اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عقود الأنكحة وتطبيقاتها المعاصرة [2] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


عقود الأنكحة وتطبيقاتها المعاصرة [2] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
شرع الله النكاح لحكم عظيمة، فإذا اشترط فيه ما يخالف مقتضاه ومقاصده وحكمه فإنه فاسد، وقد حرمت الشريعة بعض الأنكحة منها: نكاح التحليل، ونكاح المتعة، ويجوز النكاح بنية الطلاق بشروط وضوابط.
النكاح بنية الطلاق
بسم الله الرحمن الرحيم.إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.وبعد:كنا قد توقفنا عند ذكر شروط النكاح عند جمهور أهل العلم، وذكرنا أنها خمسة، والراجح أنها ثلاثة أو أربعة على الخلاف باعتبار شرط الكفاءة وتقسيماته، وقد ذكرنا نكاح السر، وبينا أن حكم نكاح السر عند المالكية يختلف عن مذهب الجمهور، فالجمهور يعتبرون نكاح السر على قسمين: إن كان نكاح السر من غير وجود شاهدين فيعتبرونه نكاحاً باطلاً، وإن كان مع وجود الشاهدين فقد اختلفوا إذا طلب الزوج عدم إظهار النكاح مع توفر شروطه، فبعضهم ذكر الجواز، وبعضهم ذكر الكراهة، وبعضهم ذكر التحريم، والأظهر عندهم أنه جائز على الخلاف بين الكراهة من عدمها. وأما المالكية فالمشهور عندهم أن الرجل إذا تزوج المرأة واشترط عدم إعلان النكاح وعدم إظهاره ولو توفر فيه وجود الشاهدين فإنهم يعتبرون ذلك من نكاح السر، وقد قلنا: إن الراجح والله أعلم هو مذهب الجمهور؛ لأن توفر شروط النكاح شيء، وعدم إظهاره شيء آخر، وبينا أن وجود الشاهدين أولى من الإعلان على الراجح وهو الأحوط، وإن كان عقد النكاح سوف يكون في وقت الدخلة فإنه يكون الإعلان بمثابة الشاهدين وأكثر، وهذا يوجد عند بعض البلاد أنهم يجرون عقد النكاح وقت الدخلة، فهؤلاء الذين يشهدون أن فلاناً تزوج فلانة ودخل بها يكون هذا بمثابة الشهود، لكن الإشكال إذا وجد عقد النكاح سابقاً لوقت الدخلة فهذا هو المشكل عند الجمهور، وليس بمشكل عند مالك.
 مناقشة أقوال المجيزين للزواج بنية الطلاق والمانعين والترجيح
ولهذه الاعتبارات فإن المسلم في هذا الأمر يتوقف عن القول بالإباحة مطلقاً أو بالتحريم مطلقاً، ولأجل هذا ينبغي أن يجعل هذا الحكم من باب السياسة الشرعية، يعني: لا يكون ممارسة؛ لأن في بعض البلاد إذا طلقت المرأة فإنها تتألم.وأنا أقول: إن بعض الإخوة حينما يأخذ بقول الجمهور لا يكسر شعور الزوجة فقط، بل يكسر شعور الأسرة كلها، فحينما يتزوج المرأة يجعل القمر في إحدى يديها والشمس في الأخرى، فتظن أن هذا هو فارس أحلامها، وهو زوجها في الدنيا والآخرة، ويعطيها من المرغبات فيه، فتقبل الزوجة، فإذا قالت الزوجة له: أريد الأولاد، قال: ليس عندي مانع، ولكن أولاً نبدأ حتى تستقيم العلاقة ثم تحملين، فتتزوج المرأة ظانة أنه سوف يبقيها، وبعد ذلك يطلقها ويتركها، وهذه خيانة بلا شك، فإذا غر الزوج المرأة بمثل هذه التصرفات فهذه خيانة، ولا علاقة لها بأقوال جمهور أهل العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان ).أنا ذكرت هذه المسألة لأن هذه ممارسة خاطئة جعلت كثيراً من النساء يتألمن ويقلن: كيف جمهور أهل العلم يقولون بالجواز، وهن لم يفهمن لماذا جوز الفقهاء، والفقهاء جوزوها لأجل توفر الشروط الأربعة، أو الخمسة على الخلاف، أما الممارسات فإنها شيء آخر لا علاقة لها بأصل النكاح، ولا شك أن الممارسات المشينة الخاطئة التي ربما وجدت في بعض البلاد أو بعض الأشخاص أو في بعض الأحوال تدل على حرمة ذلك، بل إن بعضهم أحياناً لا يستجيزها زوجة له، فزوجته أم أولاده يطلب بألا تخرج شيئاً من عينيها، وإذا كان في سيارة ومعه زوجته ومر أحد أقربائه أو أحد زملائه التفت إليها وقال: غطي عينيك، افعلي كذا، اصنعي كذا، تحشمي.