إسلام ويب

لقد رغب الإسلام في العارية؛ لما فيها من المصالح العظيمة، فهي مستحبة، وللمعير أن يرجع في عاريته ما لم يتضرر المستعير؛ لأن العارية عقد تبرع وإحسان، كما أن له أن يشترط الضمان على المستعير، وتكون مئونة رد الإعارة على المستعير، وليس له أن يعيرها إلا بإذن مالكها، وإن استعملها في غير ما استأجرها له وتلفت ضمن وإلا فلا.

تعريف العارية ومشروعيتها

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.

وبعد:

يقول المؤلف رحمه الله: [باب العارية.

وهي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه، وتباح إعارة كل ذي نفع مباح، إلا البضع، وعبداً مسلماً لكافر، وصيداً ونحوه لمحرم، وأمة شابة لغير امرأة أو محرم، ولا أجرة لمن أعار حائطاً حتى يسقط، ولا يرد إن سقط إلا بإذنه.

وتضمن العارية بقيمتها يوم تلفت ولو شرط نفي ضمانها، وعليه مئونة ردها لا المؤجرة، ولا يعيرها فإن تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها، وعلى معيرها أجرتها، ويضمن أيهما شاء، وإن أركب منقطعاً للثواب لم يضمن.

وإذا قال: آجرتك قال: بل أعرتني أو بالعكس عقب العقد قبل قول مدعي الإعارة، وبعد مضي مدة: قول المالك بأجرة المثل.

وإن قال: أعرتني أو قال: آجرتني، قال: بل غصبتني أو قال: أعرتك قال: بل آجرتني، والبهيمة تالفة، أو اختلفا في رد: فقول المالك].

تعريف العارية لغة واصطلاحاً

قول المؤلف: (باب العارية) يجوز فيها التشديد والتخفيف، والعارية في اللغة: من العري، وهو التجرد، ويجوز إطلاق العارية من العري وهو التفرد والذهاب، كما قال الفقهاء في مسألة العرايا؛ لأن بعض الشجر قد تجرد، وذهبت عن أحكام مثيلاتها، ولهذا العارية ذهبت وخرجت عن تصرف صاحبها.

والعارية يمكن إطلاقها على معنيين: الأول: الذهاب والخروج، والثاني: التجرد.

وهي في الاصطلاح كما عرفها المؤلف بقوله: هي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه، ولو قيل في تعريفها وهو أقوى: إباحة نفع عين بلا عوض تبقى بعد استيفائه، لكان أوجه.

مشروعية العارية

والعارية ثبتت في الكتاب والسنة وإجماع سلف هذه الأمة.

أما الكتاب فإن أكثر المفسرين من الصحابة ومن جاء بعدهم فسر الماعون في قول الله تعالى في سورة الماعون: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4-7]، بالعارية، قال ابن مسعود الماعون: الميزان والدلو والقدر، وقال ابن عباس رضي الله عنه: أي منع العواري، يعني: أن من كان عنده شيء فاضل عن حاجته من الأمور التي يستهين بها الناس فيجب بذلها لمن احتاجها كالقدر والدلو والحبل ونحو ذلك، وهذه قاعدة أن الذين منعوا ما لم يحتاجوه، ولا يضرهم فقده ممن احتاجه دليل على البخل وعلى الأنانية، ولهذا أنكر الله صنيعهم.

ولا يلزم أن يكون في المال حق غير الزكاة، فإن عامة أهل العلم يرون أنه ليس في المال حق غير الزكاة خلافاً لـأبي العباس بن تيمية رحمه الله، وقد استدل ابن تيمية على أن في المال حق غير الزكاة بما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها إلا جاءت يوم القيامة تطؤه بأخفافها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) الحديث، وفيه: ( قالوا: يا رسول الله! وما حقها؟ قال: إعارة دلوها وحلبها يوم وردها ). والجمهور يرون أن هذا ليس بحق، ولكنه بذل ما لا يحتاجه إلى من يحتاجه، ومن المعلوم أن اللبن لو بقي في ضرع البهيمة لضرها، ولذلك تجد أن بعض الناس يحلبه وهو لا يحتاجه ويصبه في الأرض، فإذا كان الأمر كذلك فلا يسوغ أن يمنعه من ابن السبيل، ومن منعه فإن فيه بخلاً وأنانية؛ ولأجل هذا فليس فيه دليل على أن في المال حقاً غير الزكاة.

وأما في السنة: فقد ثبت: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـصفوان بن أمية حينما طلب منه أن يعيره دروعه، قال: أغصب يا محمد؟! قال: بل عارية مضمونة )، وفي رواية: ( عارية مؤداة )، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ، و أبو داود و الترمذي وغيرهم.

وأما الإجماع فقد نقل غير واحد من أهل العلم إجماع أهل العلم على العارية.

عقد العارية بين الإباحة والتمليك والفرق بينهما

قوله: (هي إباحة) يخرج به التمليك، فالعارية ليست تمليك منفعة، كما ظن ذلك المالكية والحنفية، والراجح هو مذهب الحنابلة والشافعية حيث قالوا: إنها إباحة.

