اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عقود الأنكحة وتطبيقاتها المعاصرة [1] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


عقود الأنكحة وتطبيقاتها المعاصرة [1] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
إن العقود في الإسلام معظمة، وقد أمر الله بها، ومن أهم هذه العقود عقد النكاح، وقد جعل له شروط وضوابط، وقد فرق العلماء بين الشرط في العقد وبين شرط عقد النكاح، ومن شروط العقد: الكفاءة والصيغة والقبول والولي والشهود.
مقدمة مهمة لطالب العلم

 منهجية طالب العلم في الرد على المخالف
ومن المسائل أيضاً: أنه لا ينبغي لطالب العلم أن يكون كل اهتماماته في التأليف هي الردود على المخالف، وأقصد به المخالف في الفروع لا في الاعتقاد، أما الاعتقاد فيجب أن نبين مسائل الاعتقاد ونظهرها للناس، ونرد على المخالفين حتى لا يقع الناس في المحرم، لكن نحن نتكلم عن مسائل الفروع التي للعلماء منها كلام، قال تعالى: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [الصافات:164]، فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، فينبغي ألا يتوسع طالب العلم في الردود بحيث يكون كل كتاباته وبحوثه ردوداً في مسائل الفروع التي يسع فيها الخلاف، وربما إذا كبر تغير رأيه، ويصعب عليه أن يغير رأيه بعد أن تحمس وقت شبابه، ولأجل هذا فإن الإمام الشافعي يقول: ولو أردت أن أجعل لكل مقالة كتاباً لفعلت، ولكن ليست هذه من طريقتي، يعني: ليس هذا من هديي، ولو أردت أن أجعل لكل صاحب مقالة أخطأ في فتوى وغيره كتاباً في الرد عليه لفعلت، ولهذا تجد الأئمة -أعني أئمة السلف- ما علقوا ردوداً في مسائل إلا في مسائل الاعتقاد، أما الفروع الفقهية فإنهم يذكرونها عابرة في شرح كتاب، أو في تفسير حديث، أو في غريب حديث، ويتكلمون فيها؛ لأن الاهتمام الزائد إنما هو في جمع النصوص، والمسألة مما يسع فيها الخلاف، أعني: المسائل التي يسع فيها الخلاف تجعل الإنسان يعتريه الهوى شاء أم أبى.هذه مقدمة وجيزة أحببت أن أذكرها لكي تكون نبراساً لطالب العلم الذي يبحث المسائل العصرية، أو يريد أن يبحث المسائل المستجدة في بحوث الماجستير أو الدكتوراه، أو بحوث الترقية، أو البحوث الصفية.
شروط عقد النكاح