وأما إذا تزوج هذه المرأة في بعض البلاد لا يبالي أن تكون متبرجة، كأن تكون كاشفة عن شعرها أو لابسة بعض الألبسة الفاضحة والعياذ بالله، ومع هذا لا يكترث، بل ربما إذا ذهب هو وزميله ترى زميله، وهذا يرى زوجته والعياذ بالله، مع أنه إذا رجع إلى بلده اشترط لزوجته شروطاً لا تكاد توجد عند الحسن البصري ، وهذا بلا شك دليل على سوء التصرفات والأخلاق عند بعض المسلمين كما قال مالك : وليس هذا من أخلاق المسلمين.
أقسام نكاح التحليل وأحكامها
القسم الثالث من الأنكحة: هو نكاح التحليل، ونكاح التحليل هو أن يتزوج الرجل المرأة المطلقة، فيدخل بها ليحللها لزوجها الأول؛ وسبب ذلك أن الزوج إذا طلق امرأته ثلاث تطليقات فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وعلى هذا الزوج الثاني الذي تزوجها أن يطأها لما في الصحيحين من حديث عائشة : ( أن امرأة رفاعة القرظي طلقها فبت طلاقها فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني كنت تحت رفاعة القرظي ، ثم طلقني فبت طلاقي. ثم إني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ، وإنه والله ما معه إلا مثل الهدبة، وأشارت إلى هدبة من جلبابها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ووضع يده على وجهه، وقال: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة -زوجها الأول- لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته ) يعني: حتى يطأك عبد الرحمن بن الزبير ، وكان خالد بن العاص عند الباب لم يؤذن له، فجعل يصرخ: يا أبا بكر ! كيف تأذن لهذه أن تصرح بهذا الكلام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟فلأجل إرجاع الزوجة إلى زوجها الأول يأتي هذا التيس المستعار فيتزوجها، فيجلس معها أياماً أو بعض الشهور ثم يطلقها، وأحياناً تطلب الخلع إذا رفض، وإلا تطلب أن يطلقها فيطلقها، وإنما نشأ هذا لأمور:الأمر الأول: أن يكون زواج الثاني بإذن الزوج الأول.الأمر الثاني: أن يكون من قبل الزوج الثاني بلا علم من الزوج الأول.الأمر الثالث: أن يكون برغبة من المرأة ولم يعلم الزوج الثاني بذلك.فهذه الثلاثة الأحوال مربوطة بزواج الثاني، إما أن يكون زواج هذا المحلل مشروطاً قبل العقد، أو مع العقد، أو بلا شرط، كأن يقول: أنا أتزوجك لأجل أن أرجعك إلى زوجك الأول، هذا شرط وجد وعلم، أو في أثناء العقد قال: والله أنا سأحللها لزوجها الأول، أما إذا وجد الشرط في العقد فهذا محرم ولا يصح العقد إجماعاً، وهو قول الأئمة الأربعة، وعليه يحمل حديث عقبة بن عامر : ( لعن الله المحلل والمحلل له ). وأما إذا لم يكن ثمة شرط في العقد، إما أن يكون ذكر ذلك قبل العقد، أو لم يذكر ففي هذه الحالة فإن بعض الشافعية وبعض المالكية قالوا: إذا لم يكن هذا الشرط موجوداً في العقد فإن العقد جائز، وقالوا: لأن الشرط السابق قبل العقد ليس كالشرط المقترن بالعقد. وذهب جمهور السلف وجمهور الفقهاء إلى أن الشرط السابق في العقد كالشرط المقترن بالعقد، وأنه داخل في حديث: ( لعن الله المحلل والمحلل له )، وهذا هو اختيار أبي العباس بن تيمية رحمه الله، وهو المذهب، وعليه ألف أبو