والفرق بين الإباحة والتمليك: هو أن المستعير يجوز له أن يتصرف بالإعارة إذا قلنا: إنها ملك، ولا يجوز له أن يبذلها للغير إلا بإذن مالكها إذا قلنا: إنها إباحة، وهذا هو الراجح والله تبارك وتعالى أعلم؛ لأن المعير يجوز له أن يرجع في عاريته، وعقود التمليكات ليس فيها رجوع إلا برضا المتعاقدين، فدل ذلك على أنها إباحة منفعة.

قول المؤلف: (إباحة نفع عين) أي: هذه المنفعة يجب أن تكون مباحة النفع، مثل الدلو والإبل والكلب؛ لأن كلب الصيد يباح اقتناؤه فيجوز أن يعطي شخصاً كلب صيده أو كلب الزرع، أو كلب الماشية، أما الكلب العادي فلا يجوز؛ لأنه لا يجوز اقتناؤه. وله أن يعطيه قرده؛ لأن القرد يجوز اقتناؤه وبيعه، ويجوز أن يعطيه هرته؛ لأن الصحيح وهو قول أكثر أهل العلم، وقول جماهير فقهاء الأمصار كما حكى ذلك أبو عمر بن عبد البر أن الهر يجوز بيعه، وأما ما جاء في صحيح مسلم من حديث معقل بن عبيد الله عن أبي الزبير أن جابراً : ( سئل عن السنور والكلب، فقال: زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك )، فإنه ضعيف، ضعفه الإمام أحمد و ابن رجب كما في فتح الباري، وأكثر أهل العلم على جواز بيع الهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم كما عند أهل السنن: ( إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات ).

حكم إعارة ما لا تبقى عينها بعد الانتفاع بها أو ما لا ينتفع به

قول المؤلف: (تبقى بعد استيفائه)، يعني: أن العارية يجب أن تبقى عينها بعد الانتفاع بها من قبل المستعير، فإن أعطاه شيئاً بلفظ الإعارة مما يفنى في الغالب مثلما لو أعطيتك تفاحاً، وقلت: هذه عارية، فالأصل أن استعمال التفاح في العادة هو الأكل، وعلى هذا فليست عارية، وإن كانت بلفظ العارية، بل هي هبة، والأصل في العقود المقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني.

وحينئذٍ نقول: إن قول المؤلف: تبقى بعد الانتفاع بها يخرج ما لا يبقى، وكذلك ما لا ينتفع به كما مر معنا، ومن أمثلة ما لا ينتفع به إلا على وجه المحرم: أن يعطيه خمراً أو أفلاماً محرمة، أو أشرطة أو آلة لهو، فهذه لا تجوز، وهي من باب الإعانة على الإثم والعدوان.

أركان عقد العارية

ومن المعلوم أن العارية عقد، من باب عقود التبرعات، والأصل في العقد أن يتوفر فيه ثلاثة أركان:

الركن الأول الصيغة، وتصح الإعارة بكل لفظ دل على المراد سواء كان بلفظ أو بفعل، أما اللفظ كأن يقول: خذ هذه عارية، أو خذ هذه فانتفع بها فإنها تكون عارية، أو قال شخص في قاعة الامتحانات من معه قلم: فجاء شخص وأعطاه القلم، فهذه إعارة، وهي فعل من أحدهما، لفظ من الآخر، وهذا يسمى إعارة من باب المعاطاة، مثل: إعطاء الرفيق أو الصديق سيارته ليحج بها، فعلى قول الحنابلة إذا قال: يا فلان! أريد أن تعطيني سيارتك أو باصك لأحج به، والعادة أنه يقود السيارة فلا يسوغ له أن يعطي شخصاً آخر يقود السيارة؛ لأن الأصل أن الإذن في العارية لمن استعارها، ولا يجوز أن يبذلها لغيره إلا بإذن مالكها.

والقول الآخر: أنه إذا كان الشخص الآخر سينتفع بها على نحو انتفاع المستعير، أو كان في العادة يستخدمها هذا الشخص وغيره فلا حرج، مثل الكاسات، فلو استعرت من شخص كأساً فمن المعلوم أن الكاسات ينتفع بها أهل البيت، هذا الركن الأول.

الركن الثاني: العاقدان، ويشترط في العاقدين: أهلية المعير للتبرع، وهو أن يكون مكلفاً رشيداً مختاراً غير سفيه، ولا محجور عليه. ويشترط في المستعير أن يكون ممن يصح منه قبول التبرع، وهو ما يسميه العلماء: بأهلية المستعير للتبرع والتملك، وهذا يكون من جائز التصرف.

الركن الثالث: المحل، والمحل هو العين المعقود عليها، وهي نفس العارية، ويشترط فيها أن تكون مباحة النفع، وأن تبقى بعد استيفائها.

حكم العارية

والعارية مستحبة؛ لقوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2].

ولقوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل كما في الحديث: ( يا رسول الله! وما إعارتها؟ قال: إعارة دلوها وإطراق فحلها، ومنحة لبنها يوم وردها ) رواه مسلم .

وقوله صلى الله عليه وسلم: ( العارية مؤداة، والمنيحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم ).

الأمور التي تباح فيها العارية

قول المؤلف: (وتباح إعارة كل ذي نفع مباح) كالدار والثياب والسيارات، وكلاب الصيد، وكلاب الزرع، وكلاب الماشية، والقاعدة: أن كل ما جاز الانتفاع به جازت إعارته، ولهذا يجوز الانتفاع بكلب الصيد، ولا يجوز الانتفاع بالكلب العادي؛ لأنه ينتقص من أجر المنتفع به كل يوم قيراطان، وعلى هذا فلا يجوز إعارة الرسيفر في القنوات الفضائية المحرمة، ولا يجوز إعارة المودم (dsl) إذا كان الشخص الذي ينتفع به سوف ينتفع به على جهة الحرمة، وإذا كان هناك شباب في شقة وتبرع شخص بال(ـdsl) عن طريق الواير لس فلا يجوز إذا كانوا سوف ينتفعون به انتفاعاً محرماً.

ما تجوز إعارته

وقد استثنى المؤلف أموراً، فقال: (إلا البضع، وعبداً مسلماً لكافر، وصيداً ونحوه لمحرم، وأمة شابة لغير امرأة أو محرم)، هذا الاستثناء قصد به أموراً:

أولاً: أنه يستثنى من الإعارة: عارية ما لا ينتفع به إلا هو، فإذا كان الشيء لا ينتفع به إلا نفس الشخص فلا يجوز بذله لغيره مثل البضع، فإن الانتفاع به إنما هو لشخص واحد، فلا يجوز بذل البضع إلا بنكاح أو ملك يمين.

ثانياً: لا يجوز بذل العارية إذا كان سوف ينتفع بها على وجه محرم مثل إعطاء الكافر عبداً مسلماً ليخدمه، فإن المؤلف قال: لا يجوز استخدامه؛ لأن الله يقول: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]، والراجح والله تبارك وتعالى أعلم أنه لا بأس بذلك إذا كان هذا المسلم لا يستذل، ولا يفعل محرماً؛ لأن العارية هنا لا تعدو أن تكون شبيهة بالإجارة، ومن المعلوم أن من الصحابة من كان راعياً لقومه الكفار ولم ينقل أن أحداً منهم منع ذلك، وقد كان أويس القرني قبل أن يسلم جميع قومه راعياً لإبلهم ومواشيهم، وعلى هذا فإذا كان لا يستذل ولا يعمل محرماً فلا بأس، كالذي يعمل في المطاعم في البلاد الغربية، فإذا كان يعمل محرماً فلا يجوز.

قوله: (وصيداً ونحوه لمحرم)، (ونحوه) كالمخيط، فلو أن محرماً طلب منك أن تعطيه مثلاً جاكتك، وسوف يستخدمه بمحرم، فقالوا: إن هذا محرم؛ لأنه لا ينتفع به إلا على وجه محرم، وينتفع به على وجه محرم من وجهين:

الوجه الأول: أن يلبسه من غير حاجة، فإن لبسه من حاجة فلا حرج؛ لما جاء عند الطحاوي و ابن أبي شيبة أن ابن عباس قال لـأبي معبد : ناولني طيالستي قال: أو لست كنت تنهى عن ذلك؟ قال: نعم، ولكني سأفتدي.

الوجه الثاني: أن يلبسه غيره على وجه محرم. فإن كان سوف يستخدمه بمباح مثل أن يكون محتاجاً، أو يريد أن يلف به جسده من غير لبس، فهذا لا بأس.

(أو أمة شابة لغير امرأة أو محرم) فالأمة الشابة إذا كانت ستعطى لرجل وسيخلو بها فلا شك في حرمة ذلك. ومن ذلك أيضاً ما تقوم به بعض العوائل من تأجير خادمتهم لأناس لا يعلمون عنهم، هل هم رجال أو رجل واحد، ولهذا نقول: لا يجوز مثل هذا العقد ولو كان عقد إجارة؛ لأن مثل هذا ربما يكون ضرره واضحاً؛ لأننا نقول: لا يؤمن على هذه الأمة، أو الخادمة من وقوع في محرم كالخلوة أو التأذي بفعل ما يستقبح مع هذه المرأة، وأما إذا أمنت الفتنة فإن الحنابلة يقولون: يكره، والأقرب إذا أمنت الفتنة ولم يوجد محرم مثل الخلوة أنه لا حرج، مثل أن يكون شخص عنده خادمة فيعطيها أخاه، فهنا نقول: لا بأس؛ لأن هذا من باب العارية، وقد أمنت الفتنة ولا حرج في ذلك، ولو كانت شابة، لكن الحنابلة يفرقون بين الشابة والكبيرة أو الشوهاء التي لا تشتهى، والأقرب أن نقول: إذا أمنت الفتنة.

