اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح قواعد الأصول ومعاقد الفصول [3] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


شرح قواعد الأصول ومعاقد الفصول [3] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع هو ما يسمى: بالحكم، ويمكن فهمه إما نطقاً، أو استنباطاً، وأركان الحكم ثلاثة: الحكم، والمحكوم فيه، والمحكوم عليه؛ وهو المكلف الذي توفر فيه شرطان: البلوغ والعقل.ومن أقسام الأحكام التكليفية: الواجب، وله أقسام بعدة اعتبارات هي: الواجب من حيث الفعل، ومن حيث وقت الأداء، ومن حيث الفاعل.
الحكم ولوازمه
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه! وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه! ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد:
 أركان الحكم والمقصود بالشارع
المؤلف يقول: [ والحاكم هو الله ]، المؤلف قال في أول أمره: [ في الحكم ولوازمه ]، ولوازم الحكم هي أركانه؛ أي: أركان الحكم، وأركان الحكم ثلاثة: الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه. فالحاكم يقول المؤلف: [ هو الله سبحانه لا حاكم سواه، والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ ومبين لما حكم الله ]، كما قال تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، وقال تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية:21]، وقال تعالى: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48].وذكرنا سابقاً أن إطلاق الشارع يراد به الله سبحانه وتعالى، وبعض الأصوليين يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الشارع، وقلنا: لا مشاحة في ذلك؛ لأن مقصود: أن الرسول صلى الله عليه وسلم شارع هو في معنى التبليغ عنه، كما قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، هذا دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم في معنى الشارع، ومثله قوله: ( ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه )، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقبل قوله، وكما قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا [النساء:105]، وهذا مثل جبرائيل حينما قال عنه في القرآن إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40].
المكلف وشروط التكليف
يقول المؤلف: [والمحكوم عليه]، المحكوم عليه هو: الإنسان المكلف، والمكلف هو من توفرت فيه شروط التكليف، وشروط التكليف هي: البلوغ، والعقل. والتكليف معناه: طلب الفعل أو الترك، أو التخيير بينهما؛ وطلب الفعل سواءً كان جازماً فيه أو غير جازم، فإن كان جازماً فيكون واجباً، وإن كان غير جازم فيكون مستحباً. والترك إما أن يكون جازماً فيكون محرماً، أو غير جازم فيكون مكروهاً هذا بالنسبة لطلب الفعل أو الترك.أو التخيير بينهما، وهل التخيير من الأحكام التكليفية؟ في هذه المسألة بحث أصولي طويل، لكننا نقول: الأقرب والله أعلم: أنه من الأحكام التكليفية؛ لأن الشارع قال: ( وسكت عن أشياء فهو عفو فلا تسألوا عنها )، فهذا يدل على أن وجود هذا الأمر في لسان الشارع دليل على مشروعيته، والمشروع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: الواجب، القسم الثاني: المستحب، القسم الثالث: الجائز المشروع، ومعنى الجائز هنا الذي أجازه الشارع، أو وجد وقت التنزيل ولم يأت ما يمنعه أو يستحبه، مثل: النقاب، فالنقاب مشروع؛ لكن المشروعية هنا من باب الجواز، حتى لو كان الجواز تركه أولى، فهذا يسمى من الجائز غير المشروع.مثال: الصحابي الذي كان في كل صلاة يقرأ بعد الفاتحة وسورة أخرى، ثم سورة الإخلاص، فذكر الصحابة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( سلوه لم يحبها؟ قال: إنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها، قال: إن حبك إياها أدخلك الجنة )، ومعلوم أن الصحابة لم يفعلوا مثل فعله، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنعه، فعدم منع الرسول صلى الله عليه وسلم له يكون جائزاً، وترك الرسول صلى الله عليه وسلم له يكون تركه أفضل فيكون غير مشروع.