اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التأصيل العلمي للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


التأصيل العلمي - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
التأصيل العلمي منهج نبوي سار عليه سلف هذه الأمة وعلماؤها، ولعلم التأصيل أصول، منها: جمع النصوص الشرعية من الكتاب والسنة والتوفيق بينها، والتجرد عند المفتي والمستفتي لمعرفة الحق وبيانه، وإن خالف من خالف، كما أن هناك خللاً واضحاً وبيناً في بعض تطبيقاتنا الشرعية في حياتنا اليومية، ومنها: عدم تصور الواقع تصوراً صحيحاً عند إطلاق الحكم، والإنكار والتعصب في مسائل يسع فيها الخلاف.
نبذة مختصرة عن الشيخ الدكتور: عبد الله السلمي
المقدم: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:ضيوفنا الأكارم نرحب بكم في هذا المساء المبارك، ونرحب بمحاضرنا ومدير هذا اللقاء؛ وهما أصحاب الفضيلة الدكتور: عبد الله بن ناصر السلمي ، وكذلك أيضاً الدكتور: خالد بن محمد أبا الحسن ، وهما ضيفانِ كريمان على هذا المنتدى، أرحب بهما باسم الضيوف وباسم منتدى العمري، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بعلمهما، وسأترك التعريف بمحاضرنا لمقدم هذا اللقاء الذي له حق كبير علينا، وكنت بصحبته في رحلة علمية إلى الأحساء بالأمس، وكانت أول مرة نتعرف فيها على بعضنا البعض، فآنست منه حسن الخُلق والعلم الجم، وتواصل الأفكار فيما بيننا، فجزاه الله خيراً، وقد قبل مشكوراً هذه الدعوة لإدارة هذا اللقاء خصوصاً حينما علم أن فضيلة الدكتور عبد الله هو محاضر هذا اليوم، وشعرت بمحبته له فكان فأل خير حسن.مدير هذا اللقاء هو الدكتور: خالد بن محمد بن إبراهيم أبو الحسن حاصل على الماجستير من جامعة متشجن الحكومية، ومعها أيضاً ماجستير في اللغة الانجليزية للناطقين بغيرها، ومعها من جامعة دوكن أيضاً ماجستير في علوم الحاسبات، وحاصل على الدكتوراه من جامعة أنديانا في مجال اللغة الإنجليزية، عمل مستشاراً لدى معالي نائب وزير التعليم العالي، وعمل في عدة مجالات علمية وعملية يصعب حصرها، فهو عضو في العديد من الجمعيات والروابط المهنية المتخصصة في الترجمة، والترجمة الفورية في المؤتمرات والندوات ووسائل الإعلام، وهو عضو في لجنة المعادلات بوزارة التعليم العالي، ومستشاراً متفرغاً لمعالي نائب وزير التعليم العالي حيث يعمل حالياً، وهو مستشار دولي في المجلس الاستشاري الدولي الـ msu ، ومثَّل وزارة التعليم العالي في العديد من المناسبات لدى اليونسكو، والإليسكو، والإيسسكو، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، كان إماماً وخطيباً لعدد من المساجد في الولايات المتحدة في متشجن وأنديانا وبوتسبرد من انسلفاريا، له إسهامات عديدة في البحث والتأليف، ولعل من أشهرها كتاب صدر له باللغة العربية والإنجليزية عن التعليم العالي في المملكة العربية السعودية، وقد أثار حقيقة الكثير من الاهتمام لدى الجامعات العالمية والسفارات الأجنبية في المملكة والجهات العلمية في مختلف أنحاء العالم، وهو مؤسس لمركز النشر والترجمة بوزارة التعليم العالي، ومدير عام للدراسات والمعلومات سابقاً في وزارة التعليم العالي في الشئون التعليمية، وله اهتمامات كثيرة وهو ممن يهتمون بتعليم اللغة عن طريق الحاسب، وبعلم اللغة الاجتماعي، وبالتصميم للبرامج التعليمية عبر الحاسب.قبل أن نبدأ اللقاء كما تعودنا ينقل هذا اللقاء عبر البث الإسلامي على الهواء عبر الإنترنت، وسيتاح المجال إن شاء الله للأسئلة المكتوبة أو المداخلات المباشرة التي نتمنى أن تكون في صميم هذا الموضوع.أكرر الترحيب بضيفينا الكريمين. ولشيخنا الدكتور: عبد الله حسنة فهو أولاً صديق قديم ووالده حفظه الله صديق أيضاً للوالد، وجار لنا ونصلي معاً في مسجد واحد، وأحدث تغييراً في هذا المسجد حيث أننا في صلاة الفجر من فضل الله نشهد ما يزيد على الصفين في هذا المسجد؛ بسبب درسه الذي يلقيه بعد صلاة الفجر في بعض الأيام، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعهم وينفعنا بعلمه، وقبل أن أبدأ هذا اللقاء أترك المجال للابن إبراهيم بن عبد العزيز العمري ليتلو علينا بعض الآيات الكريمات.