اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد لابن اللحام [5] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


القواعد لابن اللحام [5] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
من شروط التكليف العقل وفهم الخطاب، فلا تكليف على المجنون والصبي ما دون سن السابعة، أما إذا بلغ سن السابعة وهو المميز فإن العلماء اختلفوا في تكليفه ببعض العبادات كالصلاة والصوم، والراجح أنه لا تكليف عليه حتى يبلغ.
القاعدة الثانية: شرط العقل وفهم الخطاب في التكليف
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:قال الإمام البعلي رحمه الله تعالى: [القاعدة الثانية: شرط المكلف: العقل وفهم الخطاب، ذكره الآمدي اتفاق العقلاء، فلا تكليف على صبي ولا مجنون لا عقل له، وقال أبو البركات في المسودة: واختار قوم تكليفهما. قلت: من اختار تكليفهما إن أراد أنه يترتب على أفعالهما ما هو من خطاب الوضع فلا نزاع في ترتبه، وإن أراد خطاب التكليف فإنه لا يلزمهما بلا نزاع، وإن اختلف في مسائل: هل هي من خطاب الوضع أم من خطاب التكليف، أو بعض مسائل من مسائل التكليف، وقد حكى حنبل ، عن أحمد رواية في المجنون: أنه يقضي الصلاة والصوم، وعنه إن أفاق بعد الشهر لم يقض الصوم، وإن أفاق فيه قضى، والمذهب الصحيح خلاف ذلك].القاعدة الثانية التي ذكرها الإمام ابن اللحام في قواعده هي أن شرط المكلف هو العقل، وفهم الخطاب، وتجدون أن هذين شرطان في كل عبادة، وهذا أمر مجمع عليه، إذ قال الآمدي -كما ذكرتم أو كما سمعتم- هذا اتفاق العقلاء، وهذا مبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، والأولى أن نقول: وهذا باتفاق العلماء؛ لأن تكليف المجنون بالقضاء بعد انتهاء العبادة لا يخالف العقل. فالقول: باتفاق العقلاء محل نظر، إلا إذا أريد أنه يكلف حال جنونه، أو حال صغره ويعاقب عليه، وأما إن قصد أنه هل يجب عليه أن يؤدي العبادة بعد انتهائها؟ فالمجنون إذا أفاق فقضاء الصوم والصلاة عليه ليس فيه مخالفة للعقل، فلو قال: اتفاق أهل الشرع لكان حسناً. ‏
 حجة من قال بتكليف الصبي والمجنون
قال المؤلف رحمه الله: (والظاهر -والله أعلم- أن من قال بتكليفهما إنما قاله بناء على التكليف بالمحال على ما سيأتي في تكليف الغافل إن شاء الله تعالى).هؤلاء لا يعدون مخالفين للإجماع؛ لأن المقصود بالإجماع إجماع الفقهاء المتقدمين من المجتهدين، وأما ما يذكره بعض علماء الأصول ممن تأثر بعلم الكلام والنزعة المعتزلية الذين يقولون بأن العقل يشرع، وأنه يوجب على الله كما أنه يوجب على المكلف وإن لم يرد ثمة خطاب شرعي، فهؤلاء لهم حديث آخر، وإلا فالعلماء أجمعوا على أن الصبي والمجنون ليس عليهما تكليف، ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث علي بن أبي طالب ، ومن حديث عائشة رضي الله عن الجميع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ ).
تكليف الصبي المميز
قال المؤلف رحمه الله: [وأما الصبي المميز فالجمهور على أنه ليس بمكلف، وحكي عن أحمد رواية بتكليفه؛ لفهمه الخطاب، ذكرها في الروضة، وعنه: يكلف المراهق، واختار ذلك ابن عقيل في مناظراته.واختلف أصحابنا في سن التمييز، فالأكثر على أنه سبع سنين؛ لتخييره بين أبويه، وقيل: ست، اختاره في الرعاية، وفي كلام بعضهم ما يقتضي أنه عشر.وقال في المطلع: المميز الذي يفهم الخطاب، ويرد الجواب، ولا ينضبط بسن، بل يختلف باختلاف الأفهام، والصحيح في المذهب عدم تكليفه، وما ثبت من أحكام تكليفه فبدليل خارجي].
 سن التمييز
ثم تحدث عن سن التمييز، والذي يظهر والله أعلم أن الصبي المميز هو من بلغ سبع سنين؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ( مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين )، والذين لم يحددوا ذلك بسن وهو قول عند الحنابلة واختاره النووي ، حيث قالوا: هو من يفهم الخطاب ويرد الجواب، وأن ذلك لا ينضبط بسن، لكن نقول: هو وإن لم ينضبط بسن فإنه لا يكون تحت الخامسة، ولو أمرناهم بالطاعة وهم أبناء ست إذا كانوا يعقلون ويميزون فلا حرج إن شاء الله، لكن الأمر الحقيقي كما في نص الحديث متعلق بسبع سنين، قد تقول: لماذا؟ أقول: من المعلوم أن الصلاة هي من أعظم أركان الدين بعد الشهادتين، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حدد الأمر بها بالسابعة، مع العلم أنه يعتريه كثير من الأشياء في الركوع والسجود والتسبيح والتكبير، والتي قد لا يميز بينها ويضعها في غير مواطنها، فهذا يدل على أنه يؤمر بالسابعة بغير الصلاة من باب أولى، فالصيام إمساك، فيقال: أمسك من الفجر إلى غروب الشمس، ومع ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمره بالصيام، إلا ما نقلته الربيع بنت المعوذ ، قالت: ( وكنا نصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله تعالى، ونجعل لهم اللعبة من العهن حتى الإفطار ) يعني: نجعل لهم اللعبة يتلهون بها حتى يؤذن للصلاة.إذا تقرر هذا فيقول المؤلف: (فلنتكلم عن مسائل تتعلق بالمميز).