ومثل ذلك: صلاة الجنازة على الغائب، فالرسول صلى الله عليه وسلم صلى على الغائب، على النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وترك وداوم على الترك، فتكون المداومة على الترك مشروعة، وفعله مرة يسمى جائزاً غير مشروع، وعلى هذا: فلو طلب من الإمام أن يصلي صلاة الغائب فله أن فيفعل ولا يقال: إنها بدعة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يفعل البدعة بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام.وهذا الباب أشار إليه ابن تيمية في المجلد الثاني من مجموع الفتاوى، والأمثلة فيه كثيرة، مثل: صيام يوم عرفة في عرفة، فلم يرد فيه نهي صحيح، وحديث: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفة )، هذا حديث رواه مهدي الهجري عن أبي هريرة وهو ضعيف؛ مهدي الهجري ضعيف، والرسول صلى الله عليه وسلم أفطر، ففطره فعل، ولو صام كما فعل بعض الصحابة -كما فعل عمر وغيره- نقول: هو جائز، ولكن المشروع عدم الصيام، فيكون الصيام جائزاً غير مشروع، هذا ما يتعلق بالتكليف.ومن شروط التكليف: البلوغ، والبلوغ له أمارات: منها ما هو مجمع عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، فالمجمع عليه واحد: وهو الاحتلام للرجل والمرأة، والحيض للمرأة أمر مجمع عليه. الأمر الثاني: إنبات الشعر الخشن حول قبل الرجل والمرأة، وهذا مختلف فيه، ولكن الأقرب والله أعلم: أنه علامة من علامات البلوغ؛ لما جاء عند أهل السنن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما حكم في بني قريظة أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم قال عروة القرظي من بني قريظة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يكشف على عوراتنا، فمن أنبت منا قتله، ومن لم ينبت لم يقتله)، فدل ذلك على أن من أنبت دخل في حكم المقاتلة؛ وهم الذين بلغوا، وهذا أقرب، والله أعلم.وأما مسألة خمس عشرة سنة، فهذا قول الحنابلة والشافعية، وذهب أبو حنيفة إلى ثمان عشرة سنة، وهو قول لبعض أهل الظاهر، وقال ابن عمر : ( عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة؛ فلم يجزني، ثم عرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة سنة؛ فأجازني )، قال عمر بن عبد العزيز : يصلح هذا أن يكون حداً بين الكبير والصغير، وهذا اجتهاد من عمر بن عبد العزيز ، والأقرب: هما العلامتان السابق ذكرهما.وعليه: فالصغير غير مكلف، فلا يعاقب، ولكن لو عمل فإنه يثاب على عمله، حتى إن الصبي المسلم لو ارتد، قال العلماء: إنه إذا بلغ استتيب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه يمكن أن تكون الردة من الصبي.أما العقل فقد اتفق العلماء أيضاً على أنه شرط للتكليف، والبلوغ والعقل دليله: ما رواه أبو داود و الترمذي من حديث علي بن أبي طالب : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ ).
 أركان الحكم والمقصود بالشارع
المؤلف يقول: [ والحاكم هو الله ]، المؤلف قال في أول أمره: [ في الحكم ولوازمه ]، ولوازم الحكم هي أركانه؛ أي: أركان الحكم، وأركان الحكم ثلاثة: الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه. فالحاكم يقول المؤلف: [ هو الله سبحانه لا حاكم سواه، والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ ومبين لما حكم الله ]، كما قال تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، وقال تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية:21]، وقال تعالى: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48].وذكرنا سابقاً أن إطلاق الشارع يراد به الله سبحانه وتعالى، وبعض الأصوليين يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الشارع، وقلنا: لا مشاحة في ذلك؛ لأن مقصود: أن الرسول صلى الله عليه وسلم شارع هو في معنى التبليغ عنه، كما قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، هذا دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم في معنى الشارع، ومثله قوله: ( ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه )، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقبل قوله، وكما قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا [النساء:105]، وهذا مثل جبرائيل حينما قال عنه في القرآن إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40].
