اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أعمال القلوب للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


أعمال القلوب - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
لأعمال القلوب أهمية أعظم من أعمال الأبدان، فالناس إنما يتفاضلون بأعمال القلوب، وبها رفع الله أقواماً ووضع بها آخرين. وما أحوج الأمة اليوم إلى إصلاح قلوب أبنائها؛ لتجتمع كلمتهم ويخرجوا من أزماتهم.
في تحويل حياة الفرد والجماعات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل الله، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فيا أيها المسلمون! لقد بعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل، فأنشأ جيلاً فريداً إيمانياً لن يتكرر عبر تاريخ الإنسانية، فمن كان يصدق أن الأوس والخزرج الذين كانوا يقتتلون لأجل لعاعة من الدنيا، أو لأجل بعير يفوز، أو خيل يسبق من كان يصدق أن تتحول حياتهم جذرياً، ويصيروا إخوة متحابين متناصرين، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63].فهؤلاء الأعراب الأجلاف، الذين كان الواحد منهم لا يرضى أن يسبق بعيره، تحولت حياتهم بعد ما دخل الإيمان في قلوبهم، حتى صار يقول الواحد منهم وهو سعد لـعبد الرحمن بن عوف المهاجري المكي: يا عبد الرحمن ! هذا مالي أقسمه بيني وبينك نصفين، ولي زوجتان، فانظر أيهما أعجب إليك فأطلقها حتى إذا انتهت عدتها تزوجتها.فهذا الجيل الفريد الذي صنعه محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن ليوجد في تاريخ هذه الأمة، لولا أن الله نزع الأثرة من قلوبهم، وحب الأنانية من أفئدتهم.
 اهتمام الصحابة بأعمال القلوب
قال ابن رجب رحمه الله: ولهذا كانت أفضل العبادة ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم، وخواص أصحابه من الاقتصاد في العبادات البدنية، والاجتهاد في العبادات القلبية؛ فإن سير الآخرة يقطع بسير القلوب، لا بسير الأبدان. ولئن وقع من صحابة محمد صلى الله عليه وسلم اختلاف فإن كل واحد منهم ينشد الحق، لا ينشد حظاً دنيوياً ولا حطاماً زائلاً، بل يريد الله والدار الآخرة.فمعركة الجمل بين علي رضي الله عنه ورحمه، وبين طلحة بن عبيد الله و الزبير بن العوام رضي الله عنهم، وكلهم يريد دم عثمان ، بيد أن علياً رضي الله عنه ورحمه كان يقول: حتى يستتب الأمر، ثم نأخذ قتلة عثمان شيئاً فشيئاً، فجاء المنافقون، وأججوا الفتنة، وأوقدوها، لعن الله من أوقد الفتنة بعد ما أطفئت فوقعت الحرب بينهما بسبب تأجيج المنافقين. وبعض الناس ممن لم يفقه يعتبر طلحة بن عبيد الله خصماً لـعلي ، لكن علياً و طلحة لم يريا أنهما يختصمان بل ينشدان الحق، فلما انتهت المعركة قال علي : ابحثوا عن طلحة بن عبيد الله ، فذهبوا فلم يجدوه في قتلى المعركة، قالوا: يا أمير المؤمنين، ما وجدناه. قال: ابحثوا لي عن طلحة بن عبيد الله . فوجدوه في بعض الأودية قد تبعه أحد المنافقين وقتله بخنجر ودمه يثعب، فجاء علي رضي الله عنه، وضمه إلى صدره وجعل يبكي ويقول: عزيز عليّ أبا محمد أن أراك مجدلاً في بطون الأودية، إلى الله أشكو عجري وبجري، أي: إلى الله أشكو نقصي، وقلة حاجتي، ثم دعا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علي بن طلحة بن عبيد الله وأدناه حتى أقامه على عرش الخلافة، ثم قال له: والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك يوم القيامة ممن قال الله فيهم: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].لا تعرضن بذكرنا معْ ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعدفقارن بين هذا وبين الكتابات التي تكون لا أقول: بين العوام بل بين المثقفين، وبين أهل الخير، وبين طلبة العلم، في مسألة خلافية تجد من الكتابات الشيء الكثير. والله لو كانت مسألة عقدية تحتاج إلى بيان لهان الخطب ولقلنا: إنه الواجب، بيد أنها مسألة أقل بكثير، بل ربما تكلموا في الأشخاص، والنيات، والمناهج، فضُلل الناس وتضرروا، وأصبحت أمة محمد صلى الله عليه وسلم في وضع لا تحسد عليه. يقول ابن تيمية رحمه الله: وليس الذي يثير النزاع هو الاجتهاد السائغ؛ إذ إن ذلك كان موجوداً في عهد الصحابة رضي الله عنهم، ولكن الذي يثير النزاع هو الاجتهاد الذي فيه نوع بغي وعدوان كما قال الله في حق أهل الكتاب: َومَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [آل عمران:19]، إذاً: البغي والحمية حينما تغلف بطرق إسلامية هي المشكلة القاتلة، والعبد لو أحسن خلقه، وفتش عن قلبه، وعامل الخلق بمثل ما يحب أن يعاملوه، وجاهد نفسه في تصفية قلبه من الغل والحقد والحسد على المسلمين لفاز وأنجح.قيل لـحمدون -شيخ عبد الله بن المبارك- : بم سبق القوم؟ قال: بثلاث: بسخاء نفوسهم، وسلامة صدورهم، ونصحهم للمسلمين.
