اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد لابن اللحام [14] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


القواعد لابن اللحام [14] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
اتفق الجمهور مع الحنفية في بيان معنى البطلان والفساد في العبادات، واختلفوا فيما يتعلق بالمعاملات؛ فقال الجمهور: لا فرق بين البطلان والفساد في المعاملات، وقال الحنفية: الباطل ما لم يشرع بالكلية، والفاسد ما شرع أصله ولكن امتنع لاشتماله على وصف محرم.
القاعدة الحادية والعشرون: الفرق بين البطلان والفساد
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد: ونسأله سبحانه وتعالى أن ييسر لنا استئناف درس تعليقات على القواعد لـابن اللحام الحنبلي، وقد وصلنا إلى القاعدة الحادية والعشرين.الملقي: قال المؤلف رحمه الله: [ البطلان والفساد مترادفان عندنا وعند الشافعية، وقال أبو حنيفة : إنهما متباينان؛ فالباطل عنده ما لم يشرع بالكلية، كبيع المضامين والملاقيح، والفاسد ما شرع أصله ولكن امتنع لاشتماله على وصف محرم كالربا.إذا تقرر هذا فذكر أصحابنا مسائل فرقوا فيها بين الفاسد والباطل ظن بعض المتأخرين أنها مخالفة للقاعدة.والذي يظهر والله أعلم أن ذلك ليس بمخالفة للقاعدة.وبيانه أن الأصحاب إنما قالوا: البطلان والفساد مترادفان في مقابلة قول أبي حنيفة حيث قال: ما لم يشرع بالكلية هو الباطل وما شرع أصله وامتنع لاشتماله على وصف محرم هو الفاسد.فعندنا كل ما كان منهياً عنه إما لعينه أو لوصفه ففاسد وباطل، ولم يفرق الأصحاب في صورة من الصورتين بين الفاسد والباطل في المنهي عنه، وإنما فرقوا بين الفاسد والباطل في مسائل الدليل ].
 مسائل يفرق فيها الحنابلة بين الفاسد والباطل
الملقي: [ إذا تقرر هذا فذكر أصحابنا مسائل فرقوا فيها بين الفاسد والباطل ظن بعض المتأخرين أنها مخالفة للقاعدة، والذي يظهر والله أعلم أن ذلك ليس بمخالفة للقاعدة ].الشيخ: يعني أنهم حينما فرقوا بين الباطل والفاسد هذا التفريق ليس لوجود الفرق بين الباطل والفاسد، ولكن لوجود امتناع شرط من الشروط التي لم تجعله فاسداً أو لم تجعله باطلاً كما سوف يأتي بيانه.الملقي: [ وبيانه أن الأصحاب إنما قالوا: البطلان والفساد مترادفان في مقابلة قول أبي حنيفة حيث قال: ما لم يشرع بالكلية هو الباطل، وما شرع أصله وامتنع لاشتماله على وصف محرم هو الفاسد، فعندنا كل ما كان منهياً عنه إما لعينه أو لوصفه ففاسد وباطل ولم يفرق الأصحاب في صورة من الصورتين بين الفاسد والباطل ].الشيخ: الحنابلة يقولون: كل ما كان منهياً عنه لعينه أو لوصفه سواء انفك أو لم ينفك يفيد الفساد والبطلان.الملقي: [ ولم يفرق الأصحاب في صورة من الصورتين بين الفاسد والباطل في المنهى عنه وإنما فرقوا بين الفاسد والباطل في مسائل الدليل، منها: إذا أحرم الواطىء حال وطئه هل ينعقد إحرامه أم لا؟كلام أبي البركات صريح في انعقاده، وقال بعض أصحابنا في مسألة البيع الفاسد: إنه لا يجب مضيه فيه فدل على أنه لا ينعقد فيكون باطلاً، ولو جامع قبل التحلل الأول فسد حجه، وحكم الباطل: لا يجب المضي فيه، والفاسد: يجب المضي فيه ].الشيخ: الصورة هنا في الحج يمضي فيه وهذا لا يجب المضي فيه، ليس لأجل التفريق بين الباطل والفاسد، ولكن لأن الحج استثني من العبادات؛ فإن فاسده يجب المضي فيه، وأما الذي أحرم حال انعقاده لا يجب المضي؛ لأن إحرامه لم ينعقد أصلاً، والله أعلم.الملقي: [ ومنها: الكتابة، فإنه إذا كاتب من لا يصح العقد منه فإنها تكون كتابة باطلة، ولا يترتب عليها العتق وسواء كان السيد أو العبد ].الشيخ: يعني لو أن السيد مجنون وكاتب عبده فإن هذا العقد لا يصح أصلاً؛ لأن الكتابة هنا لا تصح.الملقي: [ وقال القاضي: إذا كاتب السيد عبده يعتق بالأداء والمذهب خلافه ].الشيخ: لماذا قال القاضي: يعتق مع أن العبد مجنون، والمجنون لا يصح تصرفه؟ لأن الشارع يتشوف إلى العتق، إذاً: هذا مستثنى لا لأجل علاقة الباطل والفاسد ولكن لأجل أمر آخر، وإن كان المذهب على خلافه.الملقي: [ وكذا لو كاتبه على عوض غير منجم، فالعقد باطل ].الشيخ: يقول: لو كاتبه على عوض غير منجم أي: مقسط. الأصل في الكتابة التقسيط، (إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في كل سنة أوقية)، فلو كاتبه على غير التقسيط فإن العبد لا يستطيع. لأنه ليس معه شيء، فقبل أن يكاتبه كان مال العبد مال لسيده، فإذا كاتبه على أن يسدد اليوم فإن هذا نوع من التعجيز وتكون المكاتبة باطلة أصلاً.