الواجب وأقسامه
يقول المؤلف: [ والأحكام قسمان: تكليفية وهي خمسة ].الأحكام التكليفية هذا القسم الأول. وأحكام وضعية وهي القسم الثاني. تكليفية تكون متعلقة بأفعال المكلفين، ووضعية لا علاقة بوجودها في أفعال المكلفين، والوضعية كالشرط، والسبب، والصحة، والفساد، والرخصة، والعزيمة، فهذه في غير مقدور المكلف -كما سوف يأتي بيانه- فدخول الوقت، واستقبال القبلة في الصلاة لستا من فعل المكلف، لكنها جعلت أمارات، متى وجدت ثبت الحكم التكليفي، وهو وجوب الصلاة.‏
 ما لا يتم الواجب إلا به وأقسامه
ثم شرع رحمه الله إلى مسألة أصولية؛ قال: [ وما لا يتم الواجب إلا به ]، يعني: أن هذا الواجب لا يتم إلا بأمرين: يقول المؤلف: [ إما غير مقدور للمكلف، كالقدرة واليد في الكتابة ].مثال ذلك: العبد أحياناً يكون غير قادر على المشي إلى الحج، وليس عنده ما يحمله إلى الحج، فيكون غير واجب عليه أن يحج؛ لأنه غير قادر على الركوب، فليس عنده ما يسميه الفقهاء الاستطاعة، ليس عنده الزاد والراحلة، لكنه لو كان من جيران الحرم ويستطيع أن يمشي في الحج وجب عليه أن يحج؛ فلهذا قالوا: إما أن يكون ما لا يتم الواجب إلا به: غير مقدور، أو مقدوراً.المؤلف هنا جعل غير المقدور: إما أن يكون سعياً إلى أداء العبادة، وإما أن يكون بذات الإنسان، مثال: لو أن شخصاً يريد أن يحج، ولكنه يخاف من قطاع الطريق، هذه القدرة ليست متعلقة بذاته، بل القدرة في أمر خارج وهو أمن الطريق، فهو يقول: أمن الطريق غير مقدور عليه، فالمؤلف قال: [ كالقدرة واليد في الكتابة ]، أي: كتابة القلم، ما يستطيع إنسان أن يكتب إلا باليد، ولكننا الآن وجدنا ورأينا من يكتب برجله، ولكن المؤلف ذكر هذا على سبيل الغالب.قال: [ واستكمال عدد الجمعة فلا حكم له ]، مثال ذلك: قرية شخص وعمه وولد عمه يبلغون من العدد -على القول بأن عدد الجمعة الواجب أربعون- ثلاثين، فلا يجب أن نقول للقرية الثانية: تعالوا معنا، أنتم مائة تعالوا فاسكنوا عندنا حتى نكون أربعين، فاستكمال العدد لا يجب، فهو غير مقدور عليه، لكنهم لو أنجبوا حتى بلغ عددهم أربعين؛ وجب عليهم صلاة الجمعة.يقول المؤلف: [ وإما مقدور، كالسعي إلى الجمعة، وصوم جزء من الليل، وغسل جزء من الرأس ، فهو واجب؛ لتوقف التمام عليه ]، يقول المؤلف هنا: ما لا يتم الواجب إلا به، إما أن يكون قادراً على فعله، أو يكون غير قادر على فعله، فإن كان غير قادر على فعله؛ فإنه غير مكلف، مثل: شخص غرق في الماء، هذا الرجل يجيد السباحة، لكنه موثوق لا يستطيع أن ينقذه، فنقول: إنقاذ الغريق هذا لا بد له من واحد يحسن السباحة، وأنت تحسن السباحة، لكنك غير قادر لوجود الوثاق، فأنت غير واجب عليك، هذا يسمى: غير مقدور.أما ما كان قادراً عليه فنقول: يجب عليك أن تمسح الرأس، ومسح الرأس يتضمن جزءاً منه؛ فيجب عليك أن تمسحه، قال: [ وغسل جزء من الرأس ]، وهذا بناءً على أن مسح جزء من الرأس كاف في الوجوب، والقول الثاني وهو قول مالك و أحمد : أنه يجب تعميم الرأس.
ما لا يتم ترك الحرام إلا به
يقول المؤلف: [ فلو اشتبهت أخته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة؛ وجب الكف تحرجاً عن مواقعة الحرام، فلو وطئ واحدة أو أكل فصادف المباح لم يكن مواقعاً للحرام باطناً، لكن ظاهراً لفعل ما ليس له ].لا يجوز أن يعقد الأخ على الأخت وإنما يجوز أن يعقد على الأجنبية، لكن لو اشتبهت عليه أخته بأجنبية، فلا يجوز له أن يعقد حتى يأتي طرف مرجح خارجي، حتى لو قال: أريد أن أعقد ولا أستمتع؛ لأن وجود العقد ابتداءً على الأخت حرام، وقل مثل ذلك في الميتة والمذكاة؛ لأنه لا يتم الواجب -وهو ترك الأكل من الميتة- إلا بترك الطرفين كليهما: الميتة والمذكاة، فحينئذ نقول: يجب أن تترك الميتة والمذكاة.إذن: المؤلف رحمه الله يقول: [ فمن اشتبهت أخته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة وجب الكف ]؛ أي: وجب عليه أن يتركهما جمعياً؛ لأن ترك الأخت لا يتم إلا بترك الأجنبية التي لا يعلم أيهما، ولو فعل وعقد على إحداهما، أو أكل من إحدى الطرفين الميتة أو المذكاة، فوقع الأكل على المباح، التي هي المذكاة، قال العلماء رحمهم الله: لم يكن مواقعاً للحرام، ولكنه يأثم حين لم يقتد بالمأمور وهو الترك مطلقاً، ولهذا جاء في الأثر: ( من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ ولو أصاب )؛ لأن اجتهاده من غير علم يعد خطأً، فتفسيره الذي أصاب فيه يعد درباً من الخطأ، وإن كان أصل التفسير صحيحاً.
