اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإيمان بالغيب للشيخ : سفر الحوالي


الإيمان بالغيب - (للشيخ : سفر الحوالي)
إن الإيمان بالغيب أصل من أصول الدين، وهو أول صفات المؤمنين كما ذكر ذلك القرآن الكريم، والناس قد يتفاوتون في الإيمان بالغيب، فالإيمان بالغيب لا يكفي فيه الإقرار الذهني فقط، بل يجب الإقرار والتسليم المطلق لله، وقد بين لنا القرآن بعض أحوال الأمم مع الإيمان بالغيب، كحال فرعون وقومه، وحال المشركين في الجاهلية، ثم بيَّن أسباب إنكار هذه الأمم للإيمان بالغيب كعدم الإحاطة بعلمه وعدم تأويله، مبيناً أحوال الإيمان بالغيب وكيفيته، ومتى يتحول إلى شهادة، ومتى تنقطع التوبة والإيمان بالغيب، ولقد بات إنكار الغيب من سمات العصر الحديث -وصار الإيمان بالماديات هو البديل- في نظر الحضارات الغربية والشرقية.وعلى هذا فإن الإيمان بالغيب يعد فيصلاً بين البشر في حياتهم، فصار سعادةً للمؤمن بإيمانه به، وشقاءً للكافر بجحوده ونكرانه له.
أهمية الإيمان بالغيب
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا -إنك أنت العليم الحكيم-. أما بعــد:أيها الإخوة الكرام: فكما تعلمون جميعاً أن الإيمان بالغيب هو الفارق بين الكافر والمؤمن؛ بل هو في الحقيقة الفارق بين الإنسان والحيوان؛ أو مَنْ هو أضل من الحيوان، فالإيمان بالغيب هو أكبر حقيقة يعيشها الإنسان، وأكبر مسألة من مسائل الاعتقاد، وأكبر قضية من قضايا العمل أيضاً، فـأهل السنة والجماعة وهم أصحاب المنهج الثابت والمعروف الذي يؤمن بكل ما جاء عن الله، وعن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ هم الذين يفهمونه الفهم السليم والصحيح.
 تفاوت الناس في الإيمان بالغيب
بقدر تفاوت الناس في الإيمان بالغيب يكون تفاوتهم في الإيمان عامة، وتكون منازلهم عند الله تبارك وتعالى، وتكون مراتبهم في الجنة، لأنه كما قلنا: الإيمان يقتضي ويتضمن القول والعمل وكذلك الاعتقاد والتطبيق والتنفيذ، وكل ذلك يدخل تحت مُسمى الإيمان بالغيب، والانحراف الذي وقع فيه الناس في هذه المسألة هو أكبر انحراف وأعظم ضلال؛ فكل من ضل في معرفة الله تبارك وتعالى، وكل من أشرك مع الله تبارك وتعالى غيره، وكل من أنكر الرسل وجحدهم وكذب ما جاءوا به؛ كل ذلك إنما هو لأنه لم يؤمن بالغيب؛ إذاً هذه هي القضية والحقيقة.إن الناس يتفاوتون -كما قلنا- في الإيمان بالغيب، فهنالك أناس يؤمنون بالغيب إيماناً نظرياً عقلياً مجرداً، وهذا حال أكثر الناس من المسلمين، فهم يؤمنون بالغيب: أي يصدقون بأن هنالك رباً ورسولاً وملائكة ويوماً آخر، وإذا سألت أحدهم عن اليوم الآخر، عن الصراط، والميزان، والحساب، قال: نعم أُقر بذلك، وأؤمن به وأصدق به، لكن هل هذه هي حقيقة الإيمان بالغيب التي يريدها الله تبارك وتعالى والتي من أجلها أنزل الكتب، وأرسل الرسل؟ بل وهنالك أيضاً من ينكرون الإيمان بالغيب! وينكرون عالم الغيب؛ ولو دققنا ومحصنا لوجدنا -في الحقيقة- أنه لا يوجد عاقل على الإطلاق ينكر الغيب.