رجوع المعير في إعارته ومدى ثبوت الأجرة له على المستعير

قول المؤلف: (ولا أجرة لمن أعار حائطاً)، هذه المسألة مبنية على أمر وهو أن للمعير الرجوع في إعارته متى شاء، هذا مذهب الحنابلة، وهو مذهب الحنفية والشافعية، قالوا: إن للمعير أن يرجع في إعارته متى شاء ما لم يعيره لشيء يستضر المستعير برجوعه فيه، مثل أن يقول له: فلان يريد سيارتك ليحج بها، فوافق على ذلك فلما وصل إلى الميقات، قال: أعطني سيارتي، وقد أذن له بالانتفاع بها بمقدار الحج فهذا ضرر، أو قال لفلان: أعطني سيارتك أريد أن أحمل بها أغراضاً من الرياض إلى مكة، فلما كان في الطريق قريباً من الحوية قال: ارجع أنا أريدك.

أو أعاره منزله أو شقته، فسكن فيها هو وأهله، فاتصل عليه صاحب البيت في منتصف الليل وقال: اخرج أنا جئت إلى بيتي، فهذا فيه ضرر، ولو كان محسناً.

وذهب المالكية إلى أن الإعارة تكون لازمة إذا أعاره لعمل أو وقتها بوقت، والأقرب والله أعلم أن العارية تبرع وما على المحسنين من سبيل، بيد أنه إن أعاره شيئاً يستضر المستعير برجوعه فإننا نقول: لا يحق له الرجوع؛ لأن المعير أذن للمستعير أن ينتفع بما أذن فيه، فكأنه أذن له من أول العمل إلى منتهاه.

يقول المؤلف: (ولا أجرة لمن أعار حائطاً حتى يسقط)، يعني: لو أن المعير أراد أن يرجع في إعارته، قلنا: لا يحق له؛ لأن العارية مشغولة بما أذن فيه المعير، فهل يستحق المعير أجرة المثل من حين طلب رجوعه إلى أن ينتهي المستعير من المنفعة التي أريد الاستعارة لأجلها، يقول الحنابلة: (ولا أجرة لمن أعار حائطاً حتى يسقط)، يعني: ثم رجع لا إعارة له إذا رجع ولا أجرة حتى يسقط الحائط؛ لأن ما ترتب على المأذون فلا ضمان عليه؛ ولأجل أن بقاءه بحكم العارية، والعارية من أولها لا أجرة فيها، فكذلك باقيتها استصحاباً لحالها أول العقد أو أول القبض.

ومثل ذلك لو أنني أعطيتك سيارة لتحمل بها أغراضك من الرياض إلى مدينة أخرى وقد نزلت في مدينة أخرى، أو كنت في الرياض وتعينت في جدة وطلبت من زميلك أن يعيرك سيارته، فحملت عليها أغراضك، فلما كنت في وسط الطريق اتصل عليك وقال: ارجع. فقلت: والله لا أرجع، فقال: إذاً عليك إيجار، نقول: ليس عليك إيجار؛ لأنك أخذتها لطلب إعارتها من الرياض إلى جدة، وإرجاعها فيه ضرر على المستعير، والأصل أن العارية يجوز الرجوع فيها متى شاء المعير ما لم يستضر المستعير برجوعه؛ لأن ضرر المستعير بالرجوع يمنع أساساً من أصل العارية؛ لأن أصل العارية هو الإحسان، فإذا كان سوف يستضر المستعير فإنه يقول: يا ليت ما أحسنت ولا فعلت!

وللعلماء قاعدة مهمة هي أن كل شرط أو فعل يعود على أصل المعقود عليه، أو أصل الشيء المراد إيجاده بالبطلان أو بالإتلاف فإنه لا يصح؛ لأن كل شرط أو فعل يعود على أصله بالإبطال أو بالإتلاف يكون باطلاً، وهناك شروط في البيع تعود على أصل البيع بالإبطال فيكون البيع باطلاً مثل شرط الضمان على المستأجر، فهذا الشرط يعود على أصل الإجارة بالإبطال؛ لأن أصل الإجارة الضمان فيها على المؤجر، فإذا عاد الشرط على أصل العقد بالإبطال يكون الشرط أو الفعل باطلاً، فإذا طلبنا من المستعير أن يرجع فهذا الرجوع يعود على أصل العارية بالإبطال، وأصل العارية هو الإحسان.

قول المؤلف: (ولا يرد إن سقط) يعني: لو أنه أعاره الحائط ليستخدم عليه الخشب، فإنه لا يجوز له الرجوع حتى ينتهي المستعير من الخشب، لكن لو سقط الحائط، وخرج الخشب، فإنه لا يجوز للمستعير أن يرد الخشب مرة ثانية إلا بإذن جديد.

