اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الروض المربع - كتاب الطهارة [27] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


الروض المربع - كتاب الطهارة [27] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
اختلف العلماء في مسألة التيمم لغير حدث، والراجح أن التيمم لا يكون إلا لحدث، ويشرع التيمم عند الخوف من استعمال الماء أو العجز عنه، ومن فقد الماء والتراب جميعاً نوى رفع حدثه، وصلى على حسب حاله، ويشترط في ما يتيمم به أن يكون تراباً طهوراً مباحاً غير محترق.
التيمم لغير حدث
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه! وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه! ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.وبعد:قال المؤلف رحمه الله: [ أو نوى بتيممه نجاسة على بدنه تضره إزالتها أو عدم ما يزيلها به، أو خاف برداً، ولو حضراً مع عدم ما يسخن به الماء بعد تخفيفها ما أمكن وجوباً ].المؤلف بعد أن تحدث عن مسألة النية في التيمم، قال: (أو نوى بتيممه نجاسة على بدنه تضره إزالتها)، هذه مبنية على مسألة: هل يجوز التيمم لغير حدث؟ من المعلوم أن الحدث -كما مر معنا- وصف قائم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها، فإذا وجدت في بدن الإنسان نجاسة يصعب عليه إزالتها، مثل: أن تكون هذه النجاسة قد وقعت على جرح، والجرح يضره الماء، ويصعب تنظيفه، فهذه نجاسة على بدن الإنسان يعسر إزالتها، فهل له أن يتيمم لها؟الحنابلة رحمهم الله يجوزون التيمم لغير الحدث، يعني: لنجاسة على البدن، ويجوزون -كما مر معنا- الاستجمار في غير السبيلين، ومر معنا قول أبي العباس بن تيمية أنه إذا كان حول ذلك فلا حرج، أما ما كان بعيداً فلا، وعلى هذا فالحنابلة بدون جواز التيمم لغير طهارة الحدث.والقول الثاني في المسألة: أنه لا يتيمم إلا لحدث، وهذا مذهب جمهور الفقهاء خلافاً للحنابلة. وإذا لم يجز التيمم للنجاسة على الثوب -ولم يقل به قائل- فكذلك النجاسة على البدن، وأنتم تعلمون أن الإنسان إذا أراد أن يصلي وجب عليه إزالة النجاسة، ووجوب إزالة النجاسة سواء كانت على البدن، أو على الثوب دليلها واحد، فيقول الجمهور: إذا لم يجز التيمم للنجاسة على الثوب -مع أنه لم يقل به قائل- فكذلك التيمم للنجاسة على البدن لا يصح، إذ لا فرق، وهذا القول قوي، وهو الراجح.إذاً: دليل القول الثاني أنه لا يتيمم إلا لحدث قالوا: لأننا متفقون على أنه لا يتيمم للنجاسة التي على الثوب، فكذلك النجاسة التي على البدن، إذ لا فرق، وهذا القول هو مذهب أبي حنيفة و مالك و الشافعي، واختيار ابن تيمية ، وهي الرواية الأخرى عند الحنابلة.
 