العباس كتابه العظيم (إقامة الدليل على بطلان التحليل) وأنكر أن يكون هذا القول معتبراً عند السلف إذا كان هناك شرط سابق ولو لم يكن مقترناً قال: إن هذا ليس قولاً معروفاً. وأنكر على بعض الشافعية وبعض المالكية، فكأن ابن تيمية يقول: إن الخلاف فيه غير معتبر وأنه حادث، وعليه فيعتبر أن الخلاف شاذ لا يعول عليه، ولا شك أن الشروط السابقة قبل العقد كالشروط المقترنة بالعقد؛ لأن العاقد ما دخل بهذا العقد إلا لأجل الحصول على هذا الشرط، سواء كان هذا الشرط محرماً أو ليس بمحرم، ولا شك أن دخوله هنا نوع تغرير، فلولا وجود هذا الشرط السابق في العقد لما دخل في العقد، فصار بمثابة وجوده مع العقد، وقد أجمع العلماء على أن مثل هذا الشرط إذا كان موجوداً في العقد فإنه محرم.إذاً: فلا فرق بين أن يكون موجوداً في العقد أو يكون سابقاً عن العقد؛ لأن المشروط شرطاً كالمعروف عرفاً، وهذا هو الراجح والله أعلم.
 الثالث: أن يكون برغبة المرأة وبغير علم الزوج الثاني
القسم الثالث: وهو أن يتزوج الرجل الثاني المرأة وليس في نيته أن يطلقها، ولكنها في نية الزوجة أن يتزوجها شخص آخر لأجل أن ترجع لزوجها الأول، فما حكم هذه النية؟ ذهب بعض العلماء إلى أن المرأة إذا تزوجت زوجاً آخر بقصد أن يحللها لزوجها الأول، ثم تطلب الخلع أو تطلب الطلاق، أو يحصل منها نشوز من زوجها الثاني فإن العقد صحيح، وقد ذكره أبو عمر بن عبد البر عن عامة أهل العلم كما في (التمهيد)، واستدلوا بقصة امرأة رفاعة القرظي قالوا: لأنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني تزوجت رفاعة القرظي وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنه والله ما معه إلا مثل الهدبة فضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ، لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته)، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم فهم منها أنها تريد أن ترجع إلى رفاعة ، والدليل على هذا ما جاء في رواية مسلم أن عبد الرحمن بن الزبير حينما علم أن زوجته جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( والله يا رسول الله! إنها ناشز، وإنها تريد أن ترجع إلى رفاعة وإني والله لأنفضها نفض الأديمة ) يعني: أنه ليس عازفاً على الوطء، ولكنها ناشز تريد أن ترجع إلى رفاعة .فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين لها أن زواجها من رفاعة حرام، مع أنها تريد رفاعة.فدل ذلك على أن عقد زواج المرأة من الزوج الثاني بنية أن يحللها لزوجها الأول صحيح. إلا أنه قد يقال: إن زواج المرأة بنية الطلاق محرم كما سبق؛ فلماذا حكمتم بصحة عقد المحلل بنية المرأة؟ لأنها قصدت الإضرار بالزوج؛ لأن الزوج سوف يدفع مهراً وسوف يتكلف، وغير ذلك. فالجواب: لأن الطلاق إنما هو بيد الزوج لا بيد الزوجة، لما روى الدارقطني عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الطلاق لمن أخذ بالساق )، والحديث وإن كان في سنده بعض الضعف إلا أن هذا محل إجماع لأهل العلم أن الطلاق بيد الزوج؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب:49]، وكل الآيات في الطلاق إنما الخطاب فيها للزوج وليس للمرأة، ولما روي في الصحيحين من حديث مسروق عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خير عائشة ، والتخيير دليل على الطلاق بيد الزوج.إذاً عقود الأنكحة أربعة: نكاح السر، ونكاح بنية الطلاق، ونكاح التحليل، ونكاح المتعة.