حقيقة الإيمان بالغيب
إذاً: كيف يكون الحال؟ فالمؤمنون بالغيب منهم من لا يؤمن بالغيب على الحقيقة، والمنكرون للغيب كثيرٌ منهم لا ينكر الغيب على الحقيقة.إذاً: القضية أن الإيمان بالغيب في عرف الشرع، وفي حقيقة دعوة الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- أن يسلم الإنسان بقلبه إلى الله تبارك وتعالى، وأن ينيب إليه؛ فكل ماجاء من عند الله تبارك وتعالى صدق به، وأقر وظهر أثر ذلك الإيمان على لسانه؛ فيؤمن لسانه وتؤمن أيضاً جوارحه، ولهذا يقول الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].نعم العلماء الذين يؤمنون بالغيب على حقيقته، ويعلمون ويعرفون ربهم، وصفاته على الحقيقة، هم أكثر الناس خشية، فكأنه لا يخشاه تعالى إلا هم؛ لأنهم عرفوه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
 حال الأمم مع الإيمان بالغيب
لذلك أنكر الجاهليون ما جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الوحي، فأنكروا الوحي، والوحي من الغيب؛ فقالوا: كيف يتنزل هذا القرآن على هذا الرجل؟ هذا لا يمكن أبداً! ولذلك قالوا له: إنما أنت مفتر، وقالوا عنه: ساحر، وقالوا عنه: كاهن، وقالوا عنه أيضاً: شاعر، وقالوا: إنما يعلمه بشر، وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً، فَلِمَ كُل هذا اللجاج وكل هذا العناد؟! كل ذلك حتى لا يؤمنوا بأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اختص هذا النبي الأمي بهذه الرسالة؛ فأنزل وأرسل إليه الروح الأمين بهذا الوحي، وهل في ذلك ما يخالف الفطرة أو العقل السليم؟ كلا. لا شيء من ذلك، ولكنه العناد والجحود، فقد جحدت الأمم وعاندت من قبل، كما فعل ذلك فرعون وقومه، ولهذا أخبر الله عنهم بقوله: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل:14].فطمأن الله نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك، فقال: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33] أي لا تهتم بقولهم لك: إنك كاذب؛ فإنهم في حقيقة أنفسهم لا يعتقدون كذبك، بل يعلمون -في أنفسهم- أنك صادق؛ ولكنه الجحود. فهل نفعهم هذا الإقرار القلبي المجرد؟! هل نفعتهم هذه المشاعر الذهنية العامة بأن هنالك عالماً آخر هو عالم الغيب بخلاف عالم الشهادة؟ لا. لم ينفعهم ذلك أبداً.
الكفر بالغيب وأسبابه
إن الله تبارك وتعالى قد بين الأسباب التي تجعل المعاندين والمنكرين ينكرون عالم الغيب، ولا يؤمنون به فقال الله تبارك وتعالى في ذلك: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس:39].هذه الآية لو تدبرناها وعقلناها وفهمناها كما هو السائر في آيات القرآن الحكيم؛ لوجدناها وحدها كافية لبيان أسباب ضلال هؤلاء القوم: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [يونس:39]
 لا يعلمون تأويله
والسبب الآخر: وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس:39].فإن الناس يصدقون بالمشاهد المحسوس، ويكذبون بالغيب المكتوم، والتأويل -كما تعلمون- له معان؛ ففي هذه الآية جاء بمعنى: الوقوع: أي: وقوع حقيقة الشيء المخبر عنه سابقاً، كما قال يوسف عليه السلام: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100] أي هذه حقيقة الرؤيا التي قد وقعت، كانت رؤيا في عالم الغيب أخبر بها؛ فلما أن تحقق ذلك ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً، كان ذلك هو وقوع الرؤيا وهو تأويلها هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ [يوسف:100]، فهؤلاء الجاحدون يريدون أن يروا الملائكة، وأن يروا الله، وأن يروا الجنة والنار؛ فإذا رأوا ذلك آمنوا؛ وهذا مما يطلبه الجاحدون والظالمون، ولكن! هل يلبى لهم ذلك؟ لا، فهم يريدون أن يؤمنوا بشيءٍ يمكن لعقولهم أن تصل إليه، وهذا هو الذي لايمكن؛ وهم يريدون أيضاً أن يؤمنوا بشيء يمكن لعقولهم أن تستدل عليه، وأن تعرفه؛ والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنما أرسل الرسل لعالم الغيب، وهو عالم لا يمكن أن تحيط العقول البشرية به علماً؛ وإنما غاية الأمر أن تستدل عليه وأن تؤمن به وتثبته في الجملة. فكل إنسان في فطرته الإيمان باليوم الآخر، ولو أنه فكر لوجد أن الإيمان باليوم الآخر ضرورة عقلية لا بد منها، لكن هل يمكن أن يؤمن عن طريق العقل المجرد بالميزان، أو بالصراط، أو بالحوض، أو بدرجات أهل الجنة والنار أو بالصحف أو بأمثال ذلك مما لا يمكن أن يُعلم إلا عن طريق الوحي، وخبر السماء عن الله تبارك وتعالى؟ إن عالم الغيب الذي يريد الناس أن يحيطوا به علماً لا يمكن أن يكون بهذه المثابة؛ بل لا يمكن أن يكونوا مؤمنين أو عبيداً لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إلا إذا آمنوا بما أمر به الله، وصدقوا بما أنزله الله تبارك وتعالى؛ وإن لم يكن مما تدركه عقولهم أو تحيط به.فليس من حقك إذاً أيها الإنسان المخلوق الضعيف العاجز ألا تؤمن إلا بما أدركه علمك وأحاط به فكرك، إن هذا الكلام عندما نعرضه لنبين أسباب تكذيب الكفار؛ فإنما نبين هذه الحقيقة؛ لأن في المنتسبين إلى الإسلام من الفرق الضالة، وأصحاب الانحراف في القديم والحديث، من وقع في هذه القضية، وفي هذا الخلل أو الخطأ أو الشبهة ولو جزئياً.
من مظاهر الإيمان بالغيب
وهنا قضية أخرى وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس:39] وهذه متعلقة بالذين يقولون: لا نؤمن إلا بما نشاهده، وبما نحس به، وبما نراه؛ فإذا وقع آمنوا، وليس الأمر كذلك؛ فإن فرعون آمن لما أدركه الغرق، وكذلك المحتضر حين تأتيه الملائكة لتقبض روحه يؤمن حينئذ، ولكن هل ينفعه إيمانه في تلك اللحظة بالذات؟ جزماً لا.
 متى تنقطع التوبة
فلا ينفع الإيمان حينئذٍ، ولا يقبل أن يأتي الإنسان فيقول: الآن أتوب، بعد طلوع الشمس من مغربها! ولا مجال للمعصية، فهذا يقال له: لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت، هذه حالة أو لم تكن كسبت في إيمانها خيراً وهذه هي الحالة الثانية. إذاً يجب على الإنسان: أن يؤمن بعالم الغيب في عمره المحدود، وقبل تلك اللحظات، وكذلك يجب على الإنسانية جمعاء، أن يؤمنوا بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ويؤمنوا بالغيب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، وأن يتوبوا إلى الله تبارك وتعالى. فالإيمان بالغيب شامل لكل ما جاء في الكتاب، وصح به الخبر عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فالإيمان بالله، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر، والإيمان بالجنة والنار، وتفصيل ذلك كله من الإيمان بالغيب، وأن قوله تعالى في الآية: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3] فسرها الصحابة الكرام كـابن مسعود وابن عباس وفسرها أبو العالية وقتادة وغيرهم من السلف أنها تعني: كل أمور الإيمان وكل أمور الغيب.
إنكار الغيب وعلاقته بالنهضة العلمية
إن إنكار الغيب ما اشتهر أمره، وظهر وأصبح ظاهرة عالمية إلا في العصر الحديث؛ وذلك نتيجة لأن العالم الإنساني أصبح الآن متقارباً ومتلاحماً، حتى أن أي فكرة في الشرق تصل إلى الغرب -أو العكس- في يوم واحد، أو في أسابيع، وإن أبرز سمة في هذا العالم الذي نعيش فيه اليوم هي: السمة المادية، فهو عالم لا يؤمن إلا بالمحسوس، ولا يؤمن إلا بالماديات، فينكر الغيب، ولا يؤمن إلا بما يدر عليه نفعاً في هذه الدار الفانية؛ ولهذا كان لا بد لنا أن نعرج على أسباب ضلال هؤلاء القوم، ثم نرى بعد ذلك أثر الإيمان بالغيب في حياة المؤمنين، وأثر فقدان الإيمان بالغيب عند الكافرين. فلماذا كفرت أوروبا، وكفر مفكروها بالغيب؟ وهل هم في الحقيقة كافرون بالغيب؟ أم أنهم كافرون وجاحدون بالرسل وبما جاءت به الكتب؟ ولما قلنا أنه لا يكاد يوجد إنسان يؤمن على الحقيقة بالغيب، بل يؤمن بأنه لا شيء وراء هذا المحسوس، فكيف ذلك؟وهل كل ما يؤمن به أكثر الماديين -غلواً وعتواً- هو كل ما يشاهدوه ويروه أو يلمسوه ويدركوه بعقولهم؟ الجواب على هذا السؤال ينقلنا إلى أن نعود إلى أسباب انتشار المادية لنعرف الجواب.
