجل: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ [الأنعام:118]، السؤال: أليس المخاطبون بهذه الآية مؤمنين؟ فكيف يقول الله عز وجل: إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ؟ والجواب أن للمفسرين في هذا التذييل وجهين: الوجه الأول: أن اسم الشرط (إن) مراد به معنى إذ, إذ كنتم بآيته مؤمنين، أي: حال كونكم مؤمنين, وكما في الحديث: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر بالمقابر، قال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ), فالمعنى أننا إن شاء الله بهم لاحقون يقيناً؛ لأن الله عز وجل قال: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ [آل عمران:185], وقال: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26], وقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88], جل جلاله, فهاهنا المعنى: ونحن إذ شاء الله بكم لاحقون يقيناً.ومنه قول الله عز وجل: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ [الفتح:27], لَتَدْخُلُنَّ [الفتح:27], اللام واقعة في جواب القسم, الله جل جلاله يقسم أنهم سيدخلون المسجد الحرام يقيناً فتكون (إن) هنا بمعنى: إذ.الوجه الثاني وهو أقرب الأوجه -والله تعالى أعلم- أن تذييل الآية بقوله تعالى: إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ , ليس مراداً به حقيقته، وإنما المراد التهييج والإغراء, ولله المثل الأعلى كما أنك تعلم أن ولدك ذكي ألمعي، وأنه سريع الفهم، حاضر الذهن، فتقول له: كن الأول على زملائك إن كنت ذكياً, هاهنا أنت تريد التشجيع والتهييج والإغراء والتحضيض, فالله عز وجل يأمرنا ويحضنا إن كنا مؤمنين أن نأكل مما ذكر اسم الله عليه, هذا منطوق الآية، ومفهومها: إن كنتم مؤمنين فلا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه, على التفصيل الذي مضى في التفريق بين العامد والناسي.
فوائد من قوله تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً ...) إلى قوله: (... إن كنتم بآياته مؤمنين)
هذه الآيات يستفاد منها فوائد:1- أن كلام الله عز وجل تام في غاية الكمال والجلال.2- أن القرآن كلام الله تكلم به ربنا حقيقة على الوجه الذي أراد.3- أن القرآن أحكامه كلها عدل, وأخباره كلها صدق.4- أنه لا أحد يقدر على أن يبدل كلام الله فيجعل عدله جوراً وصدقه كذباً.5- إثبات الاسمين الكريمين العظيمين: السميع العليم.6- أن الله تعالى سميع بكل مسموع عليم بكل معلوم.7- ما يلزم من ذلك من مراقبة العبد ربه جل جلاله فيما يأتي وفيما يذر.8- الحكم بالضلال على أكثر أهل الأرض، والنهي عن طاعتهم فيما حرم الله تعالى، وأن دأبهم الصد عن سبيل الله.9- أن دين الضالين قائم على الشك والكذب لا اليقين والعلم.10- ذم الظن الكاذب.11- أن علم الله عز وجل قد سبق في الأزل من المهتدي ومن الضال.12- إباحة الأكل مما ذكر اسم الله عليه, قوله تعالى: فَكُلُوا [الأنعام:118], الأمر للإباحة.13- وجوب ذكر اسم الله عز وجل على الذبيحة والصيد. والتذكية الشرعية تكون بثلاث وسائل: إما الذبح، وهذا يكون في الغنم اتفاقاً, وفي البقر على الراجح؛ لأن الله تعالى قال: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67], وإما بالنحر، وهذا يكون في الإبل, بأن يطعن في لبتها, وإما أن يكون بالعقر, والعقر بمعنى: الرمي، أن يرمى المتوحش من الدواب التي أباح الله عز وجل أكلها من صيد البر ترمى بالسهم أو ترمى بالآلة أو أنه يستعمل في صيدها ما كان معلماً من صقر أو كلب؛ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ [المائدة:4], هذه هي الوسائل الثلاث, لا بد فيها من ذكر اسم الله, إذا ذبحت إذا نحرت، إذا عقرت أو أرسلت كلبك المعلم, لا بد أن تذكر اسم الله عز وجل.ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين, والحمد لله رب العالمين.