نكاح المتعة
أما نكاح المتعة فلا نطيل فيه؛ لأن حرمته ثابتة وهي محل إجماع عند أهل العلم، وما نقل عن ابن عباس رضي الله عنه فإنما هو في أول الإسلام، وقد أجمع أهل العلم على حرمته. ‏ إلا أن هناك خلافاً هل المتعة أبيحت ثم حرمت ثم أبيحت، أم أبيحت ثم حرمت، ثم أبيحت ثم حرمت، أم أبيحت ثم حرمت؟ فهذا محل خلاف بين أهل العلم، والذي يظهر -والله أعلم- أنها أبيحت في خيبر ثم حرمت، ثم أبيحت في فتح مكة، ثم حرمت، هذا هو الراجح والله أعلم، ومما يدل على هذا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بين أنها أبيحت يوم فتح خيبر، ثم حرمت بعد ذلك، وبدليل ما رواه الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أنه قال: ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة فأذن لنا بالاستمتاع من المرأة بالقبضة من التمر أو نحوه )، فهذا دليل على أنه أذن لهم فيه.قال سبرة الجهني: (فبينما أنا مع ابن عمي إذ خرجت لنا فتاة أو امرأة مثل البكرة العنطنطة) ومعنى البكرة: الناقة الصغيرة، ومعنى العنطنطة: أن رقبتها طويلة، ورجل عنطنط يعني: رقبته طويلة، وامرأة عنطنطة يعني: طويلة الرقبة، (فقلنا لها: هل لك أن يستمتع بك أحدنا؟ قالت: وماذا تبذلان؟ قال: فأخرجت أنا بردتي، وأخرج ابن عمي بردته، وكانت بردة ابن عمي أفضل من بردتي، إلا أني أفضل منه جمالاً، قال: فجعلت تنظر إلى بردتي وبردة ابن عمي، فقال ابن عمي: إن بردة هذا خلق، وأما بردتي فجديد غض) هو الآن يريد ولد عمه ويمدح بردته، فقال سبرة: (فجعلت تقول: إن بردته لا بأس به، قال: فتزوجتها، قال: فلم أخرج منها إلا ومنادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله ورسوله قد حرم نكاح المتعة).فهذا يدل على أن نكاح المتعة أبيح يوم خيبر، ثم حرم، ثم أبيح في فتح مكة، ثم حرم، وقد أجمع العلماء بعد ذلك على تحريمه والله أعلم.
