اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد لابن اللحام [8] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


القواعد لابن اللحام [8] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
من المسائل الأصولية التي تكلم عنها الأصوليون -وإن لم تكن ذا فائدة كبيرة في علم الأصول- مسألة هل الكفار مكلفون أم لا؟ أما تكليفهم بالإيمان فهذا محل إجماع، وهل هم مخاطبون بفروع الشريعة؟ فالجمهور على أنهم مخاطبون بذلك، وثمرة الخلاف في هذه المسألة دنيوية وأخروية، وعلى هذا الخلاف ظهر الخلاف في بعض المسائل الفقهية.
القاعدة السابعة: الكفار مكلفون بالإيمان وبفروع الشريعة
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً, اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل, وبعد: فسنستأنف درسنا في كتاب القواعد لـابن اللحام الحنبلي, وقد وصلنا إلى القاعدة السابعة, ومعلوم أن القواعد التي مرت وإن لم تكن من قواعد أو من مسائل الأصول المشهورة إلا أنها من الأهمية بمكان, وهي من عوارض الأهلية، كما مر معنا من الأشياء التي تكون ثمرتها في أصول الفقه ليست كبيرة خاصة القاعدة السابعة, فإن هذه من المسائل التي تحدث فيها الفقهاء رحمهم الله على الأصول وثمرتها في علم الأصول قليلة؛ لأنها تتعلق بولي الأمر, وتتعلق بالثواب والعقاب, ومعرفة ما على المكلف من حكم؛ ولهذا سوف نذكرها على عجل. الملقي: قال المؤلف رحمه الله: [ القاعدة السابعة: الكفار مخاطبون بالإيمان إجماعاً -ونقله القرافي- وبفروع الإسلام في الصحيح عن أحمد رحمه الله تعالى, وقاله الشافعي أيضاً, واختاره أكثر أصحابنا وأصحاب الشافعي و الرازي و الكرخي وجماعة من الحنفية وبعض المالكية, وجمهور الأشعرية والمعتزلة. وعن أحمد رواية لا يخاطبون بالأوامر, ويخاطبون بالنواهي، وهو الذي قاله القاضي أبو يعلى في مقدمة المجرد. وحكى بعض أصحابنا رواية أنهم غير مخاطبين بشيء من الفروع الأوامر والنواهي, وقاله بعض الحنفية ].
 ثمرة الخلاف في مسألة تكليف الكفار
الملقي: [ إذا تقرر هذا فهل يظهر للخلاف فائدة في الدنيا, أو فائدة التكليف -إذا قلنا به- زيادة العقاب في الآخرة؟ ]. الشيخ: مر وأن قلنا: إن فائدة التكليف في حق الكفار أكثرها أخروية، وهي دنيوية في مسائل الإيمان, وهم مخاطبون بالإيمان, ومأمورون بالإسلام, يأمرهم ولي الأمر, وهذه فائدة دنيوية؛ لأنهم إذا أسلموا صار لهم ما للمسلمين؛ يتزوجون من المسلمين, وينكحون من المسلمين, هذا واحد, وأيضاً فائدة أخروية أنهم مأمورون بالعقوبات فيعاقبون على فعل المنهيات.إذاً ليس التكليف في حق الكفار أخروياً فقط, وليس دنيوياً فقط، وإن كان الأخروي فيه أكثر، والله أعلم. ثم قال: [ قال أبو الخطاب في التمهيد ] كتاب التمهيد كتاب في الأصول وهو كتاب جيد, وللفائدة فإن كتب الأصول المتقدمة أنفع لطالب العلم من كتب الأصول المتأخرة, والغريب أن أكثر الكتب التي تقرأ ويحال عليها الطلاب هي من الكتب المتأخرة, والكتب المتأخرة يتعب طالب العلم ويمل بتفكيك العبارات وحل الألغاز والمشكلات, ولو قرأ كتب أهل العلم المتقدمين لوجد فيها سلاسة لا توجد في كتب المتأخرين؛ لأن كتب المتأخرين يقصدون قلة العبارة مع مرادات كثيرة, وأما المتقدمون فإنهم يطلقون الكلام على عواهنه كيفما اتفق؛ لأن قصدهم هو الإفهام وليس الاختصار المخل, كما أشار إلى ذلك الإمام الشاطبي .الملقي: [ قال أبو الخطاب في التمهيد: وفائدة المسألة أنا نقول: يعاقب على إخلاله بالتوحيد وبتصديق الأنبياء وبالشرعيات, وعندهم لا يعاقب على ترك الشرعيات, فالخلاف يظهر ههنا حسب ]. الشيخ: (حسب) يعني: فقط. الملقي: [فقد أجمعت الأمة على أنه لا يلزمه أن يفعل العبادة إذا أسلم في حال كفره, ولا يجب عليه القضاء إذا أسلم, انتهى]. الشيخ: هذا واضح, وهذا المقصود أننا عندما نقول: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لا نقصد أنهم مأمورون بفعل العبادة حال كفرهم؛ لأن الأمة أجمعت على أن الكافر لا يلزمه أن يفعل العبادة حال كفره, وكذلك لا يجب عليه القضاء, وأما قول المؤلف: (وفائدة المسألة أنا نقول: يعاقب على إخلاله بالتوحيد وبتصديق الأنبياء وبالشرعيات)، يعني: يعاقب على الشرعيات ليس عقاباً دنيوياً إلا فيما فيه من العقوبات الواجبات أو فعل المنهيات, وأما الأخروي فهو يعاقب في التوحيد ويعاقب في الشرعيات.