الملقي: [ وكذا لو كاتبه على عوض غير منجم فالعقد باطل، ذكره القاضي والشريف و أبو الخطاب ، وصرح ابن عقيل بأن الإخلال بشرط النجوم يبطل العقد، وذكر صاحب التلخيص أن الكتابة تصير فاسدة، ولا تبطل من أصلها ].الشيخ: صاحب التلخيص يقول: لو أن السيد كاتب عبده على عوض غير منجم فإن العقد يثبت، ويصحح التنجيم، ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أن على قول صاحب التلخيص أن العقد ثابت ولا يستطيع السيد أن يبيع العبد حتى يعجز. وأما على قول جمهور الحنابلة فإن العبد حينئذٍ لم يعقد فيجوز أن يبيعه؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولكنه لا يبيعه وقد كاتبه حتى يُعجز نفسه أو يعجز عن ذلك، والله أعلم.الملقي: قال: [ ولكل واحد منهما فسخها ويحصل العتق فيها بالأداء دون الإبراء ].الشيخ: قف على هذا، هذا كلام واضح، وهي مسائل لن تحدث إلا أن يشاء الله.الملقي: قال: [ والمنصوص عن أحمد أن العقد يبطل من أصله وأما إذا كاتبه على خمر أو خنزير فقال القاضي وأصحابه: حكمها حكم المكاتبة الفاسدة ].الشيخ: الآن كاتبه على خمر، فالثمن هو الخمر؟ والثمن وصف في المحل، إذاً: هو على مذهب أبي حنيفة يملكه بالقبض، وعلى مذهب الجمهور لا يملك.الملقي: قال: [ وأما إن كاتبه على خمر أو خنزير فقال القاضي: وأصحابه حكمها حكم المكاتبة الفاسدة، والمنصوص عن أحمد أن العقد يبطل من أصله ولا يقع فيه عتق، قال أحمد في رواية الميموني: إذا كاتبه كتابة فاسدة فأدى ما كوتب، عليه عتق ما لم تكن الكتابة محرمة، معناه على محرم كالخمر والخنزير، وهذا اختيار أبي بكر و ابن عقيل ، وأول القاضي و أبو الخطاب النص ].الشيخ: يعني الآن القاضي و أبو الخطاب حولوا النص الذي قاله أحمد رحمه الله، والفرق بينهما أن أحمد يرى أن الثمن في الكتابة على الخمر يجعلها باطلة، وأما القاضي فإنه يجعلها فاسدة، وأن العقد صحيح ويجب عليه أن يغير الثمن.الملقي: [ سؤال: قول الأكثرين إن الكتابة إذا لم تكن منجمة باطلة من أصلها مع قولهم في الكتابة على عوض مجهول يتغلب فيها حكم الصفة مشكل جداً، وكان الأولى إذا كان العوض معلوماً أن يغلب فيه حكم الصفة أيضاً، والله أعلم ].الشيخ: يقول رحمه الله: إذا كان العوض معلوماً ولو كان الثمن محرماً يجب أن يغلب فيها حكم الصفة، والتفريق بينهما مُشكل، لكن نحن نقول: الراجح -والله أعلم- في مثل هذه الصورة العقد صحيح ولكنه يجب تصحيح العوض؛ لأن الشارع يتشوف إلى العتق، والله أعلم.الملقي: [ ومنها: إذا قبض العين في العقد الباطل فإنها تكون مضمونة عليه على كل حال، سواء كانت صحيحة العين مضمونة فيه أو غير مضمونة، وإن قبضها في الفاسد وكانت صحيحة العين فيه غير مضمونة ففاسد، كذلك ذكره صاحب المغني وغيره ].الشيخ: نعم، ولكن إذا قبضه ثم تلف فإننا نقول: هذا المقبوض بعقد فاسد للحنابلة فيه أقوال:القول الأول: أنه يضمنه بالقيمة، فلو أنه اشترى سيارة قيمتها مائة ألف في السوق بتسعين ثم هلكت وقد قبض بعقد فاسد، فإذا قلنا: يضمنها بالقيمة تكون القيمة ألف مائة، وليس المقصود بالقيمة قيمة المشترى، ولكن قيمة السلعة في السوق، وإذا قلنا: يضمن بالمسمى فإنه يضمن بالمسمى في العقد وهو التسعين، و ابن تيمية يقول: يضمن بالمسمى؛ لأنهما دخلا ورضيا بالثمن، فإذا تبين أن العقد فاسد وقد هلكت فالفاسد يأخذ حكم الصحيح فيما يترتب عليه، هذا اختيار ابن تيمية، والله أعلم.وقوله: (إذا قبض العين في العقد الباطل فإنها تكون مضمونة عليه على كل حال سواء كانت صحيحة العين مضمونة فيه أو غير مضمونة، وإن قبضها في الفاسد وكانت صحيحة العين فيه غير مضمونة ففاسد كذلك). الغير مضمونة مثل لو أتى العين وأخذها برضاه، والمضمونة كأن يكون أخذها من غير رضاه -مثل حكم الغصب- فهذه صحيحة العين مضمونة، والأولى صحيحة العين غير مضمونة، مثل المساومة فإنه إذا كانت برضاه وهي عقد فاسد فهي مثل أن يقول: دعنا نأخذ السيارة دعها عندك، فيكون هذه أمانة، هذا الفرق.وكل هذه الأمثلة التي سوف يذكرها المؤلف لا علاقة لها في الحقيقة بالتفريق بين الفاسد والباطل؛ لأن الحنابلة قولهم واحد، ولكن المؤلف رحمه الله ذكر هذه الصور وهي فيها نوع من التكلف، أو أنها داخلة في عقد النكاح، والله أعلم.وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد لابن اللحام [14] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net