 الثالث: أن يكون برغبة المرأة وبغير علم الزوج الثاني
القسم الثالث: وهو أن يتزوج الرجل الثاني المرأة وليس في نيته أن يطلقها، ولكنها في نية الزوجة أن يتزوجها شخص آخر لأجل أن ترجع لزوجها الأول، فما حكم هذه النية؟ ذهب بعض العلماء إلى أن المرأة إذا تزوجت زوجاً آخر بقصد أن يحللها لزوجها الأول، ثم تطلب الخلع أو تطلب الطلاق، أو يحصل منها نشوز من زوجها الثاني فإن العقد صحيح، وقد ذكره أبو عمر بن عبد البر عن عامة أهل العلم كما في (التمهيد)، واستدلوا بقصة امرأة رفاعة القرظي قالوا: لأنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني تزوجت رفاعة القرظي وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنه والله ما معه إلا مثل الهدبة فضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ، لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته)، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم فهم منها أنها تريد أن ترجع إلى رفاعة ، والدليل على هذا ما جاء في رواية مسلم أن عبد الرحمن بن الزبير حينما علم أن زوجته جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( والله يا رسول الله! إنها ناشز، وإنها تريد أن ترجع إلى رفاعة وإني والله لأنفضها نفض الأديمة ) يعني: أنه ليس عازفاً على الوطء، ولكنها ناشز تريد أن ترجع إلى رفاعة .فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين لها أن زواجها من رفاعة حرام، مع أنها تريد رفاعة.فدل ذلك على أن عقد زواج المرأة من الزوج الثاني بنية أن يحللها لزوجها الأول صحيح. إلا أنه قد يقال: إن زواج المرأة بنية الطلاق محرم كما سبق؛ فلماذا حكمتم بصحة عقد المحلل بنية المرأة؟ لأنها قصدت الإضرار بالزوج؛ لأن الزوج سوف يدفع مهراً وسوف يتكلف، وغير ذلك. فالجواب: لأن الطلاق إنما هو بيد الزوج لا بيد الزوجة، لما روى الدارقطني عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الطلاق لمن أخذ بالساق )، والحديث وإن كان في سنده بعض الضعف إلا أن هذا محل إجماع لأهل العلم أن الطلاق بيد الزوج؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب:49]، وكل الآيات في الطلاق إنما الخطاب فيها للزوج وليس للمرأة، ولما روي في الصحيحين من حديث مسروق عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خير عائشة ، والتخيير دليل على الطلاق بيد الزوج.إذاً عقود الأنكحة أربعة: نكاح السر، ونكاح بنية الطلاق، ونكاح التحليل، ونكاح المتعة.
الشروط في النكاح
كنا قد تحدثنا عن شروط العقد والفرق بينها وبين الشروط في العقد، وقلنا: إنها ثلاثة فروق، أما الشروط في العقد فإنها مبنية على أقوال الأئمة وتوسعهم في الشروط هل هي معتبرة -أي: الشروط الجعلية- أم ليست بمعتبرة؟ والعلماء رحمهم الله يفرقون بين الشروط الجعلية في المعاملات وبين الشروط الجعلية في عقد النكاح، أنا لا أريد أن أدخل في الشروط الجعلية في المعاملات؛ لأن فيها تفاصيل، والمذاهب مختلفة فيما بينها، وإن كان المذهب الحنبلي هو أوسع المذاهب في الشروط الجعلية، يعقبه بعد ذلك المالكية، وبعد ذلك الحنفية، ثم الشافعية، فالشافعية هم أشد المذاهب في الشروط، ويتلوهم الحنفية، لكني أريد أن أتحدث عن الشروط الجعلية في عقد النكاح.
 مذهب الحنابلة في الشروط الجعلية في عقد النكاح
