اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد لابن اللحام [27] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


القواعد لابن اللحام [27] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
تختلف أصول المذاهب في الأخذ بقول الصحابي، والجمهور على أنه حجة، وأقوال الصحابة على مراتب: فمنها إجماع الخلفاء الراشدين، وهو حجة؛ لأن لهم سنة متبعة، ثم إجماع الشيخين منهم، ثم قول الصحابي إذا انتشر ولم يخالف، ثم قول الصحابي إذا لم ينتشر ولم يخالف، كما أن أقوال الصحابة ليست على السواء بل هي متفاوتة حسب العلم والفتوى.
القاعدة السادسة والستون: لا حجة في إجماع الخلفاء الأربعة مع مخالفة صحابي
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل. وبعد: قال المؤلف رحمه الله: [ القاعدة السادسة والستون: إجماع الخلفاء الأربعة مع مخالفة مجتهد صحابي لهم على حكم ليس بإجماع ولا حجة عند أحمد وأكثر الفقهاء.وعن أحمد رحمه الله تعالى رواية أخرى أنه إجماع، وبها قال أبو حازم الحنفي ، واختارها ابن البنا من أصحابنا.وعن أحمد رواية ثالثة أنه حجة لا إجماع.وقول بعضهم: أحدهم ليس بحجة فيجوز لبعضهم خلافه رواية واحدة عند أبي الخطاب، وذكر ابن عقيل والقاضي رواية لا يجوز، واختارها أبو حفص البرمكى وغيره من أصحابنا وذكر الآمدي أن بعض الناس قال: قول أبي بكر وعمر إجماع ذكره بعض أصحابنا عن أحمد.فأما ما عقده بعضهم كصلح بني تغلب وخراج وجزية فلنا خلاف في جواز نقضه، واختار ابن عقيل يجوز قال: ومنعه أصحابنا ].هذه آخر القاعدة التي أراد المؤلف بيانها في هذا الكتاب، وقد تختلف أصول المذاهب في الأخذ بقول الصحابي، إلا أن جمهور أهل العلم يرون أن أقوال الصحابة -خاصة الفقهاء منهم- معتمدة، وحينما يقولون: حجة وليس بإجماع، يريدون بذلك أن أقوالهم إلى الحق أقرب من غيرهم، فينبغي الرجوع إليهم ولا يخالفون، ولهذا يعتبرونها حجة ظنية، والحجة الظنية لا بأس بمخالفتها لكن لا ينبغي بخلاف الإجماع، سواء كان إجماعاً سكوتياً أو إجماعاً قطعياً، أما الإجماع القطعي فلا خلاف فيه، ثم يأتي بعده الإجماع الظني، ثم يأتي بعده الحجة، فإن الحجة الظنية أقل من مرتبة الإجماع السكوتي، ولهذا ذهب عامة أهل العلم إلى الأخذ بأقوال الصحابة وهو قول الأئمة الأربعة في المشهور عنهم، يقول ابن تيمية: وحاشا الأئمة أن يخالفوا نصاً شرعياً عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إن أبا حنيفة ترك القياس وأخذ بقول الصحابي، فجوز الوضوء بالنبيذ حينما بلغه عن ابن مسعود أنه لا يرى به بأساً، مع أن القياس يخالفه، والأخذ بقول الصحابي أصل من أصول الإمام أحمد ، وهو على مراتب:
 قول الصحابي إن لم ينتشر
قال المؤلف رحمه الله: [ وإن لم ينتشر فعن أحمد رحمه الله تعالى في ذلك روايتان ].(وإن لم ينتشر)، يعني: قول الصحابي إذا لم ينتشر، وأما إذا انتشر فهو حجة ظنية على الراجح، ومعنى حجة ظنية: أنه أقرب إلى الحق، ولكن مخالفه لا يأثم.قال المؤلف رحمه الله: [ إحداهما: أنه حجة مقدمة على القياس اختاره أبو بكر والقاضي و ابن شهاب وصاحب الروضة وغيرهم، وقاله مالك وإسحاق].مالك رحمه الله يرى حجية قول الصحابي، والغالب أنه إذا اختلف الصحابة فإنه يأخذ بقول الصحابي من أهل المدينة؛ ولهذا مالك لا يرى جواز تغطية وجه المحرم، استدلالاً بحديث رواه هو عن نافع عن ابن عمر أنه قال: ( لا يغطي المحرم وجهه )، وقد خالف ابن عمر عثمان رضي الله عنه كما صح عنه، وزيد بن ثابت كما صح عنه، وابن عباس كما صح عنه من حديث حسان: ( ما فوق الذقن من الوجه يغطي المحرم وجهه )، وهذا عن مالك كثير والله أعلم.