اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد لابن اللحام [1] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


القواعد لابن اللحام [1] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
العمل بغلبة الظن معتبر كما في المقطوع، ويتفرع منها مسائل يجوز العمل فيها بغلبة الظن، منها: الاغتسال من رؤية المني في ثوب لا ينام فيه غيره، والتصدق بماله كله، والشك في عدد الطواف أو عدد الرمي في الجمار وغير ذلك.
المسائل التي يعمل فيها بغلبة الظن
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً, اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل. وبعد:فهذه دروس في شرح القواعد لابن اللحام، وقد تطرق المؤلف في القاعدة الأولى إلى مسألة العلم هل يفيد الظن أم اليقين، وهنا أمران:الأول: إن العلم يفيد اليقين أو يفيد غلبة الظن من حيث نظر المجتهد, ومن حيث وجوب العمل, لأن المسألة ربما تكون واضحةً, وشبه يقينية عند المفتي -وإن كانت غير واضحة عند الآخر- وتفيد علماً عند من يقول به هذا الأمر الأول.الأمر الثاني: من حيث وجوب العمل, فإنها لما وجب العمل بها كالمقطوع رجعت إلى العلم بالجامع المذكورة وصارت تفيد اليقين مثل العلم, وذكرنا أيضاً أن قولهم: إن الفقه غالبه يفيد الظن أن هذه لم تكن معروفة عند أهل العلم، بل الصحيح أن أكثر مسائل الفقه من اليقينيات، فوجوب الصلاة، وتحريم المحرمات، ووجوب الصيام، ووجوب الحج كلها من اليقينيات، وإن كان بعض الفقهاء لا يدخلها ضمن المجمع عليها، لكن هذا يقول: ما رأيكم فيمن يقول: إذا شك المتوضئ كم غسل يده مرتين أم ثلاثاً هل يبني على اليقين؟ نقول: لا، يبني على غلبة الظن؛ لأنه إن زاد على ثلاث مرات فقد دخل في الحرام: أساء وتعدى وظلم، وإن نقص عن الثلاث كان وضوءه صحيحاً، بخلاف من شك في ركعات الصلاة.ولو قال: يبني على غلبة الظن لكان أولى من أن يقول: يبني على اليقين؛ لأنه إذا بنى على غلبة الظن فقد بنى على ما يعلمه، هذا واحد.الثاني: أن العلماء يقولون: إذا اختلف في نظر المجتهد، أو المسلم، أو المسلمة أمران أيهما الصواب؟ فإنه إذا فعل أحدهما بناءً على مقتضى الشرع فيكون هو الشرع وما عداه فلا، فإذا قلت: غسلتين أو ثلاثاً، فجعلتها غسلتين، وزدت لتبلغ ثلاثاً، فلو أني زدت رابعة في واقع الأمر فلا عبرة بالرابعة إطلاقاً، بل تكون ثلاثاً؛ لأنها في نظري ثلاثاً، لا في حقيقة الأمر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإن كان صلى أربعاً كانتا ترغيماً للشيطان، وإن كان قد صلى خمساً شفعن له صلاته ).دائماً في النظر لا عبرة بما في واقع الأمر، بل العبرة بما في نظر المجتهد، والله سبحانه وتعالى لا يعاقبك إذا كنت قد اجتهدت وفعلت بما هو في نفسك، ولهذا يقول ابن تيمية ، إذا تعارضت مفسدتان في حق المجتهد فإن الواجب أن يقدم أدناهما، وكانت هي المشروع، فصار المشروع منكراً في نظر الحقيقة، لكنها في نظر الشارع ليست بمنكر؛ لأنه لا بد أن يفعل أحدهما، فإذا فعل الأدنى وترك الأعلى صار فعله مشروعاً، وهذا من الفقه، ولهذا قال ابن تيمية: وكان هو المشروع، لكن بعض الناس ما يفهم، مثل الصورة التي ذكرها الفقهاء، قال: كما لو أمر الوالي أحد القضاة أن يقيم القتل على أحد الجناة، وهو لا يستحق القتل، والوالي قاصده لا محالة، فرأى القاضي تخفيفه من القتل إلى السجن أو إلى الضرب، يقول: فكان هذا القاضي قد فعل المشروع، إذ أنجى حياة المحكوم عليه، وفي نظر الناس أنه حكم بغير ما أنزل الله، وهذا ذكره بعض علماء المالكية، وكذلك ذكره بعض علماء الحنابلة.وهذا يدل على أن الإنسان إذا أنزل القضية حيث لا يستطيع أن ينفك منها إلا إلى الأدنى أنه مأمور به.وسئل أبو العباس بن تيمية رحمه الله في رجل كان يعمل في المكوس، ثم تاب وأراد أن يخرج، فقال أبو العباس بن تيمية: لا، ابق فيها، لكي تخفف الضرر عن الناس، فهذا أولى من أن يأتي بعدك من لا يخفف، فهذا الرجل الذي خفف الضرر عن الناس قد أخذ من أموالهم ما لا يستحقه ومع ذلك هو في نظر المأخوذ منه ظالم، لكنه هو في نظره قد فعل المشروع، فهذه من المسائل التي تفتقر إلى النظر والتؤدة، ولهذا كلما ابتعد الناس من عصر النبوة كلما خفيت المصلحة والمفسدة، كما قال أبو العباس بن تيمية.ولهذا ألف الجويني كتاب غياث الأمم؛ لأنه أحياناً يظهر الحرام، فلا ينفك الناس عنه، مثل الذين يعيشون في بلاد الغرب، فقد ذهبنا إليهم وكانوا يسألون أسئلة لو كان الإنسان غير فقيه لقال: حرام حرام حرام، يقولون: ماذا نصنع؟ لا نستطيع أن نرجع إلى بلادنا! فإذا أردت أن تفتي فاتئد، لا تفتي بجواز ما هو معلوم من الدين بالضرورة تحريمه، أو يجدون مندوحة عنه، فالذين يعيشون في الغرب مثلاً يقولون: نحن لا نستطيع أن نشتري فللاً وسكناً إلا عن طريق البنوك الربوية، فهل نقترض من البنوك الربوية؛ لأنها ضرورة ولا نستطيع، ولا يوجد بنوك إسلامية، ولا يوجد شركات، بعض الفقهاء استحضر أنهم يعيشون في مكان لا يوجد فيه بنوك ربوية، فقلنا: اتئد.سؤال: هل هؤلاء مضطرون لأن يسكنوا؟ قالوا: نعم، ضرورة أن يسكنوا، حسناً، هل وجد طريق آخر للسكن غير الطريقة الأولى؟ قالوا: نعم، إجارة، قلنا: إذاً لا يجوز لهم أن يدخلوا في الربا إذا وجد طريق شرعي، ولو كان فيه نوع ضرر، فلا يجوز لهم أن يدخلوا في الربا؛ لأنه لا يئول إلى الحرام مع وجود مندوحة من الحلال وهو السكن بالإيجار، وغير ذلك من المسائل.