القول الثاني في المسألة هو مذهب الحنابلة، وهم أوسع المذاهب -كما قلت- في الشروط، قالوا: إن الشروط الجعلية التي ليست من مقتضى العقد ولا من مصلحته تنقسم في عقد النكاح إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: شروط صحيحة يصح معها العقد.والقسم الثاني: شروط باطلة يصح معها العقد.القسم الثالث: شروط باطلة يبطل معها العقد إذا كانت مخالفة لمقتضى العقد. قالوا: فإذا كانت هذه الشروط صحيحة فقد صح معها العقد.قالوا: ولنا أدلة ذلك: الدليل الأول: أن رجلاً تزوج امرأة واشترطت على ألا يسافر بها، فتزوجها ثم إنه أراد أن يسافر بها فأبت، فذهب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين! إني تزوجت امرأتي واشترطت علي ألا أسافر بها، وإني أردت أن أسافر بها بعد ذلك، قال عمر : هي على شرطها، قال الرجل: ماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هي على شرطها، قال: الله أكبر غلبننا النساء -يريد إثارة عمر رضي الله عنه- فقال عمر رضي الله عنه: مقاطع الحقوق عند الشروط. والحديث رواه البيهقي عن سعيد بن منصور و ابن أبي شيبة ، ورواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، ووجه الدلالة منه أن عمر رضي الله عنه أثبت صحة العقد وأثبت شرط المرأة، فدل ذلك على صحة العقد وشرطه.الدليل الثاني: ما رواه البخاري و مسلم من حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج )، وجه الدلالة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الإيفاء بالشرط، وبين أن الإيفاء بالشرط في عقد النكاح أولى من غيره، فدل ذلك على صحة الشروط الجعلية، وهذا هو اختيار أبي العباس بن تيمية رحمه الله.وهذا يدل على أن الإنسان مهما بلغ من العلم فقد تخفى عليه بعض السنن، والله سبحانه وتعالى أراد ألا تكون العصمة إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولهذا تجدون العالم الكبير قد تخفى عليه بعض المسائل الصغيرة.والغريب أن بعض طلاب العلم أو بعض الناس حينما تخبره أن الإمام أحمد أخطأ في كذا، أو البخاري أخطأ في كذا فيقول: سبحان الله! هذا دليل على العلم، لكن لا يريدون من طالب العلم أن يخطئ، هذه غرائب، يعني: إذا أخطأ طالب العلم في فتوى استكثروا ذلك منه، ولو قلنا: إن أبا حنيفة أو الشافعي أخطأ في ذلك فلا يجد غضاضة عندهم، لكن كون هذا يخطئ لا، هذه كبيرة، هذا غريب فأحياناً يخطئ طالب العلم في الفتوى، وذا يقول رواه البخاري ولم يروه البخاري ، أو يقول: هذا مذهب أحمد ولا يكون مذهب أحمد ، والخطأ في ذلك يسير يعني: أخطأ في مثله أئمة كبار، فلماذا يستكثر أن يخطئ طالب العلم، والسبب في ذلك أنه أحياناً يكون حسداً من عند أنفسهم.أقول: إن الحنابلة استدلوا بالحديث الثاني وهو حديث: ( إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج )، وهذا القول أعني به صحة الشروط إذا كانت صحيحة هو الراحج.القسم الثاني عند الحنابلة: الشروط الباطلة، والعقد معها صحيح، مثال ذلك: أن يتزوج الرجل المرأة على ألا نفقة لها، أو أن يتزوج الرجل المرأة على سكنى ولا بيتوتة لها، مثلاً: عنده زوجة أولى فيتزوج الثانية ويقول: ليس لك ليلة، أو أنا آتيك بالليل فقط، أو آتيك بالنهار فقط، أو آتيك متى ما رغبت، فهذا يسمى في المشهور عند الحنابلة شرطاً باطلاً. وقد اختلف العلماء في حكم اشتراط الرجل أو اشتراط المرأة على زوجها ألا بيتوتة لها ولا نفقة، ولا بد من تحرير محل النزاع في هذه المسألة. أولاً: إذا تزوج الرجل المرأة من غير شرط، ثم إن المرأة رأت من زوجها