 فشل النظرية المادية واختلاف علمائها
لكن ما الذي جرى؟! يقول الله تبارك وتعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53]، أخذوا هذه المادة (قطعة حديد) فآمنوا بها؟ لأن (الحديد) موجود ومحسوس، فآمنوا بالحديد، وصنعوا منه ما صنعوا، واخترعوا ما اخترعوا، وفعلوا ما فعلوا.ثم بعد ذلك يأتي السؤال المحير الذي لا بد منه، ولا بد أن يطرأ على أذهان البشر، وهو: ما هو هذا الحديد؟ وعندما أرادوا معرفة حقائق الأشياء وكنهها، ووضعوا الحديد تحت المجاهر الكبيرة؛ لم يستطيعوا أن يؤمنوا بعد ذلك بشيء واحتاروا! فقيل لهم لماذا تحتارون؟ ألم تكونوا تقولون: نكفر بالغيب ونؤمن بالمادة المحسوسة والمشاهدة؟ قالوا: لا، ليست هذه هي القضية؛ إنه عندما اكتُشِفَتْ الذرة، واكتشفت المجاهر الكبيرة جداً؛ أصبحنا لا نرى حديدة، بل أصبحنا نرى فراغات هائلة تشبه الفراغات التي بين أفراد المجموعة الشمسية: الأرض، والكواكب الأخرى حول الشمس، هذه هي المادة وهذه هي الحديدة؛ فإذاً ما هي المادة؟ قالوا: لا نستطيع أن نقول لكم شيئاً. فيقال لهم: كنتم تطالبوننا أن نكفر بالإنجيل، ونؤمن بالمادة فما هي المادة؟ قالوا: لا نستطيع معرفة ذلك.فاختلفوا في ذلك إلى الآن، وكلما تقدموا في العلم فإنهم يجهلون ما هي المادة؟ ما هي حقيقتها؟! وعندما يقال لهم: أنتم إذاً تؤمنون بالغيب؟ يقولون: نحن لا نؤمن بالغيب كيف ذلك؟ لأن الغيب عندهم هو تلك الخرافات التي لا يريدون أن يؤمنوا بها، سواء عرفوا هذه الحديدة أم لم يعرفوها. لكن هذا الغيب الجديد، وإن صح التعبير (الغيب العلمي) كما يسمونه أحياناً، فهم يؤمنون به ولم يروه، ويقولون لا نستطيع أن نراه، إنما هو أمر غيبي. فالكهرباء -مثلاً- قالوا: إنها من عالم الغيب، فإذا قيل لهم: أنتم هل تؤمنون بالغيب؟ قالوا: لا نؤمن بالغيب، لكننا في الحقيقة لا ندري ما هي الكهرباء؟ إننا ندرك آثارها ونستخدمها في كل بيت وفي كل شأن تقريباً؛ لكننا لا ندري ما حقيقتها!! وقس على ذلك كثيراً من الأمور كالجاذبية، فما هي الجاذبية؟ لا يدرون! مع أنهم يعرفون قانون الجاذبية؛ ولكن ما هي الجاذبية على الحقيقة؟ يقولون: لا ندري.إذاً: ماذا استفاد الإنسان!! فقد صعد إلى السماء فتاه في هذا الفضاء بين الأجرام، حتى إنه لم يعد يدري عن شيء، ودخل إلى أعماق الذرة الصغيرة فتاه في أعماقها، وقال: إن الفراغات التي توجد بين الهواء وبين ما يدور حولها تشبه الفراغات التي بين الكواكب. إذاً فأين يعيش الإنسان؟ وكأن حصيلة هذا الجهد الإنساني، وحصيلة هذا العلم لاشيء..!وهذه هي الحقيقة أيها الإخوة، فالإنسان بغير الإيمان بالله عز وجل وبغير الإيمان بالغيب صفرٌ فارغٌ لا حقيقة له، ولا يستطيع أن يؤمن بأي شيء، فلم يعد هناك في الغرب -بين العلماء الغربيين- اتفاق على شيء، إلا على شيء واحد، إن اتفقوا عليه وهو: أنه لا يصح لك أن تصدر أحكاماً مطلقة، سواء كنت عالم فيزياء أم كيمياء أم أحياء أم في علم الاجتماع أم في علم النفس، فلا تصدر أحكاماً مطلقة وتقول الحق كذا، إذاً فمعنى ذلك: أن الإنسان لم يعلم شيئاً أبداً، فجهد وتعلم، وإذا به يجد أنه لا يرى ذلك الذي تعلمه على الأرض.
