اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عمدة الفقه - كتاب الحج [21] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


عمدة الفقه - كتاب الحج [21] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
كتاب الحج من أصعب أبواب الفقه العبادي، ويرجع سبب ذلك إلى عدة أمور منها: صعوبة تصور الحج خاصة لمن لم يحج، وكثرة الآثار عن الصحابة في ذلك، وكثرة أقوال العلماء واختلافهم فيه؛ وأسباب الخلاف بين العلماء كثيرة، منها: عدم وصول الدليل لبعض العلماء، أو عدم صحة الحديث عند بعضهم وغير ذلك من الأسباب.
أسباب صعوبة دراسة كتاب الحج
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين:مشاهدينا الكرام! أهلاً ومرحباً بكم في هذا الدرس المبارك: عمدة الفقه، وفي هذا الدرس يسرنا باسمكم جميعاً أن نرحب بشيخنا الكريم الدكتور عبد الله بن ناصر السلمي ، الأستاذ المساعد بالمعهد العالي للقضاء، نرحب بشيخنا الكريم أجمل ترحيب، فأهلاً ومرحباً بكم فضيلة الشيخ.الشيخ: حياكم الله وبالإخوة المستمعين والمستمعات.المقدم: ويمتد ترحيبنا كذلك إلى الإخوة الطلاب في الأكاديمية الإسلامية المفتوحة، وأيضاً نحب أن ننبه حضراتكم بأن هذا الدرس هو مخصص لمراجعة كافة كتاب الحج، الذي تم شرحه في هذا الفصل الدراسي، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم بهذا العلم الشرعي الطيب.نترك المجال لشيخنا الكريم ليبتدئ إطلالته المباركة، ثم نستقبل أسئلتكم على هواتف البرنامج التي تظهر أمامكم تباعاً، وأيضاً على موقع الأكاديمية: (www.islamacademy.net) دائماً وأبداً نرحب بأسئلتكم ومشاركاتكم، فأهلاً ومرحباً بكم.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً يا كريم! اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.اللهم إنا نعوذ بك أن نضل أو نضَل، أو نزِل أو نزَل، أو أن نظلم أو نظلم، أو أن نجهل أو يجهل علينا، وبعد:أحبتي الكرام! قد انتهينا في الدرس الماضي من شرحنا لكتاب الحج، وبلا شك أن كتاب الحج من أدق مسائل العبادات، كما أشار إلى ذلك ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، والسبب في ذلك -أن كتاب الحج دقيق- أمور منها: أولاً: أن طالب العلم أو طالبة العلم لا تكاد تتصور الحج إلا إذا كانت قد حجت المرة تلو المرة، فتصور الحج تصوراً دقيقاً لا بد فيه أن يكون الإنسان قد حج.وقد أشار ابن تيمية رحمه الله حينما ذكر بعض النقاط التي أخطأ فيها ابن حزم الظاهري في بعض مسائل الحج، فأشار ابن تيمية رحمه الله إلى أن أبا محمد -يعني بذلك ابن حزم - لم يحج، والسبب في ذلك: أن تصور الحج مهما أتي الإنسان من علم فلا بد أن ينقصه بعض الأشياء، بسبب أنه لا يحسن التصور، وذلك لأن الحج فيه مكان، وفيه عبادة في نفس المكان، وفيه بعض الأشياء التي لا يتصورها الإنسان إذا قرأ الأحاديث؛ لأنه ربما تكون بعض الآثار قد اندرثت، فلا يبقى إلا بعض معالمها. كما يقولون: ليس من رأى كمن سمع.وهذا سبب صعوبة كتاب الحج.الأمر الثاني لسبب صعوبة كتاب الحج: أن أكثر كتاب الحج آثار عن الصحابة رضي الله عنهم، ولا ينبغي لطالب العلم -وهذه فائدة من الفوائد التي استفدناها من درسنا في هذا الأمر- أن يهمل آثار الصحابة رضي الله عنهم، بل ينبغي له أن يتأنى ويستعد، فلا يبطل عبادة انتشرت عن أئمة الإسلام وهو يردها بحجة أن ذلك لم يثبت لا بالكتاب ولا بالسنة، ولا شك أننا مأمورون باتباع الكتاب والسنة كما قال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]، لكن الحج فيه قضايا فيها جبران، وفيها نقص واجبات، والصحابة أعلم بالتنزيل، وأدرى بالعلم، وأدق علماً، وأقل تكلفاً، كما أشار إلى ذلك عمر بن عبد العزيز ، وأشار إلى نحوه عبد الله بن مسعود رضي الله عن الجميع وأرضاهم.