القارئ: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ * وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ * وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ * إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:1-12].المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: أحييكم إخوتي الأحبة حضور هذا اللقاء، ونشكر مُضيفنا الدكتور: عبد العزيز على حفاوته بنا وبكم، ونرحب بكم أيضاً يا من تتابعوننا على أثير الإنترنت، ومن ستشاهدون هذا اللقاء مسجلاً في وقت لاحق.لقاؤنا اليوم يطوف بنا فيه فضيلة الشيخ الدكتور: عبد الله بن ناصر السلمي -عميد المعهد العالي للقضاء سابقاً- حول قضية أصيلة ومسألة مهمة هي أساس كل علم؛ وهي قضية: التأصيل العلمي.الدكتور من مواليد عام 1391 للهجرة، ولد في مدينة بُريدة، يحمل شهادة البكالوريوس من كلية الشريعة وأصول الدين في القصيم إبان تبعيتها لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وذلك في عام 1414هـ، وحصل عليها بتقدير امتياز، كما يحمل درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء في قسم الفقه المقارن، وحصل عليها عام 1417هـ، نال شهادة الدكتوراه بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف من قسم الفقه المقارن من المعهد العالي للقضاء في عام 1422هـ.فضيلة الشيخ صدرت له عدة مؤلفات أذكر منها: أحكام الخطأ في المعاوضات المالية، وأصله رسالة الماجستير، وكذلك: الغش وأثره في العقود، وهو أساس رسالته أطروحة الدكتوراه، وله أيضاً كتاب المماطلة أسبابها وأنواعها ومظاهرها والسُبل الواقية لتفاديها، وهو كتاب تحت الطبع، كما صدر له كتاب أحكام دخول المسجد، وهو كذلك تحت الطبع.فضيلة الشيخ يعمل باحثاً في وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وعمل معيداً في المعهد العالي للقضاء في قسم الفقه المقارن وبدأ ذلك في عام 1420هـ، وهو الآن أستاذ مساعد في قسم الفقه المقارن منذ 1422هـ، عمل عضواً في هيئة التدريس في قسم الفقه المقارن في المعهد العالي للقضاء، وخبيراً في مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي، كما أنه مستشار غير متفرغ في وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، شارك في حضور دورات لمجمع الفقه الإسلامي كان آخرها في الدورة السادسة عشرة والتي عُقدت في دولة الإمارات، كما أنه حضر الملتقى الثاني والرابع للهيئة الشرعية في شركة الراجحي المصرفية للاستثمار، وكما يشارك حفظه الله في إجابة الفتاوى الشرعية المتعلقة بالقضايا الفقهية المالية في موقع الإسلام اليوم، وموقع المسلم وغيرها من المواقع المشابهة، كما أنه يعمل مستشاراً في مجلس أوقاف الشيخ عبد الله الراجحي .فضيلة الشيخ سيتناول مسألةً مهمَّة كما ذكرت في المجال العلمي إذ أن المبنى الذي نجلس فيه على سبيل المثال نجلس فيه آمنين مطمئنين؛ لأن هذا المبنى يقوم على أساسات سليمة، وكل شأن من شئونك تطمئن فيه حين تعلم أن أساسه أصيل سليم لا خلل فيه ولا ظن بأنه سينهار عليك يوماً ما، وحين نرى خطأً جسيماً يقع فيه أحد طلبة العلم فقد يكون أساس ذلك الخطأ نابعاً من كونه لم يؤصل لما يعلم تأصيلاً سليماً، وفي كل علم يكون للتأصيل طريقة ومنهج وأساليب يجب أن تُتبع، والتأصيل في العملية الأكاديمية متشابهة في كل علم وفي كل تخصص، إنما حديثنا اليوم سيكون لتأصيل العلم الشرعي، ونتناوله إنموذجاً لكل تخصص، وهذا التأصيل يهم كل طالب علم بأن يضعه نصب عينيه حين يدخل هذا المجال.فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله عرف التأصيل حين سُئل: ما معنى التأصيل في طلب العلم؟ وما الطريقة التي تنصحون بها طالب العلم في بداية الطلب؟ والكتب التي يجب أن يتناولها من كتب الأولين؟أجاب رحمه الله بأن التأصيل في طلب العلم: هو أن يحرص الإنسان على الأصول والقواعد؛ لأن هذا هو العلم، أما العلم بالمسائل فقط فيعد ناقصاً ولا شك، لكن إذا كان لدى الإنسان أصول وقواعد يبني عليها المسائل الجزئية كان هذا هو العالم حقيقة والراسخ في العلم، هذا مدخل نستمع بعده لفضيلة شيخنا ليتناول هذه المسألة، وآمل أن نستمتع بحديثٍ لا تزعجونا فيه بالهواتف الجوالة؛ لأن ذلك سيشوش على من يرغب في الاستماع والإنصات، شكر الله لكم وأترك الميكرفون لفضيلة الشيخ.