الملقي: [ وكذا قال غالب الأصوليين, ومن العلماء من قال بخلاف ذلك ]. الشيخ: اقرأ كلام ابن تيمية رحمه الله في التعليق الثامن.الملقي: [ وذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى: بأن الخلاف في حديث ... وجمع بين من قال ... الكفار في الفروع، ومن نفاه بقوله كما في مجموع الفتاوى ... ].الشيخ: يعني: هذا من حيث القول بأنهم مخاطبون بالإيمان فقط, والقول الأول أنهم مخاطبون بالإيمان وبفروعه, فالعذاب كلما كفروا بالفروع كلما زاد وخاصة إذا حاربوها, ومنعوا من إطعام المسكين، ومنعوا من الصلاة؛ كما قال الله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى [العلق:9-10], فهذه زيادة في العذاب, فليس هذا مثل الكافر الذي يقول: اجعل المسلمين يصلون في مساجدهم؛ لأن هذا عذابه أخف من عذاب الذين يمنعون, وكذلك الذي يمنع الحجاب ويحارب أهل الإسلام أعظم عند الله سبحانه وتعالى عقوبة من الذي يدع أهل الإسلام على عقائدهم. الملقي: [ ومن العلماء من قال: للخلاف فائدة, وكلام أبي الخطاب في الانتصار يقتضي ذلك, وهو مخالف لما قاله في التمهيد؛ فقال فيمن أسلم على أكثر من أربع نسوة: قولهم -يعني: الحنفية- النهي عن الجميع قائم حال الشرك لا يصح؛ لأن الكفار عندهم غير مخاطبين وهو رواية لنا ]. الشيخ: هذا ليس له فائدة.
مسائل متعلقة بتكليف الكفار بفروع الشريعة من عدمه
الملقي: [ وقال ابن عقيل في الواضح: إذا علم الكافر أنه مكلف كان أدعى له إلى الاستجابة، وينتفع به إذا آمن, وذكر ابن الصيرفي الحنبلي الحراني ثلاث مسائل تتفرع على الخلاف سنذكرها إن شاء الله تعالى, والذي يظهر أن بناء الفروع التي تتعلق بالكفار على الخلاف غير مطرد ولا منعكس في جميعها. إذا تقرر هذا فههنا مسائل تتعلق بالكفار بناها بعضهم على التكليف بالفروع وعدمه, منها: إذا قلنا على رواية أن الكافر إذا أسلم لا يلزمه غسل, فلو وجد منه سبب يقتضي الوجوب قبل إسلامه فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ في المسألة وجهان أظهرهما الوجوب, وبناه أبو المعالي بن المنجا على مخاطبتهم بالفروع, وحكى في المحرر رواية في عشرة النساء أن الزوج لا يجبر الذمية على غسل الحيض, وأنه يطأ بدونه، ولعل هذا مبني على أنهم ليسوا بمخاطبين, فلو اغتسل له حال كفره ثم أسلم فهل تجب إعادته؟ في المسألة وجهان, حكاهما القاضي في شرحه, واختار أبو العباس لا يلزمه إعادته إن اعتقد وجوباً؛ بناء على أنه يثاب على طاعته في الكفر إذا أسلم, قال: ونظير المسألة: الكافر إذا تزوج مطلقته ثلاثاً وهو يعتقد حلها, وفي المسألة روايتان ].
 ضمان الذمي صيد الحرم إذا صاده
الشيخ: هنا مسألة ذكرها المؤلف أيضاً وهي إذا أتلف ذمي صيداً في الحرم, هو لا يجوز أن يدخل الحرم لكنه لو رأى طيراً في الحرم ومعه بندقية فصاده, هل يضمنه أم لا؟فبعضهم قال: لا يضمنه؛ لأنه غير مخاطب بفروع الشريعة, وبعضهم قال: يضمنه؛ لأن المقصود حماية الحرم، وهذا هو الراجح، وعلى هذا فيضمنها, وبعضهم قال: إن ضمانها لا أثر له للحرم, يعني: لن يذهب ويأتي بطير آخر يضعه, ولكن الذي يظهر لي والله أعلم بادي الرأي أن ضمانه هو هنا؛ لأنه لا بد أن ينتفع أهل الحرم؛ لأنه سبحانه وتعالى قال: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95] ماذا يصنع فيه؟ يتصدق به, فيطعم أهل الحرم, فينتفع أهل الحرم بذلك. نكتفي بهذا، ونكون بهذا قد انتهينا من هذه القاعدة، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد لابن اللحام [8] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net