والقول الآخر هو: إن كان المعير قد طلب من المستعير العارية، وكانت مشغولة فيما يضر رجوعها على المستعير، فإنها لو هلكت فلا يجوز للمستعير أن يعيدها إلا بإذن أما إذا لم يطلبها المعير فإن له أن يعيدها، وذكرنا الفرق؛ وذلك لأن المعير لما طلب الرجوع منعناه خوفاً من ضرر المستعير، فإذا انتفي الضرر رجع الحق للمالك، والأصل أن ملك الغير لا يجوز بذله إلا برضا، وأما إذا لم يطلب المعير فإن الأصل أن الإذن الضمني ما زال باقياً.

ضمان العارية ومئونة ردها

قول المؤلف: (وتضمن العارية بقيمتها يوم تلفت ولو شرط نفي ضمانها).

الحنابلة يرون أن العارية مضمونة، وهو مذهب الشافعية، بمعنى أن العارية التي قبضت ثم تلفت في غير ما استعيرت له تكون مضمونة على المستعير، مثلما لو استعرت منك السيارة فسرقتها، فالسرقة ليست مما استعيرت لأجله السيارة، إذاً لو تلفت في غير ما استعيرت لأجله يقول الحنابلة: تضمن، لكن لو أخذت السيارة وبينما أنا أقودها، ومن شدة حر الطريق انسلخت إطارات السيارة، فهنا لا أضمن؛ لأن التلف فيما استعيرت لأجله، أو لو ارتفعت الحرارة أو انخرم الرديتر الذي يقوم بضبط عملية حرارة السيارة ووزنها مع المكينة لا أضمن، هذا مذهب الحنابلة.

ودليلهم ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث الحسن البصري عن سمرة بن جندب : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه )، واللفظ هنا لـأحمد ، وبعضهم يقول: (حتى تؤدي) أو (تؤدى)، والحديث يرويه قتادة عن الحسن ، قال قتادة : ثم نسي الحسن بعد فكان يقول: بل هي عارية أمانة لا يضمن صاحبها، والحديث قال بعضهم: إنه صحيح؛ لأن الصحيح أن الحسن قد سمع من سمرة كما هو قول علي بن المديني.

والأقرب والله أعلم أن الحسن قد سمع من سمرة حديث العقيقة، وبعض الأحاديث كما هو رأي البخاري ، ولكن ليس كل الأحاديث قد سمعها الحسن من سمرة ، وعلى هذا فإذا جاءنا حديث تفرد به الحسن عن سمرة ، وليس له ما يعضده من الأحاديث الأخرى، فنقول: الأصل أن الحسن لم يسمع من سمرة ، فنقول: ولعل هذا الحديث ضعيف.

والراجح هو القول الثاني، وهو مذهب أبي حنيفة و ابن حزم على أن العارية أمانة غير مضمونة.

وأما حديث صفوان بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه أدرعاً يوم حنين فقال: ( أغصب يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة ) فقد رواه الإمام أحمد و أبو داود ، والحديث سنده ضعيف، وليس فيه دلالة على أنها مضمونة؛ لأن الضمان هنا ضمان الرد، وليس ضمان التلف؛ لأن صفوان رضي الله عنه لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن التلف، وإنما سأله هل تأخذها مني غصباً أي: تحول بيني وبينها ولهذا جاء في بعض الروايات: (بل عارية مؤداة)، فالسؤال هنا إنما هو سؤال عن الرد لا سؤال عن التلف، وهي داخلة في الأمانات، والقاعدة أن لا عدوان إلا على الظالمين، ولما رواه الإمام أحمد و أبو داود و الترمذي من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( العارية مؤداة والمنيحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم )، ولقول عمر رضي الله عنه كما عند عبد الرزاق بسند جيد أنه قال: العارية بمنزلة الوديعة، ولا ضمان فيها إلا أن يتعدى. وهذا هو الراجح أن الأصل أن العارية أمانة.

اشتراط الضمان على المستعير

والسؤال: هل يجوز اشتراط الضمان على المستعير في العارية أم لا؟

الأصل أن العارية أمانة، إذا لم يحصل شرط، وهل يصح الشرط؟

قولان عند أهل العلم، والراجح وهو رواية عند الإمام أحمد اختارها ابن تيمية رحمه الله على أن الشرط صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المسلمون على شروطهم ) كما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة ، ورواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، وهو غير حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف الذي يرويه عن أبيه عن جده، كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف : ( الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً... ) الحديث، ولكنه حديث آخر، ونقول: الصحيح أنه جائز.

والقاعدة في جواز مثل هذا الشرط: أن كل ما قبضه المرء لمنفعة نفسه خاصة جاز اشتراط الضمان عليه؛ لأن القابض في العارية قبضها لمنفعة نفسه، فجاز أن يتعلق به الضمان إذا شرط عليه.

أما الوديعة فلا يصح على المودع؛ لأنه قبضها لغير مصلحة نفسه.