 

مدخل في التأصيل العلمي
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علماً وعملاً يا كريم.وبعد: فلا أجدني مضطراً إلى الحديث عن مقدمة عن العلاقة الحميمية التي بيني وبين أستاذي الدكتور: عبد العزيز العمري، ولا عن العلاقة التي بيني وبين الدكتور خالد فقد جمعتنا به مجالس عدة وعلاقة وطيدة، أتركها لموضوع التأصيل العلمي؛ لأن من التأصيل العلمي ألا يدخل الإنسان في الحديث الجانبي. أيها الإخوة في الله! ليس غريباً أن ترى الطبيب البارع وهو يشتاط غضباً حينما يرى تزايد الكثيرين من أصحاب العطارة وغيرهم وهم يدعون الطب؛ لأنه يعلم بخبرته ودرايته أن كل ذلك ناتج عن جهل، وإن وافقته الحظوظ في معالجة مريض قد تخطئه وأخطأته في مرضى كُثر، وليس غريباً أيضاً أن ترى الشاعر المسطع والنحوي البارع حينما تنفر آذانهما من سماع هراء يُسمى شعراً أو أدباً وهو بعيد كل البعد عن أوزان الشعر العربي، وأيضاً قد تجد أصحاب التخصصات الشرعية وغيرها يأنفون ويغضبون من الذين يتقحمون على هذا التخصص بمنهج غريب واستنباطات عجيبة.نعم ليس في الإسلام رجال دين وكهنوت لا يؤخذ العلم إلا منهم، لكن في الإسلام عقائد وقواعد وأصول ومبادئ لا يمكن فهم الشرع وسنة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم إلا بالأخذ بها والسير على منوالها، ومن هنا لابد من إجابة شافية للسؤال الذي يُطرح دوماً: لماذا التأصيل العلمي فالقرآن موجود، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم موجودة، فنأخذ مثلما أخذوا، وهم رجال ونحن رجال؟
 فهم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة والرد على من خالف ذلك
واليوم نسمع أيها الإخوة! بعض من يقول: قداسة النص وتأويل المراد، يعني: لأجل أن الناس لا يغضبون على النصوص الشرعية، وكذلك قالوا: القرآن والسنة على العين والرأس، لكن هذا الفهم الذي فهمتموه سواء كان صحابة أو أئمة، هم رجال ونحن رجال، نحن لا نعتمد على ما قالوا، لنا فهم آخر. فهذا ألا يثير بلبلة كثيرة، وهو أشد من أن تخالف الكتاب والسنة مطلقاً؛ لأن مخالفتك للقرآن والسنة سهلة يمكن أن يردك المخالف، ويعرف أنك مخالف للكتاب والسنة، لكن أن تقول: أنا أقبل الكتاب والسنة وعندي فهم جديد وقراءة جديدة للنص فهذا من الخطورة بمكان، ولهذا تجد مبالغات في فهمهم للنصوص.واسمحوا لي أيها الإخوة! أن أنقل لكم ما قاله بعضهم. عندما قال الله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]، قال بعضهم: المقصود بالجيوب ليس مثل ما فهمه الصحابة؛ لأن القرآن حمال وجوه، فالجيوب هي كل ما له طبقات، ومعنى ذلك أن المرأة ممنوعة أن تُظهر كل ما له طبقات: كالإبطين والإليتين والثديين، وما عدا ذلك فيجوز للمرأة أن تخرجه؛ لأن هذا ظاهر القرآن، والله يقول: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]، وما عدا ذلك فلها أن تخرجه، وهذا مع الأسف الشديد يوجد في بعض الكتابات الموجودة في المجلات الإلكترونية، وعبر الكتابات الموجودة في كل ما يضخ لنا عن طريق معارض الكتاب.أيها الإخوة! إذا ثبت هذا فإن التأصيل العلمي سار على ما سار على قواعد ثابتة، مثل الحديث، ولهذا أقر المستشرقون أن علم الحديث مبني على دقة متناهية في مراد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة حديثه؛ كيف عرف الأئمة ذلك؟نظروا إلى الراوي، الراوي إذا حدث بالحديث وعنده طلاب، مثلاً: أنا اليوم لو الآن حدثت بحديث فكلكم ثقات، فجاء هذا الراوي فقال: تحدث عن يوم الجمعة، وكلكم حدثتم أن عبد الله تحدث عن التأصيل العلمي، فجاء رجل وهو ثقة فقال: عبد الله تحدث عن التأصيل العلمي وتحدث عن فضل يوم الجمعة، فأنتم لم تقولوا: إن عبد الله تحدث عن يوم الجمعة ولم تنكروا ذلك، والأئمة رأوا أن تفرد هذا الشخص ولو كان ثقة بذكر يوم الجمعة دليل مع إقرار هؤلاء كلهم الذين لم يذكروا ذلك لا سلباً ولا إيجاباً دليل على أن عبد الله قطعاً لم يقل ذلك، ويقولون: إن هذا الرجل خالف الثقات، هو هل خالفهم؟ يعتبرون سكوت هؤلاء وذكر هذا دليل على المخالفة، من أين عرفوا؟ عرفوا من تقريرات عبد الله ومن ملازمة أصحابه ورؤيته، هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم.فالصحابة رضي الله عنهم عاينوا التنزيل وأدركوا مراد النبي صلى الله عليه وسلم فكان فهمهم معتبراً، ولهذا قال الإمام الشاطبي رحمه الله: كل فهم يُخالف فهم الصحابة فلا يعول عليه؛ لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، والعرب عندما نزل القرآن فهموا مراده، وعلى هذا فإذا كان هناك فهم لم يفهمه السلف أو فهموا خلافه لا يعول عليه، لكن إذا جاءنا فهم لا يخالف منهج السلف ويعتمد على اللغة نقول: الحمد لله نقبل، ولهذا قال علي : إلا فهماً يؤتيه الله أحد خلقه في القرآن.