أثر الإيمان بالغيب على المؤمن والكافر
إن الإنسان لا يستفيد شيئاً، ولا يعلم شيئاً، ولا يرى الأشياء على حقيقتها، إلا إذا آمن بالله، وإذا آمن بالغيب. وهذه الحقيقة -يا إخوة- ليست مجرد راحة للفكر والقلب، وأنه عندما يعتقد أو عندما يصدق، فإنه يتحرر من الشك، ويترك الحيرة التي يقع فيها العلماء عادة إذا لم يعرفوا الأجوبة على أسئلة معينة، لا؛ فالمسألة أكبر من ذلك جداً، فهي مسألة طمأنينة القلب، أو المعيشة الضنك، يقول الله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124].
 اطمئنان المؤمن وسعادته
بالمقابل نجد أن أسعد جيل على وجه الأرض، وأكثره طمأنينة وراحة وأماناً في الحياة الدنيا هم جيل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].فالمؤمن مطمئن، فإن جاءه الخير فهو مطمئن، وإن جاءه الشر فهو مطمئن، ومهما وقع له فهو مطمئن، فإن ظلم فإيمانه بالله وباليوم الآخر يجعله يطمئن، ويصبر احتساباً، فهو يعلم أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سوف ينتقم له ممن ظلمه، وليس بقدرته الذاتية، وإن منع حقاً له فهنالك أيضاً اليوم الآخر الذي توفى فيه كل نفس ما كسبت. أيضاً فإن عالم الدنيا مهما كبر فإنه يصغر عند الإنسان، وذلك عندما يؤمن بعالم الغيب؛ فما قيمة الدنيا عند المؤمن الذي يؤمن بأن موضع سوط في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس! فلماذا نتصارع على هذه الدنيا؟ ولماذا نتتطاحن؟ ولماذا نتشاحن؟ ولماذا البغضاء؟ ولماذا الأحقاد؟ ولماذا العداوات؟ ولذلك فإن المؤمن يطمئن ويرتاح عندما يرى الكفار أو الفجار أو الظلمة قد أخذوا ما أخذوا؛ فبهذا يستقر؛ وإن أُعطي حمد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولم يشغله ذلك عن اليوم الآخر، وعلم أن هذا المتاع فان وزائل، وأنه إن تمتع بشيء منه فهو يتذكر متاع الآخرة؛ فيجتهد ويعمل لها، ويؤجر على هذا العمل؛ لأنه مشروع، ولأنه فعل المأمور فعف نفسه -بهذه الشهوة مثلاً- أو عف أهله إن كانت شهوة مال وما أشبه ذلك.فيعيش الإنسان والمجتمع المسلم في طمأنينة كاملة، وما ذلك إلا نتيجة الإيمان بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى والإيمان بالغيب، وليس كما يرى بعض المسلمين الإيمان بالغيب في حين أنهم ينقضونه بتصرفات وأعمال عديدة.
الأسئلة

 القدر وتعدد الأسباب
السؤال: يقول الشاعر: (تعددت الأسباب والموت واحد) هذا شطر من بيت شعري فهل يكون سبباً من هذه الأسباب معارضاً للقدر، أم أنه موافق له؟ وهل هذا السبب مكتوب في اللوح المحفوظ؟الجواب: نعم، فكل ما يقع إنما يكون وفقاً لما كتب الله تبارك وتعالى، فكل مصيبة كما يقول تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22].فكل شيء قد كتبه الله علينا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ ولا يقع إلا ما كتبه الله؛ فهو من القدر، ولا يكون مخالفاً للقدر.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإيمان بالغيب للشيخ : سفر الحوالي

http://audio.islamweb.net