ولا يجوز اشتراط الضمان على المضارب؛ لأن المنفعة في المضاربة مشتركة، وليست بخاصة وهذه الضوابط تضبط الفرق لطالب العلم، وإلا فإن اشتراط الضمان على المضارب يعود على أمر محرم؛ لأننا أقرضنا المضارب بربح؛ لأننا أعطيناه مائة ألف يضمنها ويعطينا ربحها، فصار قرضاً جر نفعاً، ولأجل هذا قلنا: لمصلحة نفسه، وأنا أقول: إن هذا الضابط جيد بمرة، وقد تأملته كثيراً فرأيت أنه جيد، وهو ظاهر كلام ابن تيمية كالوكيل إذا كان يتصرف لمصلحته، أما إذا كان يتصرف لمصلحته ومصلحة المؤجر فلا يصح اشتراط الضمان عليه؛ لأنه في حكم المستأجر، والمستأجر لا يجوز إدخال الضمان عليه؛ لأن اشتراط مثل هذا سوف يعود على أصل عقد الإجارة بالبطلان.

وعلى هذا فيصح أن تكون العارية مضمونة بالشرط، وقد ظن بعض الباحثين في المعاملات المالية المعاصرة جواز اشتراط الضمان على المضارب؛ استناداً لقول ابن تيمية في جواز اشتراطه على الأمين، والصحيح أن ثمة فرقاً بينهما كما بين السماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع؛ لأن المضارب إنما يتصرف لمصلحته ومصلحة الغير، وأما العارية فهو يتصرف فيها لمصلحته هو، فكما أنه لا يصح اشتراط الضمان على المودع فكذلك لا يصح اشتراط الضمان على المضارب.

وإذا ثبت هذا فإن الضمان في العارية لا يصح إلا بالشرط، والمؤلف صار إلى أن الضمان يجب ولو بالشرط.

والآن سوف نتحدث على كلام المؤلف على أن العارية تضمن، والراجح أنها لا تضمن إلا بالشرط.

قول المؤلف: (بقيمتها يوم تلفت) مثاله: لو أخذت منك جملاً لأثني به يعني: لأجعله يأتيني بالماء الذي في البئر فدار دورتين، ثم انكسرت رجله وسقط وتلف فلا أضمنه؛ لأنه تلف فيما استعير فيه، لكن لو سرق الجمل فإنه يضمن على مذهب الحنابلة، أما هنا فلا يضمن؛ لأن الجمل إنما هلك أو تلف فيما استعير من أجله.

ولو أنني استعرت بكرة لأحلبها، أو استعرت فحلاً لكي يطرق البهائم، وكان الفحل غالياً والوقت وقت مزايين الإبل، فوضعته في مكانه، فنظر رجل إلى هذا الفحل، فقال: يمكن أن أحصل على الجائزة فسرقه، وأصبحت الصباح فلم أجد الفحل، فعلى مذهب الحنابلة أضمن، وعلى مذهب ابن تيمية أضمن إلا بشرط.

وقت ضمان العارية

قول المؤلف: (وتضمن العارية بقيمتها يوم تلفت)، فلو أن الفحل الذي أخذته قبل سنة كانت قيمته مليون ريال وحين تلف كانت قيمته مليونين، فهل أضمن يوم القبض أم يوم التلف؟ علماً أنني أطعمته، حتى صار سعره بهذه القيمة، نقول: يضمن يوم التلف.

والآن هناك أناس يأخذون بعض الإبل التي يراد ذبحها بألفين وخمسمائة فيحسنها وهي صغار حوار، أو مفرود -والمفرود أكبر من الحوار- وهو الذي انفرد عن أمه. فبعض الناس إذا رآه عرف أنه من الجياد، فيأخذه بألفين وخمسمائة ويبقى معه سنتين ويبيعه بخمسين ألفاً، أو ثلاثين ألفاً، أو أربعين ألفاً وهلم جراً، ولو قلنا: إنه أخذه وقت الحوار، وأبقاه عنده فتلف، هو أخذه عارية، فالضمان يكون وقت التلف؛ لأن الأصل أن القبض حصل من غير ضمان، فإذا تلفت فقاعدة الإتلاف أن القيمة يوم التلف لا يوم الأخذ كالغصب، وهذا لا شك أنه صحيح، ولو قلنا: إنها تضمن بالشرط لكان كذلك.

ولو أن شخصاً طلب منك أن تعطيه قلمه، والقلم قيمته ألف ريال مثل: يور أو ووتر مان، ونحو ذلك من الأقلام التي يسمونها ماركات، وأنت تكتب به في الامتحان وكنت متحمساً، وتغير وانكسر، فلا تضمن على القول الراجح؛ لأنه لم يشترط.

قال الحنابلة: (ولو شرط نفي ضمانها)، هذا عكس الأول، ابن تيمية يقول في الأول: ولو اشترط عدم نفي الضمان فالأصل أنها لا تضمن، والحنابلة يقولون: ولو اشترط نفي ضمانها لم يسقط الشرط؛ لأن كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط، وهذا عقد شرط، وهذه قاعدة صحيحة أن كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط، لكن هل العارية عقد يقتضي الضمان أم لا؟ لا يقتضي الضمان.