قواعد وأسس التأصيل العلمي الصحيح
أيها الإخوة! لفهم أصول وقواعد التأصيل العلمي لابد أن نسير على تأصيل وعلى قواعد، وأنا سوف أذكر عن كل قاعدة أمثلة واقعية لخلل وخطأ بعض الباحثين أو بعض المفكرين أو بعض الكتاب والصحفيين وغير ذلك. ‏
 القاعدة الثانية: فهم مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم من النصوص
أيضاً من الأشياء المهمة أنه يجب علينا حينما يأتينا القرآن أو تأتينا السنة أن نفهم مراد الله ومراد رسوله على ما أراد الله وأراده رسوله، لا على ما أراده الباحث أو الفقيه أو المجتهد، لابد أن نفهم مراد الله على هذا الأمر، ومن الخطأ أن نطالب أحياناً الباحثين أن يرجح، نقول: لازم إذا اخترت قولاً أن ترجح، فيضطر الباحث حتى لو كان قليل البضاعة إذا أراد أن يرجح يقول: والراجح هو القول الأول؛ لقوة أدلة القول الأول، وضعف أدلة القول الثاني، وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني من قوله صلى الله عليه وسلم فيُحتمل كذا، ويحتمل كذا، ثم يبدأ يبعث احتمالات عقلية لم يكن مراد الله ولا مراد رسوله في هذا الأمر ثم يختم كلامه بقول: والحديث إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال.وهذه والله قاعدة مظلومة؛ لأن المقصود من ذلك إذا جاءك نص يجب أن تفهمه على مراد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الخطأ أن يفهم بعض المجتهدين أو بعض الناس فهماً يخالف الكتاب والسنة، ولهذا يقول ابن تيمية : لا ينبغي لأحد أن يفهم مراد أحد إلا على ما أراده في عامة التقريرات، فكما أنه لا يجوز لأحد أن يفهم مراد الله إلا على ما أراده الله وأراده رسوله لا على ما أراده المجتهد، فكذلك لا ينبغي أن نحمل كلام أحد إلا على ما أراده لا على ما يحتمله اللفظ، وهذا كثير جداً، ولهذا تبرز أحياناً احتمالات عقلية وتصورات ذهنية تخالف تماماً مراد الله ومراد رسوله في أمر ما، لذا وجب علينا الالتزام بمراد الله ومراد رسوله دائماً في كل شئون حياتنا.
مظاهر الخلل والاضطراب في إيراد الأحكام الشرعية

 كثرة الردود والجدل في مسائل فرعية يحسن السكوت عنها
الأمر الآخر: أيها الإخوة! ولعلي أختم به: هو كثرة الردود في مسائل فرعية، لم يكن المتقدمون أصحاب التخصص يهتمون بمثل هذه الردود، ولهذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله: ولو أردت أن أرد على كل قائل مقالةً بكتاب لصنعت ولكن ليس هذا من طريقتي.اليوم وللأسف في مسألة بسيطة تجد فلاناً يرد على فلان، وفلاناً يرد على فلان، ولو نظرت في سير الأئمة لوجدت أنهم لم يكونوا يهتمون للمسائل الفرعية إلا حال ورودها، يعني: يشرح الكتاب فتأتي مثلاً مسألة وضع اليدين على الصدر، أو مسألة من المسائل المستحبة، فيقررها في وقته، لكن أن يؤلف كتاباً على مسألة دقيقة بسيطة ثم يأتي آخر فيرد، لم يكن هذا من هدي الأئمة والعلماء الكبار.أما الآن فسوف يرد على هذه المسألة، تجده يجمع كل النصوص التي تؤيد قوله، والتي لا تؤيد قوله ويكون عقله منصباً على هذه المسألة، فلو أراد أن يمشي إلى المسجد قال في نفسه: هذا الدليل لعله يكون هذا، وبدأ يجمع ويجمع، ويقع في الخلل، ولهذا أصبحنا نجد بعض المسائل التي بعضها تكون أساسها من حديث المجالس، فيُعنف على هذا القائل فيذهب فيرد فيأتي بأقوال، مثل ما سمعنا مسائل غريبة جداً في واقعنا وهناك أمثلة كثيرة، مثل مسألة صيام العشر من ذي الحجة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصنعها، مثل بعض القضايا كوضع المال فيقول: لا يوجد بنوك إسلامية؛ لأن الاقتصاد كله اقتصاد رأسمالي، أمثلة بسيطة جداً جداً وهي واقعة وتمس حاجة الناس لكن سببها هو قصور في الفهم.لعل في هذا كفاية، ولعلنا نكمل ذلك في المداخلات.نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقني وإياكم الفقه في الدين، وأسأل الله أن أكون قد وفقت، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأسئلة

 رد الشيخ على من زعم أن للمرأة الحق في تزويج نفسها