وابن عباس يعتبر من فقهاء مكة، وقد أكثر من قوله، وأما أحمد فلا يفرق، وهو يرى أقوال الصحابة إلى الحق أقرب، والعلم عند الله.لكن ليس كل الصحابة على سواء، فالغالب أن قول الصحابة الذين عرفوا بالفتوى كابن عمر وجابر وأنس وابن عباس وأبي سعيد وغيرهم تفضل على غيرها.قال المؤلف رحمه الله: [ و الشافعي في القديم وفي الجديد أيضاً فإنه قد صرح في رواية الربيع بأن قول الصحابي حجة يجب المصير إليه فقال: المحدثات في الأمور ضربان.أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً فهذه البدعة الضلالة، والربيع إنما أخذ عنه بمصر، فجعل الشافعي مخالفه الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ضلالة، وهذا فوق كونه حجة، وقاله الحنفية عن الكرخى ، ونقله أبو يوسف وغيره عن أبي حنيفة.والثانية: ليس بحجة ويقدم القياس عليه، اختاره ابن عقيل وأبو الخطاب والفخر إسماعيل ، وقاله الشافعي في الجديد وأكثر أصحابه، والكرخى ، وعامة المعتزلة والأشعرية والآمدي، وذكره ابن برهان عن أبي حنيفة نفسه.والأول: هو المعروف عن أبي حنيفة ].المعروف عن أبي حنيفة أنه يرى حجية قول الصحابي كما قلت لكم في قصة ابن مسعود ، لكن ذكر ابن برهان وغيره عن أبي حنيفة أنه لا يراه حجة.والذي يظهر والله أعلم أن سبب الخلاف هو أن بعضهم يفهم أن كلمة حجة تعني: أنه أقوى من القياس، وأما من نقل عنه أنه ليس بحجة فيعني بذلك: أن مخالفه ليس على ضلال مثل مخالفة الإجماع والله أعلم، فالذي يظهر أن قول الصحابي حجة ظنية، وهم أقرب إلى الحق كما قال ابن مسعود : أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا قدرهم فإنهم على الحق المستقيم.وقد قلت في محاضرة لي عن العناية بفقه السلف: إن من مهمات طالب العلم حين البحث أمور منها: أن يكون صاحب تبتل وعبادة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ [البقرة:282]، ويقول تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء:66]، وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:67]، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:68]، فالعبادة بإذن الله موفقة لطالب العلم، ولهذا أقول: إذا رأيت المشايخ أصحاب التبتل والعبادة والتقشف والخشوع على رأي -وإن كنت ترى أن غيرهم أفقه منهم- فإنهم في الغالب على الحق، خاصة في المسائل العصرية هذه.وكل من تأمل فقه الصحابة وجد أن ثمة مسائل قد لا يلوح بيانها في الأفق إلا بعد التعمق والتأمل، مثل قول ابن عباس فيمن ترك نسكاً: فليهرق دماً، وقول ابن عباس وابن عمر فيمن فعل محظوراً أن يفدي، فهذا قول انتشر عند المدارس الفقهية، وتجد أن بعض طلاب العلم يسارعون في مخالفته، وللصحابة فقه في هذا ودليل، وقد أشرت إلى هذا، فهم أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً. فكلما كان طالب العلم بعيداً عن التعصب، وكلما كان فيه نوع من الاتزان في أخذه للأمور، كلما كان اختياره للقول أقرب للصواب، يعني: بعض النفوس تحب أن تخفف دائماً، وبعض النفوس شديدة دائماً، والحق بينهما، فالحق بين الغالي فيه والجافي عنه، فهذه مهم جداً فهمها في هذا، نسأل الله أن يرزقنا الفقه والعلم النافع. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد لابن اللحام [27] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net