التيمم لخوف استعمال الماء أو العجز عنه
قال المؤلف رحمه الله: [ أو خاف برداً ].يعني: إذا خاف المرء المرض، أو تأخر البرء، أو زيادة الحمى من شدة البرد فإنه يتيمم ويصلي، كما مر معنا في حديث عمرو بن العاص ، وقلنا: إن حديث عمرو بن العاص عندما قال: ( تذكرت قول الله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، فتيممت ثم صليت بأصحابي )، أن في سنده عبد الرحمن بن جبير المصري لم يسمع من عمرو ، وأن أصح منه رواية عبد الرحمن بن جبير عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو أنه قال: ( فغسلت مغابني وتوضأت ثم صليت )، فليس فيها ذكر التيمم، وهذا يدل على أن الإنسان إذا لم يستطع أن يعمم سائر بدنه، فإنه يفعل ما يستطيعه؛ بأن يغسل مغابنه أو يغسل رأسه، ويتوضأ ليخفف الجنابة الكبرى.وقد روى البيهقي وغيره في تفسير قول الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً [النساء:43] قول ابن عباس: الرجل تصيبه الجراحة في سبيل الله ويخاف إن هو اغتسل أن يتيمم.يقول المؤلف: (ولو حضراً)، في الحضر يفرقون بين عدم وجود الماء، وبين وجوده ولكنه يضر؛ ولهذا قالوا: ولا يتيمم خوف خروج وقت، فالحنابلة يفرقون في السفر وفي الحضر عند عدم وجود الماء، أما الخوف على البدن، فإنه لا فرق في الحضر والسفر، إلا أن في الحضر يزاد فيه الاحتياط، بمعنى: إذا لم يجد ما يسخن به أو خاف إن سخن الماء خرج الوقت، فهنا يفرقون؛ ولهذا قالوا: يجوز له التيمم خوف البرد ولو حضراً مع عدم ما يسخن به الماء.ثم قال: (بعد تخفيفها ما أمكن وجوباً)، يعني: تخفيف الحدث، سواء كان أكبر أم أصغر، بمعنى: أنه إن قام وهو في السفر مثلاً، أو في البر، وهو محدث حدثاً أكبر، وليس عنده ما يسخن به، هل يتيمم للحدث الأكبر ويتوضأ للحدث الأصغر؟ نقول: لا ينتقل إلى التيمم إلا بعد أن يغسل ما استطاع من غسل؛ بأن يغسل رأسه، ويغسل مغابنه ما أمكن، ثم بعد ذلك يتيمم لما لم يصبه الماء، ثم يغسل ما استطاع من غسل ثم يتوضأ، وأما أن يتيمم ابتداءً ثم يتوضأ، فلا يجزئه حتى يفعل ما يمكن أن يكون قد زال عنه الحرج، والله يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، كما صنع عمرو بن العاص قال: ( فغسلت مغابني وتوضأت )، لم يغتسل غسلاً عاماً؛ بل غسل ما استطاع أن يغتسل. قال المؤلف رحمه الله: [ أجزأه التيمم لها؛ لعموم: ( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ) ].الدليل: ( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ) يعني: أن التراب طهور، وإذا كان طهوراً جاز به.قال المؤلف رحمه الله: [ أو حبس في مصر فلم يصل للماء أو حبس عنه الماء فتيمم أجزأه ].إذا حبس الإنسان، ولم يجد ماءً سواء كان حبسه خارج المصر، أو داخل المصر، فإنه يصدق عليه أنه لم يجد الماء، فإن الله يقول: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43]، والذي يعجز عن استعمال الماء كالمحبوس فإنه يتيمم.
 

أحكام فاقد الطهورين وما في حكمه
قال المؤلف رحمه الله: [ أو عدم الماء والتراب كمن حبس بمحل لا ماء به ولا تراب، وكذا من به قروح لا يستطيع معها لمس البشرة بماء ولا تراب صلى الفرض فقط على حسب حاله ولم يعد ]. ‏
 إمامة فاقد الطهورين في الصلاة
قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يؤم متطهراً بأحدهما ].يعني: أن من هذا حاله -وهو الذي صلى من غير ماء ولا تراب- لا يؤم من كان طاهراً بالماء، أو طاهراً بالتيمم، فلو افترضنا أن أناساً حبسوا في مكان لا ماء فيه ولا تراب، وأحدهم ما زال طاهراً بالماء، أو ما زال طاهراً بالتيمم، والآخر ليس طاهراً بالماء ولا بالتيمم، ولكنه رفع الحدث، فإن هذا لا يؤم المتطهر؛ لأنه كما أنه لا يؤم من لم يؤد بعض أركان الصلاة بمن يستطيع أن يؤدي كامل أركان الصلاة، فكذلك لا يؤم من انتقص شروط بعض العبادة على من أكمل شروط العبادة، هذا دليل الحنابلة، وكما هو معروف عند الحنابلة أنه من كان قادراً على أداء العبادة وأركانها، فإنه هو الذي يؤم من لا يستطيع أداء بعض العبادة إلا إذا كان إمام الحي.والراجح -والله تبارك وتعالى أعلم- أن كل من صحت صلاته صحت إمامته، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )، كما في صحيح مسلم من حديث أبي مسعود البدري ، فإذا كان الذي لم يجد الماء ولا التراب أحسن قرآناً، فإنه هو الذي يؤم؛ لأن عادم الطهارتين بالنية كواجدهما، والله أعلم.
شروط ما يتيمم به
قال المؤلف رحمه الله: [ ويجب التيمم بتراب -فلا يجوز التيمم برمل وجص ونحيت الحجارة ونحوها- طهور ]. ‏
 حكم التيمم بتراب خالطه طاهر كالنورة
قال المؤلف رحمه الله: [وإن اختلط التراب بذي غبار غيره كالنورة فكماء خالطه طاهر].يقول: التراب إذا خالطه شيء من عداه من أجزاء الأرض كالنورة، فكالماء إذا خالطه طاهر، فإن سلبه الطهورية وانتقل إلى غير مسمى الماء فلا يرفع الحدث، فكذلك التراب، إذا خالطه غيره، بحيث يكون أكثر من التراب، وخرج مسمى التراب عنه فلا يرفع الحدث كماء إن خالطه طاهر، والغريب أنهم يقولون: إن اختلط التراب بذي غبار غيره كالنورة فكماء خالطه، وهم يقولون: له أن يتيمم على لبد، أو على حصير، أو على شجر له غبار، فهذا مثله؛ لأن ما لصق منه يمكن أن يكون من تراب ومن غبار النورس.لعلنا نقف عند هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الروض المربع - كتاب الطهارة [27] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net