السؤال: ماذا كان ردكم على المهندس الذي زعم أن للمرأة تزويج نفسها؟الجواب: أنا أخبرته أن هذا القول بناء على أصل أبي حنيفة رحمه الله وليس بصحيح، ولهذا قال الأئمة: لو أن قاضياً أتاه شخص بهذا الأمر وجب عليه أن يفسخ النكاح، ويسميه العلماء: الوطء بشبهة ولا يجوز، فهذا من الإشكالات وهو مخالف لقول عامة أهل العلم، بل قال بعضهم: إن أبا حنيفة رجع عن قوله، وليس هذا أمراً يجوز الأخذ به؛ لأنه مخالف لنص شرعي ثابت.وليس معنى أنه بمجرد وجود الخلاف يجوز للإنسان الأخذ به، ولهذا أشار الإمام أبو الوليد الباجي إلى هذه المسألة على أنه لا يلزم وجود الخلاف أن يسوغ للمفتي أن يفتي بكل قول؛ لأن هذا من التلاعب بالدين، ذكر ذلك عامة أهل العلم، ذكره الإمام أبو الوليد الباجي ، وذكره الشاطبي ، وذكره السدي ، وذكره أبو العباس بن تيمية ، وذكره ابن القيم ، وبعضهم لما عرف أني بالفقه المقارن، قال: السلام عليكم، ما رأيك يا شيخ! في المسألة الفلانية، أقول له: المسألة كذا والدليل كذا، يقول: طيب ألا يوجد قول آخر؟ يعني: بمجرد أن هناك قولاً آخر قال: الحمد لله.ومرة كنا جالسين في مجلس طلاب علم، فطرحنا حديثاً وذكرنا الأدلة، فقال أحدهم: غريب والله ما يوجد إلا قول واحد؟ قال آخر: إلا، وجدت قولاً ذكره ابن قندوس في حاشيته على الفروع، قال: الحمد الله الذي جعل في الأمر سعة، طيب! وماذا علينا من ابن قندوس يمكن ما عرفنا ابن قندوس إلا في حواشيه.إذاً: ليس مجرد وجود الخلاف سائغ لأن يأخذه الإنسان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في حديث النواس : ( الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس )، أنا لا حرج عليّ إذا كنت مقلداً أو أنا مبتدئاً ووجد عالم كـابن باز أو عالم من العلماء يقول بالتحريم، وعالم آخر يقول: بالجواز وكل العلماء لدي أنهم ثقات لا حرج أن أختار أحدهم، هذا الذي ما خُير الرسول بين أمرين إلا اختار أيسرهما، لكن أن أرى أن هذين الإمامين ثقات عندي فأعلم أنهما قالا بالتحريم، وأقول: دعونا نسأل، وندى علماء غيرهم، ما في علماء إلا الذي في السعودية، إذاً هو بحث عن من يقول بالجواز فإذا وجد قال بذلك.ثم يجب علينا أن نعرف أن المسائل الاجتهادية لا ينكر فيها على المخالف، يعني: لو أنني أخذت بقول معتبر لا يسوغ لأحد أن ينكر عليّ، ويقصد بها: المسائل التي لها في كل قول حظ من النظر فلا يسوغ لأحد أن ينكر فيها؛ لأنه لا يُعلم أي القولين أصوب، ولهذا يقول الشافعي: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب، لكن ليس معنى ذلك أنه بمجرد وقوع خلاف ترى أن لك أن تأخذ به؛ لأن هذا هو المقصود به: من تتبع رُخص العلماء اجتمع فيه الشر كله، والمقصود بالرُخص التي فيها مخالفة للنص الثابت، أما ما ليس فيها نص أو كل واحد أخذ بنص واجتهد فلا يدخل في كلام الأئمة في ذلك، وهذا من الأخطاء أننا أحياناً نأخذ بكلام بعض الأئمة ونطبقه في كل شيء، يعني: بعضهم قد يقول قولاً في زمن الصغر، ثم إذا كبر وبدأ يحرر المسألة ربما تبين له خلاف ما قال سابقاً.وأذكر مرة من المرات أني كنت أقول بالتحريم في مسألة بناءً على قول بعض مشايخي الذين درست عليهم، ثم بعد البحث والتحري ومناقشة المسألة تبين لي القول بالجواز، عندما عرف أحد الإخوة أني أخذت بقول الجواز جذبني وقال لي: الله المستعان، حذيفة قيل له: متى تعرف الرجل أنه قد افتتن؟ قال: إذا قال اليوم بحلٍ كان يقول بالأمس: إنه حرام، وهذا المسألة طبقت على أمور خاطئة، عندما قيل لـحذيفة رضي الله عنه هذا الأمر أن يقول: حلال ما كان بالأمس يقول: إنه حرام، يقصد بذلك: أن هواه هو الذي قاده إلى ذلك، أما إذا النصوص الشرعية بينت له حل هذا الأمر فيجب عليه أن يفتي، ولا يسوغ له أن يسكت أو يغير قناعته التي توصل إليها ببحثه واجتهاده بمجرد ضغوط طلابه عليه أو مجتمعه.وأذكر أن عبد الحميد بن باديس رحمه الله أيام الاستعمار في الجزائر قال بقول يوافق ما يريده الاستعمار؛ لأنه يوقع عن رب العالمين، فقال قولاً موافقاً لما يريده الاستعمار، فجاء الناس وبدءوا يدخلون بيته ويضغطون عليه ويراجعونه، فقام على المنبر وقال: أيها الناس! أنتم لا تريدوني أن أكون عالم سلطة أليس كذلك؟ قالوا: نعم، قال: وأنا لا أريد أن أكون عالم سلطة ولا أريد أن أكون عالم عامة. ومن واقنا أيضاً مسألة زكاة الحُلي، جمهور الصحابة على أنه لا زكاة فيها، لكن بعض مشايخنا قال بزكاة الحلي مع العلم أن أئمة الدعوة بنجد كلهم يقولون: إنه لا زكاة فيها، لكن عندما قال شيخنا عبد العزيز بن باز وشيخنا محمد بزكاة الحلي بدأ طلاب العلم إذا سئلوا قالوا: الأحوط أن يُزكي؛ لأنه الآن ما يمكن أن يخالف الواقع، مع أن عامة الصحابة كما يقول أبو عمر بن عبد البر : جمهور الصحابة على القول بعدم زكاة الحلي. اليوم لو أن عندك مسألتين تجد أنه يصعب عليك أن تقول: الأحوط تركه، بل تقول: إن شاء الله نتركه، بسبب ضغط الواقع، ما ينبغي أن يكون عليه الفقيه.