نماذج من اهتمام السلف بأعمال القلوب واتصافهم بالتسامح والرحمة بالمسلمين

 موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من مخالفيه
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:فإننا بحاجة -أيها الإخوة- إلى إعادة النظر في إيماننا، وفي معاملاتنا، وحسن أخلاقنا، ( وإن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم النهار القائم الليل )، كما قال صلى الله عليه وسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: ( وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن حسن خلقه ). كم نحن بحاجة إلى ذاك التعامل النبوي الذي علمه محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأصبح الإيمان والقرآن، وسنة سيد الأنام مترجمة حية في واقعهم، فكان الواحد منهم كأنه قرآن يدب على الأرض، كما قالت عائشة حينما سألها سعد بن هشام : أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أو لست تقرأ القرآن؟ قال: نعم، قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم القرآن.إننا بحاجة -أيها الإخوة- إلى توحيد الصف، واجتماع الكلمة، حتى لا يظفر الأعداء بنا، إن هذا التفرق والتباعد والتمزق بين أهل الإسلام هو الذي زعزع قوة الأمة، وأذهب ريحها، كما قال الله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46].يقول أبو العباس رحمه الله: ولا تقع فتنة إلا بترك ما أمر الله، وترك ما أمر الله: إما بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإما بترك الصبر. فالأمة تبتلى بترك الصبر، أو بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن الصبر على الخلافات والمنازعات لهو من الأهمية في زماننا بمكان، ولقد كان أبو العباس ابن تيمية رحمه الله نبراساً وأمة وحده في زمانه.يقول ابن القيم رحمه الله في (مدارج السالكين): ولم تر عيناي أحداً حقق هذا الأصل -يعني: سلامة القلب- أكثر من شيخنا أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، فقد كان يؤذى ويسجن ويعذب بسبب بعض العلماء كـابن مخلوف المالكي و ابن الزملكاني الشافعي و نصر المنبجي المعروف بعقيدته واختلافه الشديد مع أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، فوقعت فتنة، فكتب كتاباً وهو في قلعة دمشق إلى إخوانه، يقول فيه: إني أبحت كل من آذاني، وجعلتهم في حل، ولا أحمل في قلبي غلاً ولا حقداً ولا حسداً على أحد من المسلمين، و ابن مخلوف هذا مهما عصى الله فيّ فلن أزيده إلا أن أطيع الله فيه. وقد كان ابن مخلوف يذهب إلى الوالي، ويقول له: اسجن ابن تيمية فإن كان ثمة ذنب فأنا أتحمله عنك يوم القيامة، أعوذ بالله. وتحدث ابن الزملكاني وآذى ابن تيمية عند السلطان، فعفا عنه ابن تيمية كما عفا عن الجميع، فرفع الله أبا العباس ابن تيمية رحمه الله، وأخرج من أصلاب المسلمين من يحمي هذا الدين على يد شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني الذي إذا أراد الواحد منا أن يقوي قوله، وأن يظهر حجته قال: وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، حتى قال ابن الزملكاني -بعد ما خرج ابن تيمية من الفتنة، وعفا عن الجميع-: ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلت عن الحصر هو آية لله ظاهرة ... هو عندنا أعجوبة الدهرويقول ابن حيان بعد ما تكلم في ابن تيمية : ما رأت عيناي أحداً مثل أبي العباس كأن العلم بين عينيه إن شاء أخذ، وإن شاء ترك. ولأجل هذا كم نحن بحاجة إلى إعادة النظر، وتقويم العثار، وترك الأخطاء، وبعث النفوس على المحبة، وألا يكون هم الواحد منا نقد الآخرين؛ لأن النفوس تحب النقد، فينسى الإنسان الجذع في عينه، ويبصر القذاة في عين أخيه.هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأفضل البشرية، حيث أمركم ربكم بذاك فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين أبي بكر و عمر و عثمان و علي ، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك وإحسانك يا رب العالمين!ربنا وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:10]، اللهم طهر ألسنتنا من الكذب والغيبة والنميمة، وأعمالنا من الرياء والسمعة، وقلوبنا من النفاق والغل والحقد والحسد، وأعيننا من الخيانة إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. اللهم واجعل لنا لسان صدق في الآخرين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم، واغفر لنا ولوالدينا ولأزواجنا ولأولادنا يا رب العالمين! اللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً.ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا، وأن نعمل صالحاً ترضاه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، ربنا أدخلنا مدخل صدق، وأخرجنا مخرج صدق، واجعل لنا من لدنك سلطاناً نصيراً، نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله. اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا -اللهم- بالسنين، اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب وهدم وغرق يا رب العالمين! اللهم انصدعت جبالنا، واغبرت أرضنا، وأنت أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، إلى من تكلنا سبحانك؟! إلى ضعيف يتجهمنا، أم إلى عدو ملكته أمرنا، اللهم إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لنا، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك، نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل بنا سخطك، أو أن ينزل بنا عذابك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً غدقاً، سحاً مجللاً، نافعاً غير ضار، اللهم أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم أنت القوي ونحن الضعفاء، اللهم أنت الغني ونحن الفقراء، أنت القوي ونحن الضعفاء، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً غدقاً، صيباً نافعاً غير ضار، تستقي به العباد، وتجعله بلاغاً للحاضر والباد، يا رب العالمين! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أعمال القلوب للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net