نفوراً، فقالت: أبقني ولا ليلة لي، أو أبقني ولا نفقة لي، فيكون هذا الشرط شرطاً تالياً للعقد، فإذا كان ذلك الشرط تالياً للعقد من غير وجوده مع العقد ولا في أثنائه، فإن هذا صحيح عند عامة أهل العلم، واستدلوا بما جاء في الصحيحين من حديث عائشة أن سودة بنت زمعة أراد النبي أن يطلقها فقالت: ( يا رسول الله! اجعل يومي لـعائشة ) فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لزوجاته لكل امرأة منهن ليلة، ولـعائشة ليلتين، هذا هو القسم الأول.القسم الثاني: أن يكون الشرط بالعقد أو قبل العقد، وهذا اختلف الفقهاء في حكمه، فذهب جمهور الفقهاء بما فيهم الحنابلة إلى أنه شرط باطل، أما الجمهور فيرون أن كل الشروط باطلة، والحنابلة يرون أن هذا الشرط باطل؛ لمخالفته لمقتضى العقد؛ لأن الأصل في العقد النفقة والسكنى والبيتوتة، هذا مذهب جمهور الفقهاء من الأئمة الأربعة.القول الثاني في المسألة: هو رواية عند الإمام أحمد ، واختيار أبي العباس بن تيمية رحمه الله، وهو رأي شيخنا عبد العزيز بن باز وشيخنا محمد بن عثيمين وهو قرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي أن مثل هذا الشرط صحيح؛ لأن المرأة أحياناً تكون راعية لوالديها المريضين في بيتها، فتتزوج الرجل بشرط ألا يخرجها من البيت، أو ألا يأتيها كل ليلة، أو أن الرجل يشترط ذلك، فهو حق للمرأة يجوز أن تسقطه في الماضي وأن تطالب به في المستقبل، يعني: لها أن تسقطه، فإذا تزوج الرجل المرأة على ألا نفقة لها ولا بيتوتة فتزوج عند ذلك فليس بمحرم، لكنها لو رغبت بعد ذلك على أن ينفق عليها فيجب عليه أحد أمرين: إما أن يعدل، وإما أن يطلق، فلا يجوز أن يبقيها بمخالفة الشرط؛ لأن إبقاءه في المستقبل حق لله، وإسقاطه في الماضي حق للمخلوق، فحينئذٍ لا بأس أن تسقط المرأة ذلك.أما لو جلس معها سنة، ثم قالت: أريد أن تجعل لي نفقة، أعطني نفقة السنة الماضية نقول: لا؛ لأنك أسقطتيه، أما المستقبل فلها أن تطالب. وعلى هذا جوز جمهور المعاصرين ما يسمى بزواج المسيار، وهذا الزواج لم يعرف عند الصحابة، ولا عند التابعين ولا عند العلماء، ولكنه يسمى زواج النهاريات أو الليليات قال الإمام أحمد : زواج النهاريات أو الليليات ليس من الإسلام في شيء، وهو أن يشترط ألا يأتيها إلا في النهار أو لا يأتيها إلا في الليل وهذا هو القول الأول في المسألة.القول الثاني: هو صحة الشرط: وإن قلنا بجوازه وصحته؛ لأن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج. إلا أننا نقول: إن هذا التجويز ينبغي أن يكون بشرطين:الشرط الأول: ألا يكون ذلك هو الأصل؛ لأن الأصل هو أن يكون الزواج زواجاً إسلامياً، بمعنى زواج بقاء السكنى؛ لأن الله يقول: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187]، وفي الاستمتاع: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم:21]، وهذا بقاء السكنى، وهذا هو الأصل، وحينما نجوز مثل هذه الممارسات فإنما هو لمعالجة بعض الظروف، أحياناً مدرسة كبيرة السن، أو مدرسة عندها أولاد، وهي تريد أن تستمتع بالحلال، فلو أرادت أن تتزوج زواجاً عاماً ما قبلها بعض الأزواج، ربما يكون عمرها خمساً وثلاثين سنة، أو اثنتين وثلاثين سنة، أو أربعين سنة، فتجد أن بعض الأزواج يعزفون عنها، فإذا رضيت بأن تسقط البيتوتة عنها فربما وجدت من يرغب بها، فهذه معالجة وليست هي الأصل.