حقيقة بعض مثيري الاختلافات بين العلماء ومرادهم من ذلك
المقدم: جزاك الله خيراً يا شيخ! لعلنا نستمع لمداخلة من الأستاذ: عبد الله بن عبد الرحمن الراشد فليتفضل مشكوراً.مداخلة: بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم على نبينا محمد، أشكر للدكتور: عبد العزيز العمري على هذا اللقاء وكذلك الشيخ الدكتور: عبد الله بن ناصر السلمي على هذا الطرح.حقيقة ما ذكره الشيخ لا إشكال فيه، قعد الأمور على قواعدها، لكن الإشكال اليوم مختلف مع هؤلاء الذين يستدلون بهذه النصوص، يعني: نحن نلتمس للأئمة السابقين كـأبي حنيفة ، و ابن حزم وغيرهم أنهم اجتهدوا في مسألة وقارنوا بين أدلة ولم يكن هناك هوى في نفوسهم نحسبهم كذلك، وإنما هي مسائل اجتهدوا فيها، فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ.لكن اليوم المسألة اختلفت، المسألة ليست مقارنة بين النصوص، وليست ترجيحاً بين دليل ودليل، وإنما المسألة الآن تختلف اختلافاً جذرياً، هناك هوى ورغبةً لدى البعض في نسف بعض فسأل الشريعة والدين وبعض عادات مجتمعنا الإسلامي، ويقال: قال بها ابن حزم، قال بها أبو حنيفة وغيرهم من الأئمة، لذلك أعتقد أن هؤلاء لا ينفع أن نذكرهم بنصوص جاءت في عدم هذا القول؛ لأنهم لم يكونوا جاهلين بالنص أو التبس عليهم القول، وإنما لهوى أرادوه، أرادوا إخراج المرأة فتحدثوا عن الاختلاط، أرادوا كشف وجهها فتحدثوا عن الاختلاف في حكم تغطية الوجه، أرادوا أن تخرج وتسافر بلا محرم فأثاروا الخلاف في هذه القضية، هم يهدفون إلى شيء يريدون تحقيقه ليست إشكاليتهم في نصوص أو في أقوال أو في ترجيحات وإنما لأهداف يسعون إليها.أذكر قصة إضافةً لما ذكره الدكتور حفظه الله: اتصلت إحدى النساء عليّ وقالت: إني أريد أن أتزوج، ولديَّ ابن يدرس في الجامعة، فذكرت أنه لابد أن يكون هناك ولي، قالت: لا أريد أن ابني يعلم بزواجي وقد تقدم إليّ أحد الأئمة، وأن أبا حنيفة يرى أن المرأة يجوز لها أن تزوج نفسها.فالمسألة ليست قاصرة على الرجال إنما حتى بعض النساء يريدون الأخذ بهذا القول، فذكرتها بالنص الوارد الذي ذكره الشيخ وأنه لابد من ولي، لكن أقول: إن بعض الناس يريد أن يأخذ أو يقتطع القول ليس رغبة في فهم النص وإنما لهوى في نفسه، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.الشيخ: أنا تحدثت في أول حديثي، في مسألة القراءة الجديدة للنص، وقلت: إن الذين يأتون اليوم لا يستطيعون أن يخالفوا النصوص الشرعية ويردونها، وبدلاً من هذا قالوا: بعدم قداسة النص وتأويله، وهذه هي المشكلة؛ لأن المعتزلة والأشاعرة حينما أولوا النصوص كان بدعوى تنزيه الخالق سبحانه وتعالى، بل إني أقول: إن المعتزلة والأشاعرة في قصدهم هذا -إن كانوا صادقين- هم أفضل من الذين يأتون اليوم. يقول لي أحد القضاة -قاضي في إحدى مناطق المملكة-: إن امرأة زوجها والعياذ بالله يشرب الخمر ودائماً يضربها ويطلقها، وأنها جاءت تشتكي وترفع عنده قضية وقالت: الزوج كثيراً ما يطلقني وأنا مطلقة الآن، وأنه يشرب الخمر ويزني، يقول القاضي: أنا وضعت الجلسة وجاء هذا الشخص الذي طلق امرأته وآذاها، قلت له: امرأتك تقول: إنك طلقتها -انظروا الآن يا إخوان! الاحتجاج- قال: نعم، أنا طلقتها، وأعلم أني طلقتها، وأعلم أنها حائض، وأعلم أن طلاق الحائض لا يقع، وهو اختيار ابن تيمية وهذه المشكلة، يعني: لهذه الدرجة تجد أن الناس أحياناً يتشبثون بأي شيء، ولهذا يقول: عقلي قولي، لذا لابد من فهم من له الحق أن يفتي -وهذا الذي أريد الوصول إليه- فليس كل من درس ولو يسيراً له أن يفتي فلا يفتي إمام المسجد أو خريج الشريعة وكل من هب ودب.ومن الطريف أنه مرة من المرات كنت أستقبل أسئلة بين المغرب والعشاء، فاتصلت عليّ امرأة كبيرة في السن فقالت بلهجتها العامية وبراءتها: أنت الشيخ؟ قلت: نعم، يا خالة! هكذا يقولون ماذا عندك؟ قالت: إيه، أريد أن تقرأ عليّ، قلت: أنا لا أقرأ على أحد، قالت: طيب! أريد أن تفسر لي رؤيا، قلت: أنا لا أفسر رؤى، قالت: طيب! وماذا تعمل؟ وهذه مشكلة مثل هذه التصورات.فالواجب إذاً أن نبين للناس من الذي يحق له الفتوى، والفتوى ليست حكراً على كبار العلماء أو على طلاب كلية الشريعة، لكن يجب عليك أن تأخذ كما أخذ هؤلاء فتفتي مثل ما يفتون وإلا فاعتزل.