 توجيه قول الله: (إن كنتم بآياته مؤمنين) مع أن المخاطب هم المؤمنون
هاهنا الإشكال في الآية، يقول الله عز وجل: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ [الأنعام:118]، السؤال: أليس المخاطبون بهذه الآية مؤمنين؟ فكيف يقول الله عز وجل: إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ؟ والجواب أن للمفسرين في هذا التذييل وجهين: الوجه الأول: أن اسم الشرط (إن) مراد به معنى إذ, إذ كنتم بآيته مؤمنين، أي: حال كونكم مؤمنين, وكما في الحديث: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر بالمقابر، قال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ), فالمعنى أننا إن شاء الله بهم لاحقون يقيناً؛ لأن الله عز وجل قال: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ [آل عمران:185], وقال: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26], وقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88], جل جلاله, فهاهنا المعنى: ونحن إذ شاء الله بكم لاحقون يقيناً.ومنه قول الله عز وجل: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ [الفتح:27], لَتَدْخُلُنَّ [الفتح:27], اللام واقعة في جواب القسم, الله جل جلاله يقسم أنهم سيدخلون المسجد الحرام يقيناً فتكون (إن) هنا بمعنى: إذ.الوجه الثاني وهو أقرب الأوجه -والله تعالى أعلم- أن تذييل الآية بقوله تعالى: إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ , ليس مراداً به حقيقته، وإنما المراد التهييج والإغراء, ولله المثل الأعلى كما أنك تعلم أن ولدك ذكي ألمعي، وأنه سريع الفهم، حاضر الذهن، فتقول له: كن الأول على زملائك إن كنت ذكياً, هاهنا أنت تريد التشجيع والتهييج والإغراء والتحضيض, فالله عز وجل يأمرنا ويحضنا إن كنا مؤمنين أن نأكل مما ذكر اسم الله عليه, هذا منطوق الآية، ومفهومها: إن كنتم مؤمنين فلا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه, على التفصيل الذي مضى في التفريق بين العامد والناسي.
تفسير قوله تعالى: (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)
قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ [الأنعام:117]. الله جل جلاله في علمه الأزلي وما جرى به قلمه قد علم من الضال المضل, ومن الهادي المهتدي, هو أعلم من يضل عن سبيله, الله جل جلاله عالم من الشقي ومن السعيد، عالم من ساكن الجنة ومن ساكن النار، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ [الأنعام:117], المهتدون جمع مهتد، كلمة مشتقة من الهدى, والهدى في أصل اللغة مأخوذ من الميل, ومنه الحديث: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في مرض موته وقد عصب رأسه بعصابة يتهادى بين رجلين ), يتهادى أي: يتمايل عليه الصلاة والسلام, والرجلان علي بن أبي طالب , و الفضل بن العباس رضوان الله عليهم، فالهدى هنا معناه: الميل إلى الحق, الميل إلى الصواب, الميل إلى محاب الله عز وجل ومراضيه، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ [الأنعام:117].ثم فرع ربنا جل جلاله على هذا العلم حكماً فقال: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ [الأنعام:118].
 توجيه قول الله: (إن كنتم بآياته مؤمنين) مع أن المخاطب هم المؤمنون
هاهنا الإشكال في الآية، يقول الله عز وجل: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ [الأنعام:118]، السؤال: أليس المخاطبون بهذه الآية مؤمنين؟ فكيف يقول الله عز وجل: إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ؟ والجواب أن للمفسرين في هذا التذييل وجهين: الوجه الأول: أن اسم الشرط (إن) مراد به معنى إذ, إذ كنتم بآيته مؤمنين، أي: حال كونكم مؤمنين, وكما في الحديث: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر بالمقابر، قال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ), فالمعنى أننا إن شاء الله بهم لاحقون يقيناً؛ لأن الله عز وجل قال: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ [آل عمران:185], وقال: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26], وقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88], جل جلاله, فهاهنا المعنى: ونحن إذ شاء الله بكم لاحقون يقيناً.ومنه قول الله عز وجل: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ [الفتح:27], لَتَدْخُلُنَّ [الفتح:27], اللام واقعة في جواب القسم, الله جل جلاله يقسم أنهم سيدخلون المسجد الحرام يقيناً فتكون (إن) هنا بمعنى: إذ.الوجه الثاني وهو أقرب الأوجه -والله تعالى أعلم- أن تذييل الآية بقوله تعالى: إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ , ليس مراداً به حقيقته، وإنما المراد التهييج والإغراء, ولله المثل الأعلى كما أنك تعلم أن ولدك ذكي ألمعي، وأنه سريع الفهم، حاضر الذهن، فتقول له: كن الأول على زملائك إن كنت ذكياً, هاهنا أنت تريد التشجيع والتهييج والإغراء والتحضيض, فالله عز وجل يأمرنا ويحضنا إن كنا مؤمنين أن نأكل مما ذكر اسم الله عليه, هذا منطوق الآية، ومفهومها: إن كنتم مؤمنين فلا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه, على التفصيل الذي مضى في التفريق بين العامد والناسي.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام - الآيات [115-118] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net