الشرط الثاني: أننا لو قلنا بجواز ذلك فلا يسوغ أن تجعل القوامة للمرأة؛ لأنه إذا جعلت القوامة للمرأة فصارت خراجة ولاجة أدى إلى فساد عريض، ولهذا يجب على الزوج وإن تزوج المرأة بهذا ألا تخرج إلا بإذنه؛ لأن بعض الأزواج إذا تزوج المرأة يقول لها: أريد أن آتي، قالت: لا، اليوم لا تأتي أنا مشغولة فيقول: ماذا عندك؟ فتقول: ليس لك دخل، أنا مشغولة، وحصل في ذلك فتن وقلاقل والعياذ بالله، فلا بد أن تكون القوامة للرجل بحيث يعرف أين امرأته وأين ذهبت، وإلا صار الحبل على الغارب وهذا خطر عظيم.ومع هذا فإنه لا ينبغي لأهل العلم وطلبة العلم أن تكون هذه الاستثناءات هي الأصل بحيث يستغل الإعلام ذلك ويقول: انظروا إلى فقهاء الإسلام لا يعطون للمرأة حقها، فعندما أفتى المجمع الفقهي بجواز زواج المسيار تكلمت الصحف وتكلمت النساء وإنكم وإنكم، طيب، الغرب الآن يجوز الزنا والعياذ بالله، والخلان والخلات. لماذا لم ترفع عليهم قضية، وأنتم دائماً تطنطنون حول الغرب، الغرب يجوز الاستمتاع بالمرأة، الآن تذهب إلى البارات والعياذ بالله فتجد لها صاحباً، والخيانات الزوجية أكثر من أن تحصى، يقال: إن (85%) في أمريكا خيانات زوجية، ويعتبرون الخيانات الزوجية مجرد علاقات صداقة، وأنها تحب صديقها وتتكلم معه وتخرج معه، ولو لم تمارس معه العلاقة الجنسية، لكن هذا يعتبرونه خيانة، على كلٍ هذه شنشنة نعرفها من أخزم.
ذكر حكم بعض الأنكحة المعاصرة
هذه هي عقود النكاح، واليوم أصبح هناك شيء اسمه عقود زواج المصياف، أو زواج السياحة، أو زواج المحرمية.
 نكاح المحرمية
وأما زواج المحرمية فصورته أن المرأة تقول: أنا أريد أن أتزوج لأجل أن أحج وليس معي محرم أتزوج الرجل من أجل أن يكون محرماً لي، إذا كان ليس فيه شرط الطلاق، أو بعد الحج تطلب الطلاق أو أن الرجل يعلم ذلك، فهذا الأصل فيه الجواز؛ لأن المرأة تتزوج الرجل إما أن يكون حاملاً لها، وإما أن ينفق عليها، وإما أن يسكن معها هذا ليس له علاقة بعقد النكاح، لكن أهم شيء؛ أن الزوج لا يعلم ذلك بحيث إذا انتهى عقد الحج طلقها؛ لأن الطلاق بيد الزوج وليس بيد الزوجة وهذا لا يجوز.
الأسئلة

 كيفية تزوج المرأة حديثة العهد بالإسلام إذا كان أبواها كافرين
السؤال: لو كان أولياء المرأة كفاراً، فهل يجوز أن يكون ولياً لها من كان سبباً في دخولها في الإسلام؟الجواب: هذا سؤال جيد، يعني: بعض الأخوات المسلمات في الغرب تسلم فتريد أن تتزوج، فنحن وإن كنا لا نصحح أن يكون الولي كافراً وغير علم والديها إلا أني أرى أن تخبر والديها ثم تطلب من والدها أن يبرم العقد مع هذا الزوج، فإذا كانت قد تزوجت ولم يعلم الأب بذلك، فربما أصبح هناك نفرة، وكره الإسلام بسبب هذا، فلا بد من التفطن لهذا.الأمر الثاني: أن المرأة لا بد أن تجعل لها ولياً، وقد تحدث العلماء رحمهم الله إذا أسلمت المرأة في دار الحرب، فهناك في بلاد الغرب أحياناً يجعلون بعض الجهات الإسلامية لها عقودها المستقلة، فيبرم العقد لها المسئول عن هذا المركز، بحيث يكون هو ولي من لا ولي له، (فإذا اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) كما قال صلى الله عليه وسلم، فيكون رئيس المركز أو نائبه هو بمثابة الولي، فإذا لم يكن في هذا البلد مركز إسلامي، أو كان بعيداً، فإن المرأة المسلمة تختار أحد المسلمين ليكون ولياً لها ليبرم العقد مع هذا الزوج.نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عقود الأنكحة وتطبيقاتها المعاصرة [2] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net