 رد الشيخ على من زعم أن للمرأة الحق في تزويج نفسها
السؤال: ماذا كان ردكم على المهندس الذي زعم أن للمرأة تزويج نفسها؟الجواب: أنا أخبرته أن هذا القول بناء على أصل أبي حنيفة رحمه الله وليس بصحيح، ولهذا قال الأئمة: لو أن قاضياً أتاه شخص بهذا الأمر وجب عليه أن يفسخ النكاح، ويسميه العلماء: الوطء بشبهة ولا يجوز، فهذا من الإشكالات وهو مخالف لقول عامة أهل العلم، بل قال بعضهم: إن أبا حنيفة رجع عن قوله، وليس هذا أمراً يجوز الأخذ به؛ لأنه مخالف لنص شرعي ثابت.وليس معنى أنه بمجرد وجود الخلاف يجوز للإنسان الأخذ به، ولهذا أشار الإمام أبو الوليد الباجي إلى هذه المسألة على أنه لا يلزم وجود الخلاف أن يسوغ للمفتي أن يفتي بكل قول؛ لأن هذا من التلاعب بالدين، ذكر ذلك عامة أهل العلم، ذكره الإمام أبو الوليد الباجي ، وذكره الشاطبي ، وذكره السدي ، وذكره أبو العباس بن تيمية ، وذكره ابن القيم ، وبعضهم لما عرف أني بالفقه المقارن، قال: السلام عليكم، ما رأيك يا شيخ! في المسألة الفلانية، أقول له: المسألة كذا والدليل كذا، يقول: طيب ألا يوجد قول آخر؟ يعني: بمجرد أن هناك قولاً آخر قال: الحمد لله.ومرة كنا جالسين في مجلس طلاب علم، فطرحنا حديثاً وذكرنا الأدلة، فقال أحدهم: غريب والله ما يوجد إلا قول واحد؟ قال آخر: إلا، وجدت قولاً ذكره ابن قندوس في حاشيته على الفروع، قال: الحمد الله الذي جعل في الأمر سعة، طيب! وماذا علينا من ابن قندوس يمكن ما عرفنا ابن قندوس إلا في حواشيه.إذاً: ليس مجرد وجود الخلاف سائغ لأن يأخذه الإنسان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في حديث النواس : ( الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس )، أنا لا حرج عليّ إذا كنت مقلداً أو أنا مبتدئاً ووجد عالم كـابن باز أو عالم من العلماء يقول بالتحريم، وعالم آخر يقول: بالجواز وكل العلماء لدي أنهم ثقات لا حرج أن أختار أحدهم، هذا الذي ما خُير الرسول بين أمرين إلا اختار أيسرهما، لكن أن أرى أن هذين الإمامين ثقات عندي فأعلم أنهما قالا بالتحريم، وأقول: دعونا نسأل، وندى علماء غيرهم، ما في علماء إلا الذي في السعودية، إذاً هو بحث عن من يقول بالجواز فإذا وجد قال بذلك.ثم يجب علينا أن نعرف أن المسائل الاجتهادية لا ينكر فيها على المخالف، يعني: لو أنني أخذت بقول معتبر لا يسوغ لأحد أن ينكر عليّ، ويقصد بها: المسائل التي لها في كل قول حظ من النظر فلا يسوغ لأحد أن ينكر فيها؛ لأنه لا يُعلم أي القولين أصوب، ولهذا يقول الشافعي: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب، لكن ليس معنى ذلك أنه بمجرد وقوع خلاف ترى أن لك أن تأخذ به؛ لأن هذا هو المقصود به: من تتبع رُخص العلماء اجتمع فيه الشر كله، والمقصود بالرُخص التي فيها مخالفة للنص الثابت، أما ما ليس فيها نص أو كل واحد أخذ بنص واجتهد فلا يدخل في كلام الأئمة في ذلك، وهذا من الأخطاء أننا أحياناً نأخذ بكلام بعض الأئمة ونطبقه في كل شيء، يعني: بعضهم قد يقول قولاً في زمن الصغر، ثم إذا كبر وبدأ يحرر المسألة ربما تبين له خلاف ما قال سابقاً.وأذكر مرة من المرات أني كنت أقول بالتحريم في مسألة بناءً على قول بعض مشايخي الذين درست عليهم، ثم بعد البحث والتحري ومناقشة المسألة تبين لي القول بالجواز، عندما عرف أحد الإخوة أني أخذت بقول الجواز جذبني وقال لي: الله المستعان، حذيفة قيل له: متى تعرف الرجل أنه قد افتتن؟ قال: إذا قال اليوم بحلٍ كان يقول بالأمس: إنه حرام، وهذا المسألة طبقت على أمور خاطئة، عندما قيل لـحذيفة رضي الله عنه هذا الأمر أن يقول: حلال ما كان بالأمس يقول: إنه حرام، يقصد بذلك: أن هواه هو الذي قاده إلى ذلك، أما إذا النصوص الشرعية بينت له حل هذا الأمر فيجب عليه أن يفتي، ولا يسوغ له أن يسكت أو يغير قناعته التي توصل إليها ببحثه واجتهاده بمجرد ضغوط طلابه عليه أو مجتمعه.وأذكر أن عبد الحميد بن باديس رحمه الله أيام الاستعمار في الجزائر قال بقول يوافق ما يريده الاستعمار؛ لأنه يوقع عن رب العالمين، فقال قولاً موافقاً لما يريده الاستعمار، فجاء الناس وبدءوا يدخلون بيته ويضغطون عليه ويراجعونه، فقام على المنبر وقال: أيها الناس! أنتم لا تريدوني أن أكون عالم سلطة أليس كذلك؟ قالوا: نعم، قال: وأنا لا أريد أن أكون عالم سلطة ولا أريد أن أكون عالم عامة. ومن واقنا أيضاً مسألة زكاة الحُلي، جمهور الصحابة على أنه لا زكاة فيها، لكن بعض مشايخنا قال بزكاة الحلي مع العلم أن أئمة الدعوة بنجد كلهم يقولون: إنه لا زكاة فيها، لكن عندما قال شيخنا عبد العزيز بن باز وشيخنا محمد بزكاة الحلي بدأ طلاب العلم إذا سئلوا قالوا: الأحوط أن يُزكي؛ لأنه الآن ما يمكن أن يخالف الواقع، مع أن عامة الصحابة كما يقول أبو عمر بن عبد البر : جمهور الصحابة على القول بعدم زكاة الحلي. اليوم لو أن عندك مسألتين تجد أنه يصعب عليك أن تقول: الأحوط تركه، بل تقول: إن شاء الله نتركه، بسبب ضغط الواقع، ما ينبغي أن يكون عليه الفقيه.