الأمر الثالث من أسباب صعوبة الحج: هو كثرة الأقوال، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حج مرة واحدة بعد بعثته عليه الصلاة والسلام، ولهذا أشار سعيد بن جبير ، وقد أشرنا إلى هذا الحديث وقلنا: الحديث في سنده ضعف، لكن لا مانع من الاستشهاد به، وإن كان في سنده خصيف بن عبد الرحمن .قال سعيد بن جبير : يا ابن عباس ! عجبت بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يختلفون في حجته، وقد علموا أن الرسول لم يحج إلا مرة واحدة، قال: وبما ذاك؟ قال: بإهلاله، فقائل يقول: أهل عند المسجد، وقال يقول: أهل بعد الصلاة، وقائل يقول: أهل بالبيداء، فقال ابن عباس : أنا أخبرك، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما صلى الظهر التفت وقال: لبيك عمرة وحجاً، فحفظ قوم فحدثوا بنحو ما سمعوا، فلما ركب ناقته واستوت به أهل بالحج والعمرة جميعاً، فسمعه قوم فحدثوا بنحو ما سمعوا، حتى إذا استوت به على البيداء سمعه قوم فحدثوا بنحو ما سمعوا، فهذا هو السبب؛ لأن هذا من الأسباب التي جعلت بعض أهل العلم يخالف في ذلك، فمثلاً: ابن عمر لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته في بعض المواطن، فأخذ بعض المناسك من الرسول، وبعضها أخذها بالنقل، والنقل بطبيعة الحال ربما يهم الناقل، فيظن أن الرسول أذن أذاناً واحداً، وأقام إقامة واحدة، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حج بمائة ألف حاج، فبالتالي لا بد أن يكون هناك أشياء خفيت على الراوي؛ لأنه ربما لم يسمع مائة ألف، والرسول صلى الله عليه وسلم يذكر العبادة أو يفعلها، و بلال يؤذن، وبالتالي ربما لم يسمع الراوي إقامة النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، فـابن عمر يروي بنحو ما بلغه، وبنحو ما سمعه، فيقول: (وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذاناً واحداً وإقامة واحدة في ليلة جمع يعني في ليلة مزدلفة)، أما جابر فربما كان قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم فحفظ أكثر ممن لم يحفظ.
 

أسباب اختلاف أهل العلم
الشيخ: ومن المعلوم أن من أسباب اختلاف أهل العلم أموراً وهي: الأمر الأول: كما أشار ابن تيمية رحمه الله إليه في مسألة الأذان، فقال: إن سبب الخلاف أحياناً يكون بسبب حديث قد بلغ قوماً من الأئمة ولم يبلغ آخرين، فيحدث هؤلاء بالسنة مما لم يحدث به هؤلاء بسبب أنهم بلغهم من السنة ما لم يبلغ غيرهم.الأمر الثاني: أن الراوي ربما يبلغه هذا الحديث الذي احتج به قوم آخرون، ولكنه لا يرى أن هذا الحديث حجة يحتج به، وأذكر قصة ابن عباس كما رواها مسلم في مقدمة صحيحه: أن أحد الرواة وهو بشير كان يحدث، وكان عند ابن عباس يروي يقول: حدثنا فلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان ابن عباس لا يبالي به، ولا يهتم به، فغضب بشير ، فقال: ما لك يا ابن عباس ! إذا حدثت الحديث لم تباله؟ فسكت ابن عباس هذا الحبر وقال: كنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حدث الرجل حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا، فنسمع ما يقول ونحفظ، فلما ركب الناس الصعب والذلول بدأنا لا نأخذ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما عقلناه، أو كلمة نحو ذلك، وهذا يفيد طالب العلم أنه ينبغي له أن يتحرر من أقوال الناس، بمعنى: أنه لا يجعل أقوال الأئمة دليلاً يستدل به، ولكن يجعلها استرشاداً يسترشد بها للحق وللدليل، والأصل هو الكتاب والسنة.