 ما لا يتم الواجب إلا به وأقسامه
ثم شرع رحمه الله إلى مسألة أصولية؛ قال: [ وما لا يتم الواجب إلا به ]، يعني: أن هذا الواجب لا يتم إلا بأمرين: يقول المؤلف: [ إما غير مقدور للمكلف، كالقدرة واليد في الكتابة ].مثال ذلك: العبد أحياناً يكون غير قادر على المشي إلى الحج، وليس عنده ما يحمله إلى الحج، فيكون غير واجب عليه أن يحج؛ لأنه غير قادر على الركوب، فليس عنده ما يسميه الفقهاء الاستطاعة، ليس عنده الزاد والراحلة، لكنه لو كان من جيران الحرم ويستطيع أن يمشي في الحج وجب عليه أن يحج؛ فلهذا قالوا: إما أن يكون ما لا يتم الواجب إلا به: غير مقدور، أو مقدوراً.المؤلف هنا جعل غير المقدور: إما أن يكون سعياً إلى أداء العبادة، وإما أن يكون بذات الإنسان، مثال: لو أن شخصاً يريد أن يحج، ولكنه يخاف من قطاع الطريق، هذه القدرة ليست متعلقة بذاته، بل القدرة في أمر خارج وهو أمن الطريق، فهو يقول: أمن الطريق غير مقدور عليه، فالمؤلف قال: [ كالقدرة واليد في الكتابة ]، أي: كتابة القلم، ما يستطيع إنسان أن يكتب إلا باليد، ولكننا الآن وجدنا ورأينا من يكتب برجله، ولكن المؤلف ذكر هذا على سبيل الغالب.قال: [ واستكمال عدد الجمعة فلا حكم له ]، مثال ذلك: قرية شخص وعمه وولد عمه يبلغون من العدد -على القول بأن عدد الجمعة الواجب أربعون- ثلاثين، فلا يجب أن نقول للقرية الثانية: تعالوا معنا، أنتم مائة تعالوا فاسكنوا عندنا حتى نكون أربعين، فاستكمال العدد لا يجب، فهو غير مقدور عليه، لكنهم لو أنجبوا حتى بلغ عددهم أربعين؛ وجب عليهم صلاة الجمعة.يقول المؤلف: [ وإما مقدور، كالسعي إلى الجمعة، وصوم جزء من الليل، وغسل جزء من الرأس ، فهو واجب؛ لتوقف التمام عليه ]، يقول المؤلف هنا: ما لا يتم الواجب إلا به، إما أن يكون قادراً على فعله، أو يكون غير قادر على فعله، فإن كان غير قادر على فعله؛ فإنه غير مكلف، مثل: شخص غرق في الماء، هذا الرجل يجيد السباحة، لكنه موثوق لا يستطيع أن ينقذه، فنقول: إنقاذ الغريق هذا لا بد له من واحد يحسن السباحة، وأنت تحسن السباحة، لكنك غير قادر لوجود الوثاق، فأنت غير واجب عليك، هذا يسمى: غير مقدور.أما ما كان قادراً عليه فنقول: يجب عليك أن تمسح الرأس، ومسح الرأس يتضمن جزءاً منه؛ فيجب عليك أن تمسحه، قال: [ وغسل جزء من الرأس ]، وهذا بناءً على أن مسح جزء من الرأس كاف في الوجوب، والقول الثاني وهو قول مالك و أحمد : أنه يجب تعميم الرأس.
الأسئلة
هناك بعض الأسئلة عن الدرس.