الأسئلة

 إمكانية الجمع بين الكتب السلفية والفكرية
السؤال: كيف يمكن لطالب العلم الجمع بين الكتب السلفية والفكرية؟ الجواب: أنا ما أظن أن هناك تناسباً؛ لأن القضايا الفكرية أنواع: قضايا تتحدث عن الاستدلال بالكتاب والسنة فهذه يجب أن تصار إلى التأصيل.أما القضايا التي يسميها علماؤنا: الفكرية والاجتماعية، فلا يلزم أن يكون القول فيها قولاً واحداً، بل لا بأس أن تأخذ بقول فلان أو علان؛ لأن هذه مما يسع فيها الخلاف. واليوم أصبحت المناهج يا إخوان! كأنها قضايا اعتقاد، وهذا خطأ، قضايا الاعتقاد شيء وقضايا التحويل والمنهجية شيء آخر.أنا والله ممنون بهذا الاجتماع الجيد، وهذا الإنصات الذي أثلج صدري، وأحسب أني لم أعطِ الموضوع حقه ولكن حسبي أن أرى هذه الوجوه وهي مشرئبة ومستمعة.أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزق أخانا الدكتور: عبد العزيز كل خير وأن يرزقه حسن الإثابة وجزيل العطاء من الله سبحانه وتعالى، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ( من صنع لكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه )، اللهم أعظم أجره واغفر ذنبه، ويسر أمره، وتجاوز عن خطيئاته إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير.وأشكر لكم حسن إنصاتكم، وأشكر أخي الدكتور خالد على حُسن إدارته لهذا اللقاء، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.مدير اللقاء: اللهم صلِ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.أمتعتنا يا شيخ! وأفدتنا، وأمضينا هذه الليلة في حوار جميل ومفيد، وأجدني محتاجاً للعودة إلى الموقع لمشاهدة اللقاء لاشتغالي بالأسئلة وإدارتي للحوار، شكر الله لكم جميعاً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.المقدم: أشكر فضيلة الشيخ على هذا الطرح الممتع، وكذلك الشكر موصول لسعادة الدكتور خالد حفظكما الله سبحانه وتعالى، ولعلي الحقيقة استفدت كثيراً من هذه المحاضرة، وأؤكد على عبارة ذكرها الشيخ عبد الله حفظه الله وهي قضية التجرد، حينما يستفتي الإنسان لابد أن يكون متجرداً باحثاً عن الحق، وكذلك المفتي حينما يُفتي أو يغير رأيه باحثاً عن الحق متجرداً، فهذا هو الأصل.ولعل الشيخ ذكرنا أيضاً بعلم هام يتطلب منا مزيداً من البحث وخصوصاً من لم يعرفه وهو: علم أصول الفقه، وأن الفتاوى في شريعة الإسلام جاءت من الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما لم يكن واضحاً واستجد فله قواعده المعروفة عند العلماء وخصوصاً من خلال قواعد أصول الفقه، فهناك قواعد كلية وقواعد جزئية.والشيخ حفظه الله أشار إلى شيء، وذكرني بشيء وهو: أن حال المستفتي أحياناً تتطلب أن تراعى فيها مصلحته، وأذكر أن ابن عباس دخل عليه رجل واستفتاه فقال له: يا ابن عم رسول الله! هل للقاتل توبة؟ قال: نعم، له توبة، بعد قليل جاءه رجل آخر فقال له نفس السؤال قال: يا ابن عم رسول الله! أللقاتل توبة؟ قال: لا، ليس للقاتل توبة، فاستغرب التلاميذ، أيفتى هذا بأن له توبة، ويُفتى هذا بأن ليس له توبة؟ فعلموا من ابن عباس أن الأول رُبما وقع منه القتل فأراد التوبة، وأن يفتح له باب الرحمة والكف عن الناس.أما الثاني: فكان يُبيت نية القتل ويُريد أن يطمئن أنه إذا قتل يستطيع أن يرجع ويتوب، فأراد أن يمنعه من الشر والوقوع في الخطيئة، وبمثل هذه النظرة الثاقبة يفتي المفتي ليس تغييراً في الفتوى، لكنه منع للشر وإلا فالفتوى الأولى التي ذكرها ابن عباس هي الأصل، لكنه أراد أن يمنع هذا من ظلم نفسه وظلم الآخرين.ومما أشار إليه فضيلة الشيخ حفظه الله أن الدليل مهم في عرض المسائل والأحكام خاصة عند اختلاف الأقوال.أسأل الله سبحانه وتعالى أن يثيب الشيخ، والشيخ باحث ضليع في كثير من الأمور المستجدة وخصوصاً في قضايا المعاملات والأمور المالية، وهو عضو في عدد من اللجان في المؤسسات المالية وغيرها.أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك له في نفسه وعلمه وماله وأهله، وأن يرفع درجاته في عليين، ويقيه شر نفسه وشر الآخرين.وأسأل الله سبحانه وتعالى لكم المثوبة، وأن يكتب لكم الأجر، وأن يبارك لكم في أنفسكم وأهليكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ بلادنا وأهلها وقادتها وكل من يُحبها من كل سوء ومكروه، وأن يعز الإسلام والمسلمين، ويحفظ إخواننا في كل مكان.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التأصيل العلمي للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net