اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد لابن اللحام [11] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


القواعد لابن اللحام [11] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
من القواعد الأصولية: أن الأمر الذي أريد به التراخي لو أخره المأمور به داخل الوقت المتاح، ثم مات قبل أن يفعله فإنه لا يأثم، ولهذه القاعدة تفريعات، من ذلك لو وطأ زوجته الكبيرة المحتملة للوطء ففتقها فإنه لا يضمن، وكذلك لو ضرب المعلم طالبه ضرباً معتاداً فترتب على ضربه تلف فإنه لا يضمن.
القاعدة الخامسة عشرة: الأمر الذي أريد به جواز التراخي ومات المأموم به بعد تمكنه منه
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد: وصلنا إلى القاعدة الخامسة عشرة، وهذه القاعدة من مسائل الحكم كما هو معلوم عند علماء الأصول، والحكم: هو ما يتعلق بخطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً وطلباً ونحو ذلك، وما يتعلق بهما من تكرار هذا الطلب؛ هل يفيد التكرار أو يفيد الفورية ونحو ذلك، ونقرأ القاعدة الخامسة عشرة.الملقي: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الخامسة عشرة: الأمر الذي أريد به جواز التراخي بدليل أو بمقتضاه عند من يراه إذا مات المأمور به بعد تمكنه منه، وقبل الفعل لم يمت عاصياً عند الأكثرين].الشيخ: هذه القاعدة يقول: (الأمر الذي أريد به جواز التراخي بدليل) مثل أن يقال: افعل هذا وأنت بالخيار: أول الوقت أو آخر الوقت، أو يفيد الإطلاق كما قال الله تعالى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، فأطلق الله سبحانه وتعالى العدة من صيام، فيكون هذا واجباً موسعاً، إذا مات المأمور به بعد تمكنه أول الوقت هل يكون عاصياً أم لا؟ بمعنى إذا أفطر في نهار رمضان لعذر، ثم تمكن من أداء العبادة أول الوقت ولكنه لم يفعل، فهل إذا مات يكون عاصياً بتركه القضاء مع إمكانه أول الوقت؟ يقول المؤلف: (لم يمت عاصياً عند الأكثرين)، هذا قول عامة أهل العلم؛ بل حكى الغزالي الإجماع على ذلك؛ لأنه لم يفرط؛ بل قال: إن القول بخلاف ذلك هو خلاف إجماع السلف، يقول: فإنا نعلم أنهم كانوا لا يؤثمون من مات فجأةً بعد انقضاء أربع ركعات من أول الوقت، ولتكن على ذكر أن بعض الأقوال لا تعدوا أن تكون عقلية لكن ليس لها أثر في التطبيق، فإن من علماء الكلام من دخلوا في علم الأصول فقرروا بعض القواعد العقلية التي يرون أنها تجب على الله كما تجب على المخلوق، فأوجبوا على الله أقوالاً، وإن كان أحياناً ليس لها تطبيق في واقع الفقه، وهذا مهم جداً يا إخوان! فنجد أحياناً أقوالاً في التطبيق ليس لها ذكر، لكنها من باب أن بعض علماء الكلام دخل في هذه القاعدة فأوجب وجوز على الله سبحانه وتعالى، وهذا على قاعدتهم في الاعتزال أنهم يوجبون على الله ويجوزون على الله كما يجوزون على المخلوق، ويسمونها قاعدة التحسين والتقبيح العقليين.الملقي: [وقال قوم يموت عاصياً، واختاره الجويني في مسألة الفور والتراخي، وحكى الأول مذهب الشافعي].الشيخ: (وحكى الأول) المراد به الجويني .