 

أهمية الرجوع إلى أقوال أئمة المذاهب
الشيخ: وعليه: فإني أعجب وقد سمعنا بعض الإخوة في مداخلة في أول الدرس، فيما أذكر قلت: وهذا قول أحمد رحمه الله، وهو قول الشافعي ، وهو قول أبي حنيفة ، وهو قول مالك ، فهؤلاء أئمة اهتدى خلق كثير بهم، ومن شك في إمامتهم فإنه على وجل من دينه؛ لأنه يشك في أئمة الإسلام، شهد الناس كلهم لهم بالفضل، فتجد أن بعض الإخوة حينما تذكر له: هذا قول مالك ، وهذا قول الشافعي ، وهذا قول أحمد ، تجد أنه ربما يستغرب ويقول: ذكر الشيخ قولاً وهذا غريب، والصحيح كذا، كما قاله شيخنا! فيذكر قول عالم من علماء الإسلام في هذا الزمان، فتجد أن هذا العالم قد أسر عقل وفهم وإدراك هذا الطالب الصغير، ونسي هذا الطالب أئمة كبار، ونحن لم نذكر قولاً شاذاً في كل مسألة، بل إننا حاولنا جاهدين أن نذكر أقوال أئمة كبار، فينبغي لطالب العلم أن يتروض، وأن يبتعد عن مثل هذا.المقدم: قد ربما يا شيخ! هو يريد الاختصاص، فينسبه إلى الشيخ الذي تعلم عليه.الشيخ: لا أنا قصدي هو أحياناً ينسف، الآن أنا أذكر أقوال الأئمة، فتجد أنه يقول: هذا القول غريب، بل قال فلان، وأنا لم أتحدث من كيسي، ولا من جعبة لم يعرفها الناس، إنما أخذناه من قول أئمة، فينبغي أن نعرف أن هؤلاء الأئمة الأربعة هم أفضل وأعلم ممن جاء بعدهم في الجملة، ولكن لا يلزم أن يكون أحمد علم كل السنة، أو الشافعي علم كل السنة، أو مالك أو أبو حنيفة علما كل السنة، وقد خفيت عليهم سنة.فأنا حينما آخذ بقول أبي حنيفة رحمه الله وأترك قول الشافعي ، أو أترك قول أحمد ، أو أترك قول مالك ، فإنما رأيت أن أبا حنيفة اعتمد على حديث، ربما ظهر لي أنه أقوى من استدلال الإمام مالك ، فأنا على خير، والله يقول لرسوله: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90].وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]، ما معنى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]؟ قال مجاهد رحمه الله وكذلك الحسن البصري كما أشار إلى ذلك أهل التفسير منهم البغوي وغيره: أن هذه الآية فيها لفتة لغوية وأدبية قد تخفى على كثير من الناس، لو سألنا كثيراً من طلبة العلم: ما معنى: اجعلنا للمتقين إماماً؟ لقال: اجعلني إماماً يقتدي بي الناس.لكن السلف عندهم فهم آخر، قالوا: اجعلنا للمتقين إماماً يعني: اجعلنا مقتدين بالأئمة؛ لأن الإمام الرباني حقاً هو الذي اقتدى بمن سبق من أئمة ربانيين، وبطبيعة الحال إذا اقتدى هذا الإمام الرباني بمن سبقه فقطعاً سوف يأتي اللاحق فيقتدي به. فيكون قد استفاد فائدتين: الفائدة الأولى: أنه اقتدى بأئمة كبار فلم ينحو منحى الأقوال الشاذة، ولا الأقوال المندثرة، أو أنه يحاول ترويض الواقع المعاصر فيبحث جاهداً عن قول حتى يكيف هذا الواقع الذي ربما يكون واقعاً مخالفاً للدليل من الكتاب والسنة، وهذه نظرة ينبغي أن يفهمها طالب العلم، ينبغي أن يفهم طالب العلم