 اشتراط العزم على فعل الصلاة لمن أخرها قبل ضيق الوقت
السؤال: إذا أخر وقت الصلاة قبل ضيق الوقت ومات، لم يعد عاصياً، السؤال: هل نشترط أن يكون عازماً على الفعل؟الجواب: الأولى أن نقول: بشرط ألا يكون عازماً على الترك؛ لكن إن كان عازماً على الفعل فإنه يثاب على هذه النية، والله أعلم.
توضيح تقسيم ما لا يتم الواجب إلا به
السؤال: لم نفهم مسألة: ما لا يتم الواجب إلا به، كيف قسمه: إلى مقدور وغير مقدور؟الجواب: الآن يا إخوان! الصلاة واجبة، ولا تتم الصلاة إلا بالقيام والركوع، ولدينا شخص ما يستطع أن يركع ولا يقوم، هل ركوعه وقيامه واجب عليه؟ نقول: غير مقدور عليه، فلا يجب عليه، هذا المراد من قول المؤلف: [ إما غير مقدور للمكلف ]، يعني: ما ليس للعبد فعل فيه، مثل: أن الله أوجب صلاة الجمعة إذا بلغ عدد القرية أربعين، فلو كانت قرية بعيدة نائية عدد أفرادها ثلاثون، لا يجب عليهم أن يصلوا الجمعة؛ لأنه غير مقدور على استكمال أربعين، لكنهم لو كانوا مجموعة فيجب عليهم أن يؤذنوا؛ لأن الأذان مقدور عليه، إلا إذا كانوا لا يتكلمون، مثل الصم والبكم فليس عليهم أذان.
 الزواج بنية الطلاق
السؤال: هل يجوز الزواج بنية الطلاق؟الجواب: الزواج بنية الطلاق ذكر ابن عبد البر في التمهيد: أن جمهور فقهاء الأمصار، ولم يخالف في ذلك إلا الأوزاعي ، أنهم يرون الزواج بنية الطلاق، وذكرها أبو محمد بن قدامة ، وذكرها ابن تيمية رحمه الله، وأما أحمد فله روايتان: رواية: بأنها أخية المتعة، ورواية بأنها جائزة. لكن ما هو الزواج الذي بنية الطلاق الذي جوزه الجمهور، أو جوزه شيخنا عبد العزيز بن باز ؟الزواج بنية الطلاق الذي جوزه الجمهور: هو أن يتزوج الرجل المرأة، ولم يكن ثمة عرف قائم أن الرجل سوف يتزوج المرأة ثم يطلقها؛ كأن تكون المرأة عالمة أنه تزوجها لا لأجل الاستمرار، ولكن لأجل المتعة، ولهذا لو قال أحد الذين يسافرون أحياناً لمثل ذلك: أريد أن أذهب بك إلى هذه البلاد. لأبت.وأحياناً يقول وليها: كم تجلس في هذه الدولة؟ فإذا قال: لا، أنا ما أنا بجالس، أنا سآخذها معي، قال: لا، ما أريدك تأخذها معك، فهذا يدل على أن ولي المرأة، أو المرأة يعلمون أنه المتعة. والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فإذا كان ثمة عرف أن هذا الرجل سوف يتزوج هذه المرأة التي تعلم أنه لن يستمر معها، وكذا وليها؛ فهذا زواج متعة؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، أما أن يتزوج الرجل المرأة ويضع لها منزلاً، أو يذهب بها، وتستمر معه وهي زوجته، فإذا بدا له طلقها فهذا هو عمل المسلمين في السابق، وعمل التجار أيضاً.ومثله: أن يذهب الراوي إلى الشيخ في البلد الآخر، فيجلس معه السنة أوالسنتين ويتزوج، فإن رغب بزوجته ذهب بها إلى بلده، أو طلقها.أما أن يكون هناك عرف قائم في بلد وكما يقولون: خطَّابات وخُطَّاب هم الذين يديرون هذه العملية، حتى يقول أحدهم وقد ذهب إلى بلد معين، وتزوج هذه المرأة ثم طلقها ثم رجع إلى بلده، فقال لزميليه: خذ رقم هذه الخطيبة ورقم هذه الزوجة، ثم ذهب الرجل الآخر، وعلم وقال: والله! جيدة، ثم نصحه الموظف الثالث، فدارت المرأة على هؤلاء، فهذا هو المتعة، وهذا هو الحرام، وإن أفتاك الناس وأفتوك.نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين! وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح قواعد الأصول ومعاقد الفصول [3] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net