مسائل تتعلق بالتمييز
قال المؤلف رحمه الله: [إذا تقرر هذا فلنتكلم على مسائل تتعلق بالتمييز]. ‏
 إحرام المميز
قال المؤلف رحمه الله: [ ومنها: إحرامه بإذن وليه صحيح، وبغير إذنه لا يصح، اختاره الأكثر.ولنا قول واختاره أبو البركات : أنه يصح كصلاته وصومه، فعلى هذا يحلله الولي منه إن رآه ضرراً عليه في الأصح كالعبد.تنبيه: وإذا لم نوجب عليه العبادة فما فعله فإنه يثاب عليه، وثوابه له، ذكره الشيخ أبو محمد في موضع، والإمام أبو العباس ، وكذا قال ابن عقيل في فنونه في أوائل المجلد التاسع عشر.وعندي أنه يثاب على طاعات بدنه وما يخرج من العبادات المالية من ماله، قال ابن هبيرة في الحج: معنى قولهم: يصح منه، أي: يكتب له، قال: وكذا أعمال البر كلها، فهما له ولا تكتب عليه، وعلله ابن عقيل في الجنائز بتقديم النساء على الصبيان بالتكليف، ففضلهن بالثواب، والصبي ليس من أهل الثواب والعقاب، وطريقة بعض أصحابنا في مسألة تصرفه ثوابه لوالديه.ولـأحمد وغيره بإسناد ضعيف عن أنس مرفوعاً: ( أن حسنات الصبي لوالديه أو أحدهما )، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ].الراجح -والله أعلم- في إحرام الصبي المميز أنه يحرم ولا يحرم عنه وليه، لكن هل يحرم بإذن وليه أم لا؟ أما الصبي غير المميز فإن الذي يحرم عنه هو الولي، فالولي يقول: لبيك عمرة يقصد عن نفسه، ثم يقول: لبيك عمرةً عن ابني الصغير، أما أن يحرم الصبي المميز والمراهق من غير إذن وليه فقالوا: إن لوليه أن يمنعه، وهذا مبني على أن إتمام الحج والعمرة بحق الصبي المميز لا يلزم إن لم يستأذن وليه، وهذا الأمر وجيه والله أعلم، فيكون عدم الإذن أو منع الولي من الإتمام إذا كان يضره من باب الإحصار، ولكنه لا يجب على الصبي ما يجب على الكبير من الهدي ونحو ذلك. ومن المعلوم أن العلماء اختلفوا في مسألة الصبي المميز إذا فعل محظوراً من محظورات الإحرام، هل يجب عليه الفدية؟ الجمهور يرون أن الصبي إن أتلف شيئاً فيجب عليه الفدية من ماله، مثل الصيد، وحلق الشعر وتقليم الأظفار عند قول بعضهم، وإن كان من غير تلف فهو من مال وليه إن كان هو الذي أمره بذلك، والراجح هو مذهب أبي حنيفة ورواية عند الإمام أحمد : أن الصبي يأمره وليه بألا يفعل محظوراً من محظورات الإحرام، ولكنه لو فعل فليس فيه شيء؛ لأن الراجح -والله أعلم- أن الفعل والعقوبة ليست من باب خطاب التكليف؛ لأن محظورات الإحرام لا بد فيها من العلم، ولو كانت منتفياً العلم فيها لكانت من باب خطاب الوضع وليس من خطاب التكليف، فالراجح أن محظورات الإحرام والفدية فيها إنما هي من باب خطاب التكليف، وأما جزاء الصيد فإن الراجح والله أعلم أنه: (من قتله منكم متعمداً)، والصبي عمده خطأ، خلافاً للجمهور.وعلى هذا فالراجح أن الصبي لا يلزم بشيء إن فعل محظوراً من محظورات الإحرام، والله أعلم.وأما هل يثاب؟ فالراجح أنه إذا صح حجه أثيب على ذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس : ( حينما رفعت امرأة صبياً وقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر )، وهذا هو الراجح: أن الولي حينما يأمر صبيه بالعبادة أنه يؤجر على ذلك، ويؤجر الصبي أيضاً، فأجر الصبي لفعله، وأجر الولي لأمره.والحديث موضوع، ولكن المعلق قال: لم أجده في الموضوعات، ولا في العلل المتناهية، كما أني لم أجده أيضاً عن أنس في مسند الإمام أحمد ، الفقهاء رحمهم الله يتساهلون في الأحاديث ونسبتها؛ لأنهم ينقل بعضهم عن بعض، ويوجد عندنا الآن في البحوث المبالغة في عدم النقل من عالم إلا بالإذن، ولكن الذي يظهر -والله أعلم- أن هذا مما يتسامح فيه إذا كان لا بأس به، وقول المؤلف: (وعندي أنه يثاب على طاعات بدنه، وما يخرج من العبادات)، هذا نص ابن مفلح رحمه الله في كتاب الفروع، فالخطب يسير، وقد نقل ابن القيم رحمه الله كلاماً كثيراً من المغني في الطرق الحكمية، وغير ذلك من كتبه، ولا بأس بذلك شريطة ألا ينسبه إلى نفسه بمعنى أنه يقول: أنا الذي قلته وليس كذلك، أو يكلف غيره بالبحوث ثم ينسبها له، فهذا من المتشبع بما لم يعط، ( والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ).هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد لابن اللحام [5] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net