حين تأتي مسألة أن يبعد الأشياء التي تؤثر في نفسه؛ اعتبارات شخصية أو اعتبارات مكانية أو اعتبارات زمانية، ثم يفهم الدليل أو يفهم المسألة مجردة، ثم يأتي بعد ذلك بهذه الأشياء التي ربما تؤثر في الأعراف أو في سد الذرائع وفي غيرها، فالأعراف وسد الذرائع تختلف من بلد إلى بلد، فبلد نشأ على نمط معين في الحفاظ على مبادئ الإسلام وقواعد الدين المرعية التي حفظها الكتاب والسنة وأرشد إليها، هؤلاء ربما يقال: إنه ينبغي أن يمنع عنهم بعض الأشياء خوفاً من الدخول في بعض، لكن بلد منفتح -مع الأخذ بعين الاعتبار أن أصل المسألة مباحة في نفس الأمر- يخاف عليها من الوقوع في شيء هم واقعون في هذا الأمر، فلا يقال: إنهم يمنعون، وهذا ما يعرف بمسألة سد الذرائع، فلا يقال: إننا إذا قلنا: هذا حرام قال: من أين لك هذا؟ هل في الكتاب والسنة أن المسألة الفلانية فيها حرام أم لا؟ مثال على ذلك: النقاب، النقاب هو في أصل التشريع جائز، كما ثبت عن سعيد بن منصور أن عائشة طافت وهي غير محرمة طافت وهي منتقبة، لكن ما هو النقاب الذي كانت عائشة تصنعه؟ الجواب: هو النقاب الذي لا يلفت، وليس فيه تبرج، فإذا صنعت المرأة المسلمة هذا الأمر فالأصل فيه الجواز، فإذا حصل في زمن أن المرأة تتجمل في هذا النقاب؛ بأن تضع مبيضاً تحت حواجبها أو تحت عينيها، وتكحل عينيها قلنا: هذا النقاب حرام، لا أصل النقاب، ولكن هذا النقاب الذي فعل بهذه الطريقة.
 

أهم العلوم التي ينبغي أن تحصل وطريقة تحصيلها
الشيخ: استفدنا أيضاً من هذا الأمر: أننا نعتمد على الكتاب والسنة، وأنا أرى: أنه لا يكون طالب العلم متمكناً في ترجيحاته حتى يلم بثلاثة أو أربعة علوم: العلم الأول: علم الفقه، بحيث يكون عنده نضج عقلي، لا يعتقد ثم يبحث لا، ينبغي لطالب العلم أن يكون متجرداً من كل قول، ثم يبحث، بحيث يكون الدليل الشرعي هو الذي استقر في ذهنه قبل أن يعتقد؛ لأنه الغالب في بعض البحوث العصرية أو البحوث الأكاديمية، تجد أن طالب العلم أو الباحث أو الباحثة تجدها أنها تقرر في نفسها قولاً، إما قولاً سائداً في زمانها أو قولاً سائداً عند شيخها أو شيخه، فتجده يبحث عن دليل يقوي هذا القول، وهذا خطأ، ينبغي لطالب العلم أن يكون محايداً، والحيادية هنا: بمعنى أن يكون متجرداً عن كل شيء، إلا أن يفهم الكتاب والسنة على ما أراده الله وأراد رسوله، والواقع أن هنالك أخطاء كثيرة عند طلبة العلم وعند الذين يتحدثون في المسائل الشرعية، بمعنى: أنك تجد أنه أحياناً يختار قولاً، فإذا جاءه دليل من الكتاب أو السنة لا يستطيع أن يضعفه؛ لأنه ربما يكون في البخاري أو في مسلم أو إسناده صحيح، فتجده يتكلف التأويلات حتى يضعف هذا الدليل ليبقى القول سليماً، وأذكر أن أحدهم حينما جاءه: ( لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) وهو من حديث أبي بكرة عند البخاري قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال ذلك إنما أراد بها المزحة يعني الضحكة، ولم يرد أصل التشريع، وحاشا محمد صلى الله عليه وسلم أن يخاطب أصحابه ويقصد بذلك مزحاً، وهذا من التأويلات الباردة الساذجة، التي لا ينبغي لطالب العلم ولا ينبغي للعالم أن يتكلف مثل هذه الأشياء، ولـابن تيمية كلام جميل في هذا الأمر -كما في المجلد السابع- يقول فيه: وينبغي أن يحمل كلام الله وكلام رسوله على ما أراده الله وأراده رسوله، لا على ما أراده المجتهد في نفسه، ولهذا فقلت مراراً وتكراراً: ربما ترجح قولاً؛ لأنك ترى أن هذا الدليل يعضده، أو هذين الدليلين يعضد هذا القول، فتجد مسألة أو حديثاً أو قولاً أو تكييفاً فقهياً آخر فتجد نفسك تتكلف في تأويل هذا الأمر، لكن ينبغي لك أن تقول: الله أعلم، وتختار ما هو أقرب في ذهنك في نفس الأمر، ثم إن الدليل لا ينبغي أن نؤوله إلا على فهم صحيح من الكتاب والسنة، يقول ابن القيم في شفاء العليل: لا يلزم لصحة القول رد المجتهد كل الشبه، لا يلزم طالب العلم في كل مسألة أن يأتي بالأدلة كلها ثم يرد على الأقوال، ربما الآن لا يفقه الرد، غداً ينبني له شيء من الأقوال، من التأويلات، من الاستدلالات، من التضعيفات، فلا ينبغي لطالب العلم أن يتعجل في رده للأحاديث؛ لأنه استقر في ذهنه قولاً معيناً.هذه مقدمة في مسألة ماذا استفدنا من درسنا للفقه المقارن مع البحث الحديثي لكثير من المسائل التي عرضت في كتاب عمدة الفقه.
 

طريقة ضبط مناسك الحج
المقدم: أحسن الله إليك شيخنا الكريم! بما أن الحج لا يتكرر إلا مرة في السنة، وربما لا يحج الشخص إلا مرة في العمر أو مرة كل عشر سنوات أو كل خمس سنوات بحسب ما يتيسر له، فكيف يستطيع أن يؤصل مثل هذه المعلومات بحيث يضبطها ولا ينساها أثناء تأديته لمشاعر الحج؟ وهل يحتاج أثناء تأديته لمشاعر الحج أن يراجع مثل هذا المتن؟ وهل هناك طريقة معينة بحيث تبقى هذه المعلومات قريبة إلى ذهنه؟الشيخ: هذا سؤال جيد: طالب العلم سواء كان في كتاب الحج أو في غيره من الأبواب الفقهية، أنا أنصح طالب العلم أن يكون عنده كتاب من كتب الفقه المعتمدة، المتون الفقهية، أياً كان هذا المتن، سواءً كان متناً حنفياً أو متناً مالكياً أو متناً شافعياً أو متنا حنبلياً، ولنضرب مثالاً على هذا المتن الذي نحن نشرحه، وهو شرح العمدة، فأرى أن طالب العلم إذا جاء وقت الحج أو جاء وقت الزكاة أو جاء وقت الصيام أو جاء وقت العبادات المعروفة من الصلاة يمسك هذا الباب فيقرأه إلى أن ينتهي الباب مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً وخمساً وستاً وسبعاً وعشراً، حتى يتواطأ لسانه مع كلام أهل العلم، بحيث يعرف لغة الفقهاء، فإذا عرف لغة الفقهاء لهذا المتن، بحيث يستطيع أن يعرف أن الشروط واحد اثنين ثلاثة بشكل مختصر، بعد ذلك يذهب إلى شرح من الشروح الفقهية، وليكن مثلاً شرح بهاء الدين المقدسي أو لشيخنا محمد بن عثيمين في الشرح الممتع، فيقرأ هذا الشرح، فيعرف دليل المؤلف، فإن كان المؤلف ذكر دليلاً فجاء الشيخ الشارح فخالف هذا الحديث فلا بد لطالب العلم أن يعرف ما سبب هذا الضعف، فيعرف أن ضعفه بسبب الحجاج بن أرطأة مثلاً، فيعرف أن الحجاج بن أرطأة ضعيف، بحيث لو جاءه عالم آخر واستدل بهذا الحديث قال: يا شيخ! أين دليلك؟ فإن قال هذا الحديث قال: يا شيخ! الحديث في سنده الحجاج بن أرطأة وقد ضعفه الجمهور، هل عندك دليل غير هذا؟ فيكون عند طالب العلم نوع من سعة الأفق، فطالب العلم إذا استمر على هذه الطريقة يكون قد عرف دليل مؤلف المتن، ودليل الشارح على القول الراجح.قد يقول طالب: نحن ماذا استفدنا من شرحنا.نقول: فرق كبير بين دراسة المسائل الفقهية وحفظها، أنا دائماً أقول: التدريس شيء، وحفظ المسائل شيء آخر، طالب العلم لا بد أن يعرف كيف مناقشة الأدلة؛ لأن الملكة الفقهية شيء، وحفظ المسائل شيء آخر، وأذكر أن الأئمة ذكروا في طبقات الحنابلة أن أحد طلاب العلم حفظ كتاب الفروع كله، وكتاب الفروع من أصعب الكتب حتى قراءته صعبة، فيقول: فكانوا يأتون به، فإذا صعبت عليهم مسألة أو شق ذلك عليهم قالوا: يا فلان! تعال، اقرأ لنا ما ذكره ابن مفلح في باب كذا ماذا قال؟ أي كلمة قالوا مثلاً ويصح توجه القبلة فيقول: قال رحمه الله: ويصح، انتهينا، فيكون حافظاً فقط، وهذا لا يكون فقيهاً، قد يكون طالب علم بحيث يدرس الناس ويفقه غيرهم، لكنه لا يكون إماماً يقتدى به، الإمام حقاً الذي يعرف الخلاف كما أشار إلى ذلك ابن عبد البر في كتابه العظيم: جامع بيان العلم وفضله، يقول: لا يكون الفقيه فقيهاً حقاً حتى يعرف الخلاف، والذي يعرف قولاً واحداً تجده يتعصب، والذي يعرف قولين تجد عنده نوعاً من الإدراك، والذي يعرف الأقوال بأدلتها يكون عنده سعة أفق، ويرحم الناس في اختلافاتهم، ونسأل الله أن نكون وإخواننا المسلمين من الذين حملوا العلم وتفقهوا فيه.
 

الأسئلة

 الحث على حفظ العلم وتقييده
المقدم: أحسن الله إليك، تسأل تقول: هل يجب حفظ المتن؟الشيخ: والله هذا عاد ينظر في إدارة الأكاديمية هل يلزم أو لا يلزم، أما أنا فلا أعلم في مثل هذا الشيء.المقدم: لكن يعني من باب العلم والحرص.الشيخ: أما الحرص والفائدة فأنا أقول:العلم قيد والكتابة صيده قيد صيودك بالحبال الواثقة فالعلم مع الحفظ مع التقييد من أعظم ما يثبت فيه العلم، والله أعلم.المقدم: أحسن الله إليكم شيخنا الكريم وجزاكم الله خيراً.مشاهدينا الكرام! ها نحن وإياكم نصل إلى نهاية هذا الدرس المبارك، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم، وأن يفيدنا بما سمعنا من شيخنا الكريم، إلى لقاء متجدد بإذن الله تعالى في يوم الإثنين القادم في مثل هذا الوقت، نترككم دائماً وأبداً في حفظ الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عمدة الفقه - كتاب الحج [21] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net