والإجارة ضمانها على على المؤجر، فاقتضى عقد الإجارة أن الضمان على المؤجر ولو وجد شرط يخالف ذلك فإننا نقول: كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط، لكن العارية هنا ليس عقدها مضموناً، ولكنه أمانة إلا بالشرط، وكذلك العكس عند الحنابلة يقولون: كل عقد اقتضى عدم الضمان لا يصيره مضموناً بالشرط، وهل هذا صحيح؟

ظاهر كلام شيخ الإسلام أن كل عقد، أو كل قبض لمصلحة نفسه خاصة يجوز اشتراط الضمان عليه؛ لأن الوديعة عقد الأصل فيه عدم الضمان، ولو شرط المودع له؛ الضمان لم ينفعه؛ لأن القبض ليس لمصلحة المودع.

إذاً: الإتلاف لو حصل بسبب الانتفاع من العارية كما ينتفع بها عامة الناس فإن الضمان هنا لا يصح؛ لأن ما ترتب على المأذون فلا ضمان فيه.

مئونة رد العارية

قول المؤلف: (وعليه مئونة ردها) هنا أمران: مئونة الرد، ومئونة النفقة وقت الرد.

أما مئونة الرد فيقول المؤلف: (وعليه) أي: على المستعير (مئونة ردها) أي: رد العارية، يعني بذلك أن المستعير لو أراد أن يرد السيارة التي استعارها فإن مئونة الرد عليه، مثل لو قلت لفلان: أريدك أن تعيرني هذه السيارة أو هذه الدابة ففعل، فانتهيت من الحج وأردت أن أرجعها إلى صاحبها، هذا الإرجاع له مئونة كقيمة البنزين أو إعلاف الدابة، وهي على المستعير، هذا هو قول عامة الفقهاء؛ لأن القاعدة تقول: الأصل أن العارية مؤداة، إذاً: التأدية والرجوع واجب، وما ترتب على الواجب فهو واجب، والقاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

مئونة رد العين المؤجرة

قول المؤلف: (لا المؤجرة)، المؤجرة هنا هل ردها واجب أم ليس بواجب؟ مثل: لو استأجرت منك دابة هل ردها واجب أم ليس بواجب؟

نقول: الأصل أن ردها ليس بواجب، ولكن الواجب أن تنفك المنفعة عن المعقود عليه، فلو كان ثمة شرط أو عرف لقلنا به، والآن العرف على أن الرد واجب على المستأجر هذا هو الأصل، مثل استئجار السيارات: فالعادة أن تأتي بها إلى أصحابها، فتكون المئونة هنا على المستأجر؛ لأنه اقتضى به عرف، وإذا لم يقتض به عرف فلا، مثل التكاسي هؤلاء الذي لهم محطة، العرف أنك توقفها عند التكاسي، فلو طلب منك أن تأتي بها إلى مكان آخر فلا يلزمك؛ لأن العقد أن الرد على المؤجر وليس على المستأجر.

أما مئونة نفقة الرد فهي على المستأجر لو كان لها نفقة، فلو أن معي سيارة استعرتها فإن مئونة ردها علي؛ لأني أنا المستعير، لكن يقول المؤلف: أما مئونة الدابة المؤجرة والمعارة فهي على المالك، يعني: علفها على المالك، والأقرب والله أعلم: أنها على المستعير.

حكم إعارة المستعير للعارية ومن يلزمه ضمانها إذا تلفت

قول المؤلف: (ولا يعيرها) يعني: لا يسوغ للمستعير أن يعيرها لغيره؛ لأن الإعارة إباحة نفع، وليست تمليك نفع، وعلى هذا فلا يجوز له أن يبذلها لغيره؛ لأن القاعدة: أن أموال الناس مضمونة لهم إلا بالإذن، ولا إذن هنا.

والقول الثاني: أنه إذا كان العرف أن إعارتها سوف ينتفع به هو أو غيره فلا بأس، وأما إذا كان العرف أنه لا ينتفع بها إلا صاحبها فإنه لا يجوز بذلها، وهذا قول قوي، مثل: لو استعرت منك مثلاً بعض الأشياء التي ينتفع بها عامة الناس، مثل: الزمزميات هذه أو الترامس التي يصب الإنسان فيها الماء وغيره، مثل: استعارة بعض الناس أباريق الغير لوليمته، فالأصل أنه لن يستعملها، وإنما يستعملها طرف آخر هذا هو المقصود والله أعلم.

قول المؤلف: (فإن تلفت عند الثاني) يعني: إن أعار المستعير الأول العارية لشخص آخر، وهذه المسائل بناءً على أن العارية مضمونة، فتلفت عند الثاني (استقرت عليه قيمتها)، قلنا: إنه يضمن وقت التلف، فإذا تلفت عند المستعير الثاني، فإن المستعير الثاني يضمن وقت التلف سواء علم المستعير الثاني أنها ملك للمستعير أو أنها عارية، يعني: سواء علم بواقع الحال أو لم يعلم فإنها تضمن، قالوا: لأنه لو علم بواقع الحال فإنه يكون غاصباً، والغاصب ضامن، ولو لم يعلم بالحال فإنما أخذها عارية والعارية الأصل فيها الضمان.