 بيع ما يمكن أن يقصد به الحرام
قال المؤلف رحمه الله: [ ومنها: أن المذهب المنصوص عن أحمد الذي نقله الجماعة: أنه لا يصح بيع ما قصد به الحرام، كالعصير لمن يتخذه خمراً ونحوه قال غير واحد من الأصحاب: إذا علم ذلك، ولنا قول آخر أو ظنه.قال أبو العباس : مؤيداً لأصله معارضاً لما قاله الأصحاب في هذه المسألة؛ لأنهم قالوا -يعني الأصحاب-: لو ظن الآجر أن المستأجر يستأجر الدار لمعصية، كبيع الخمر ونحوه، لم يجز له أن يؤجره تلك الدار، ولم تصح، والإجارة والبيع سواء، والله أعلم ].هذا الشك شك في المعاملة وليس في العبادة، وهذه مبنية على قاعدة أخذ بها مالك و أحمد وهي: سد الذرائع، وسد الذرائع ليست على إطلاقها، بمعنى أن قاعدة سد الذرائع تكون كما هو مذهب الحنابلة والمالكية في ما ترجحت مفسدته فيحرم وإن كان ثمة مصلحة، وما ترجحت مصلحته أبيح وإن كان ثمة مفسدة، والترجيح هنا مبني على غلبة الظن أحياناً، فإذا جاءني شخص يريد أن يشتري سلاحاً زمن الفتنة، والعلماء هنا غلبوا الشر، فمنعوا بيع السلاح في زمن الفتنة؛ خوفاً من أن يستعمله في الحرام، ولو غلب على ظنه أن يستعمله في الشر في غير زمن الفتنة هل يجوز؟لا يجوز، وإلا فالأصل الجواز، وحينما لا يقع عندنا غلبة ظن ولا شيء فيجوز، مع أنه جائز أن يستخدمه في الحرام، لكن نقول: نحن لسنا في زمن فتنة، ولم يقع في قلبي أنه يستخدمه في شر، فلم أعمل بهذا الظن غير الغالب، إذاً عملت بالأصل وهو السلامة، كذلك إذا آجر المؤجر المستأجر العين، فإن كان المستأجر سوف يستخدمها في الحرام كبيع الخمر، أو بيع الدخان، أو بيع الشيشة، أو بيع الأجهزة المحرمة، أو يستخدمها في آلات الصراف الآلي الربوي، فهذا لا يجوز أن يعطيها لذلك، وكذلك إذا استأجر منه أجير استراحة يريد أن يضع فيها أطباقاً فضائية محرمة معلوم من الدين بالضرورة حرمتها فلا يجوز.لكن إذا جاء شخص يريد أن يستأجر منه منزلاً فيمكن أن يضع فيه طبقاً، ويمكن ألا يضع، يمكن أن يضع فيه بعض المحرمات، ويمكن ألا يضع، فالأصل الجواز، والله تبارك وتعالى أعلم، ولو منعنا هذا لوقع الناس في حرج، ولما جاز لنا أن نؤجر أهل الذمة الذين جاز لنا أن نبقيهم في بلاد المسلمين؛ لأنه معلوم أن أهل الذمة سوف يصنعون فيه محرماً، من شرب خمر؛ لأنهم يشربون الخمر، ومن أكل الربا، فهم يأكلون الربا، وكذلك المستأمن من الوثنيين كالمجوس ونحوهم وغير ذلك من الأشياء، والمعروف أن مثل هذه الأشياء مما يستأنس به الفقهاء.لكن الذي نقول: إذا غلب على ظنه فعل الحرام لا محالة، فإنه يمنع، ولا يجوز أن يبيعه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في بيع العصير: ( لمن يتخذه خمراً )، فمعنى ( لمن يتخذه ) أنه سوف يفعل فيه الحرام أو يغلب على ظنه، أما إذا كان لا يعلم فلا بأس، ومن ذلك بيع الجوالات، فبيع الجوالات الأصل أنه اشتراه لأجل الاتصال، ولو كان فيه كاميرا، ولا عبرة بظن أنه ربما يستخدمه في الحرام، ولو كانت هذه الكاميرا ما وضعت إلا للعمل، لكن الأصل الجواز، وعلى هذا فالذين يبيعون جوالاتهم ولو كان فيها كاميرا الأصل فيها أنها مباح، إلا إذا غلب على ظن البائع أن هذا الشخص إنما اشتراها لفعل الحرام، وحينئذ نقول: لا يجوز أن تبيعه.نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , القواعد لابن اللحام [1] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net