 الشرط الخامس: الكفاءة
الشرط الخامس: الكفاءة، وقد اختلف العلماء في معنى الكفاءة، والكفاءة على أنواع:النوع الأول: كفاءة الدين، وهذا مجمع عليه في الجملة، فلا يجوز للمرأة أن يتزوجها غير مسلم، سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو وثنياً؛ لقوله تعالى: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [البقرة:221]. أما أن يتزوج الرجل غير مسلمة، فإن كانت كتابية فلا حرج بالإجماع خلافاً لـابن عمر ؛ لأن القرآن نص على ذلك: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5] الآية.النوع الثاني من الكفاءة: كفاءة اليسار والإعسار، فذهب الحنابلة في رواية والشافعية في أحد القولين إلى أن كفاءة الإعسار واليسار شرط، ولكن ليس شرط صحة، ولكنه شرط لزوم، بخلاف كفاءة الدين فهي شرط صحة، فلو تزوجت المرأة الرجل على أنه غني، فبان فقيراً، فإن لها أن تفسخ، ولو تزوج الرجل المرأة على أنها فلانة بنت الغني فلان، وإذا فلان هذا ليس هو فلاناً الغني، ولكنه فلان الذي يبيع العلف، فإن له أن يفسخ؛ لأنه غر بذلك، وذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة إلى أنه لا يشترط ذلك فيها، وهو اختيار ابن تيمية و ابن القيم والله أعلم.النوع الثالث: كفاءة النسب، وقد اختلف العلماء في كفاءة النسب هل هي شرط لزوم أم شرط صحة؟ فذهب عامة أهل العلم إلى أنه ليس شرط صحة، وذهب الحنابلة في رواية إلى أنه شرط صحة، والراجح هو مذهب عامة أهل العلم أنه ليس شرط صحة؛ لأن معنى شرط الصحة أنه لو تزوج الأعجمي العربية لبطل العقد، وهذا قول ضعيف بلا شك، وقد وجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة زواج الأعجمي من العربي.وأما كون الكفاءة شرط لزوم، فهذا اختلف العلماء فيه أيضاً إلى قولين: فذهب أبو حنيفة و أحمد و الشافعي إلى أنه شرط لزوم. وذهب مالك ورواية عند الإمام أحمد ، وهو اختيار أبي العباس بن تيمية و ابن القيم ذهبوا إلى أنه لا يشترط كفاءة الحسب، قال مالك رحمه الله: إنما الكفاءة في الدين، وما عدا ذلك فالناس سواسية. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)، وقال: (لينتهين أقوام من فخرهم بآبائهم وإنما هم مثل الجعلان)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، والجمهور قالوا: الحسب شرط لزوم، بمعنى أن المرأة لو تزوجها رجل على أنه من البلد الفلاني أو من الحسب الفلاني، فغرها في ذلك، فإن لها الخيار. وأما إن لم يغرها بأن قال: أنا فلان بن فلان، فتزوجها، ورضي الولي بأن يزوج ابنته هذا الرجل، فذهب الحنابلة إلى أن للأولياء حقاً في منع ذلك، فلو جاء أبناء العمومة وقالوا: لا نرضى أن تزوج فلاناً، وكان قد عقد عليها، فقال أحمد رحمه الله: لهم ذلك. وقال أبو حنيفة و الشافعي : إنه ليس لهم ذلك؛ لأنه رضي بالعقد، وعلى هذا فنسبة القول لجمهور أهل العلم في القضايا التي توجد في المحاكم ليس صحيحاً؛ لأن ذلك إنما هو في وقت التغرير، وأما إن عقد عليها، ورضي وليها، فلا يكون للأولياء حق في منع ذلك على مذهب أحمد ، والذي يظهر لي والله أعلم ضعف مذهب الإمام أحمد لأمور:أولاً: لأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج فاطمة بنت قيس الفهرية أسامة بن زيد ، ولو كان لأولياء بني فهر حق لاستأذنهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهو صلى الله عليه وسلم لا يسوغ لأحد أن يتعدى على حق الغير إلا بإذن، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم استأذن فاطمة بنت قيس قال لها: ( أما معاوية فرجل صعلوك، وأما أبو الجهم فرجل لا يضع العصا عن عاتقه، ولكن عليك بـأسامة ، قالت: أسامة أسامة ، وجعلت تحرك يديها كأنها كرهت ذلك، فقال لها: طاعة الله وطاعة رسوله خير لك من ذلك )، فهل ألزمها الرسول؟ لا.وقال لـبريرة حينما عتقت، وكانت تحت زوجها مغيث : (لو راجعتيه، قالت: يا رسول الله! تأمرني بذلك؟ قال: إنما أنا شافع)؛ لأنه حينما كان لها حق استأذنها، فلو كان للأولياء حق لاستأذنهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فإذا تزوجت المرأة وقد رضي وليها بذلك، فلا يسوغ للأولياء بعد ذلك أن يمانعوا من ذلك، وإلا لاختلطت الحقوق، وأدى إلى زيادة النعرات، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.ثم إن أدلة الكفاءة لم يصح منها حديث واحد، وإنما ذلك أمر تعارفوا عليه، والتعارف كأنه اشتراط، وعليه فإذا تزوجها وقد أخبر الرجل الولي بحاله، فإن العرف لا يعمل به إذا جاء نص يخالفه، وعليه فإذا تعارفوا على ذلك، وأمضى العقد بناءً على ما تعارفوا عليه، فإنه يمكن أن يقال بذلك؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، وأما أن يقول الرجل في حال العقد مثلاً: أنا أعجمي، وتزوجها ورضي بذلك، فإنه حينئذٍ لا يسوغ أن يبطل العقد؛ لأن الله يقول: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:21]، وأما حديث: ( تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس ) فقد روي عن عمر مرفوعاً ولا يصح؛ لأن معناه أن الرجل يختار المرأة، وليست المرأة من يختار الرجل، فقوله: ( تخيروا لنطفكم )، يعني: تخيروا المرأة، ولو صح فإن معناه خلاف ما يمارس اليوم، ففي أيامنا هذه الناس يتزوجون ما هب ودب دون العكس، فهم خالفوا الحديث في الواقع.نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين، وأن يمنحنا وإياكم رضاه، والعمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والتقوى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عقود الأنكحة وتطبيقاتها المعاصرة [1] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net