 مدى وجوب الفدية على من أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر
الملقي: [ وههنا مسألة مشكلة، وهي أن قضاء رمضان على التراخي جزم به غير واحد من الأصحاب، وعزاه في الخلاف إلى نص أحمد ، وذكره القاضي في الخلاف في الزكاة على الفور أن قضاء رمضان على الفور، واحتج بنصه في الكفارة. فعلى قول القاضي لا إشكال، وعلى قول الجمهور القضاء على التراخي، ومع هذا قالوا: إذا أمكنه القضاء فلم يقض، فإنه يلزمه الإطعام لكل مسكين يوماً. ومقتضى ما تقرر من قاعدة المذهب أنه لا يلزمه شيء، لكن روي الإطعام عن ابن عباس بإسناد جيد، ورواه البيهقي بإسناد صححه عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه مرفوعاً بإسناد ضعيف، وكذلك روي عن طائفة من الأصحاب].الشيخ: المؤلف يقول: ههنا مسألة أن قضاء رمضان على التراخي لقوله تعالى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، إذاً هو على التراخي، يقول: (جزم به غير واحد من الأصحاب، وعزاه في الخلاف إلى نص أحمد )، كتاب الخلاف معروف وهو كتاب القاضي.يقول: (وذكره القاضي في الخلاف في الزكاة على الفور، أن قضاء رمضان على الفور، واحتج بنصه في الكفارة)، يعني الإمام أحمد نص على الكفارة إذا لم يفعل، يقول: (فعلى قول القاضي لا إشكال)؛ لأنه على الفور؛ لأنه غير داخل في قاعدة التراخي، ثم قال: (وعلى قول الجمهور) الذي يفيد التراخي (إذا أمكنه القضاء فلم يقض فإنه يلزمه الإطعام لكل مسكين يوماً)، هذا هو مذهب الشافعية والحنابلة والمالكية، فإنهم قالوا: إذا جاء رمضان الثاني مع تمكنه من القضاء فلم يفعل فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً لما صح عن ابن عباس بإسناد جيد عند البيهقي أنه سئل: عن الرجل أفطر من رمضان فلم يقض حتى جاء رمضان الثاني، قال: يصوم الثاني، ثم يطعم عن كل يوم قضاه مسكيناً، وكذلك صح عن أبي هريرة رضي الله عنه.وهذا لا يمنع من القول بالتراخي؛ لأن الذين قالوا بالتراخي قالوا بالتراخي إلى أمد؛ وهو رمضان الثاني، فالمقصود بالتراخي أن ثمة وقتاً طويلاً يمكن أن يؤخر العبادة عن أول الوقت إلى آخره، فعلى هذا قول الجمهور يكون لا إشكال فيه أيضاً؛ لأنهم قالوا: بالتراخي إلى أمد، فإذا تعدى هذا الأمد ففيه الكفارة، والله أعلم. إذاً على قول الجمهور لا إشكال، إذا قلنا: إن قول الصحابي حجة، وعلى قول الصحابي حجة أيضاً، فإن الذي يظهر -والله أعلم- عند المالكية أن الكفارة على سبيل الاستحباب؛ لأن الله يقول: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وإفتاء الصحابة مبني على قاعدة أصولية أشار إليها الشاطبي رحمه الله -وهذه مهمة جداً- وهي أن فعل الصحابي أو قوله هل يقيد اللفظ العام أم لا؟ فقولنا: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، عام لكل الأيام، وجاءنا فعل الصحابي فقيد، فالذي يظهر -والله أعلم- أن فعل الصحابي يدل على الاستحباب أو على الجواز، لكن لا يدل على الوجوب، وهذه قاعدة معروفة عند علماء الأصول، والله أعلم. وعلى هذا فالراجح -والله أعلم- أن فتوى ابن عباس وأبي هريرة من باب الاستحباب؛ لأن الاعتماد على اللفظ العام وتقييد الصحابي للفظ عام يدل على الاستحباب، ولا يدل على الوجوب؛ بل يدل إما على الجواز وإما على الاستحباب، من ذلك مثلاً: الشارع أطلق ( وفروا اللحى ) وقيده ابن عباس و ابن عمر بما زاد عن القبضة، فهذا تقييد اللفظ العام، فدل على أن فعل الصحابي يجوِّز، لكن لا يوجب، هذه قاعدة عند علماء الأصول، والله أعلم.يا إخوان! بعضكم يشكل عليه أنه لم يكتب، لكن بمجرد إشغال الذهن بالتحريرات تتفتق أذهان الكثير منا، فعلم الأصول ليس مثل غيره من العلوم، علم الأصول مثل الصلصال، يسقط شيء من هنا وآخر من هناك حتى يقوى الإدراك، وبعدما تتخرج وأنت تقرأ تجد أن هذه المعلومات شيء من هنا وشيء من هنا، ثم تبدأ تتجمع، فتكون دائرتك كبيرة، فإن لم توجد قراءة فإن هذا الذي أخذته من العلم يتضمر، أما مع القراءة والاطلاع والإشكالات تكبر معلوماتك، وهذا هو المقصود؛ لأن بعض الإخوة يطالب بعض طلاب العلم ألا يقرأ كتب ابن تيمية إلا في سن معينة وهذا خطأ؛ بل نحن نقول: اقرأ كتب ابن تيمية ما دمت في سن الجامعة في السنة الثانية أو الثالثة في الكلية، اقرأ حتى لو لم تفهم؛ لأن ابن تيمية يعطيك طريقة في الاستدلال، يعطيك طريقة في العقلية، قد لا تفهم عبارته، لكن شيئاً فشيئاً حتى تتسع مداركك، ومثل هذا الجوارب كلما وضعت فيها شيئاً من التراب تمددت، فأنت لا بد أن تكون بهذه الطريقة، بعض الناس يقول: والله خرجت من المدرسة ومن الدرس وما فهمت؟ أقول لكم أنا بأسلوب بسيط: الذين يذهبون يتعلمون لغة إنجليزية بعضهم يجلس ثلاثة أشهر يتعلم ثم أربعة أشهر ويقول لم أفهم، لكن في الواقع هو أخذ معلومات ولا يدري، بعد خمسه أشهر ستة أشهر يبدأ يتكلم بالإنجليزية وهو لا يدري، من أين أتى بتلك الكلمات، هذا هو الفقه، هذا هو مدارك النظر نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين.لعلنا نقف عند هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد لابن اللحام [11] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net