وعلى القول الراجح: فإن المستعير الثاني إن كان يعلم بواقع الحال -يعني: يعلم أن المستعير الأول إنما أخذها إعارة- فهو ضامن؛ لأنه في حكم الغصب؛ لأنه يجب عليه ألا يأخذها إذا علم أنها إعارة في يد المستعير الأول، وأما إذا لم يعلم بواقع الحال فترجع إلى أصل العارية، وهي أن العارية الأصل فيها عدم الضمان إلا بالشرط. وعلى هذا فالراجح أنها تكون مضمونة على المستعير الأول.

قوله: (وعلى معيرها أجرتها)، صورة المسألة: أن المستعير الأول هو معير ثاني، فعلى معيرها للمستعير الثاني الأجرة، مثل: لو أعطيتك سيارة في 1/1/1430هـ وفي 30/1/1430هـ أعطيتها سعيداً، فأخذها وبعد ثلاثة أشهر تلفت أو سرقت، وقد اشترط على المستعير الأول الضمان، واشترط المستعير الأول على سعيد الضمان، وسعيد لم يعلم، فأقول: الضمان على الأول، فهناك الآن ضمان بالتلف وأجرة، والمستعير الأول من حين تصرفه في غير ما أذن له فيه فإن حكم العارية عليه تكون في حكم الإجارة، فعلى هذا يجوز للمعير الأول الذي هو أنا أن أطالب المستعير الثاني بالأجرة؛ لأنه بذلها للغير بدون إذن.

وعلى القول الراجح: أنها لو تلفت بالشرط، فيحق لي أن أطالبه وأطالب المستعير الأول بأجرة الانتفاع وقيمة التلف، وهذه مبنية على أن تصرفات الغاصب فيما يستحق الإجارة مضمونة عليه، فلو أن الغاصب غصب أرضاً يمكن أن تؤجر فإنه يجوز للمغصوب أن يطالب الغاصب بأجرة المنفعة.

إذاً: الحنابلة رحمهم الله يرون أن العارية مضمونة، وعلى هذا فلو تلفت العارية بيد المستعير، أو بيد من أعاره المستعير إلى طرف آخر، فإنها تكون مضمونة على من تلفت أيضاً بيده، وتكون مضمونة على المستعير الأول بناءً على أنه تصرف من غير إذن المعير صاحب السلعة.

وقلنا: إن الراجح والله تبارك وتعالى أعلم أن العارية الأصل فيها الأمانة، وتضمن بالشرط، وقلنا: إنها رواية عند الحنابلة اختارها أبو العباس بن تيمية رحمه الله، وذكرنا الأدلة.

أحقية تضمين المعير المستعير الأول أو الثاني

يقول المؤلف: (ويضمن أيهما شاء)، يعني: أن المعير -صاحب السلعة- له أن يضمن المستعير الأول؛ لأنه تصرف في غير ملك صاحبه من غير إذنه، والقاعدة: أن ما ترتب على غير المأذون ففيه الضمان، وله أن يضمن المستعير الثاني؛ لأن الحنابلة يرون أن العارية تضمن إذا تلفت في غير ما استعيرت لأجله، فإن هلكت بنحو ما استعار لأجله، فإنهم يقولون: لا تضمن.

وقلنا على هذا القول: الراجح أن المالك ليس له حق أن يضمن المستعير الثاني إلا إذا علم المستعير الثاني بأن المستعير الأول قد تصرف بغير إذنه، فيكون عالماً بذلك، ومن علم فإنه يتحمل تبعة ذلك.

أما إن كان لا يعلم فإن الراجح والله أعلم: أن الضمان إنما هو على المستعير الأول، وأما المستعير الثاني فالراجح: أنه لا يضمن العارية إلا بالشرط، فلو أن المستعير الأول طلب منه أن يضمنها بالشرط لقلنا: جاز حينئذٍ أن يرجع المستعير الأول على المستعير الثاني للضمان.

الإشراك في منفعة العارية

يقول المؤلف: (وإن أركب منقطعاً للثواب لم يضمن).

صورة المسألة: لو أن صاحب السلعة، أو أن صاحب الدابة، أو أن صاحب السيارة لو أركب منقطعاً في الطريق، مثل: شخص انقطعت به سيارته في طريق، فجاء صاحب حاملة السيارات فأركبه بسيارته طلباً للأجر، قال: والله رأيتك فأحببت أن آخذ أجراً، فأركب سيارته وحملها إياه، ثم هلكت السيارة التي هي السيارة الحاملة؛ إما لأن السيارة المحمولة أكبر من حجم هذه السيارة الحاملة، المهم أنها هلكت، أو عطبت، فالمؤلف يقول هنا: لم يضمن المعير سيارة المحمول، ومثل ذلك ما لو أركبه دابته وهو يسحبها، يعني: أركبه خيله ثم أمشاه به؛ قالوا: لأن المعير إنما تصرف بقصد الثواب، والقاعدة: أن كل من تصرف طلباً للأجر لا يجوز له أن يأخذ لأجله عوضاً بينه وبين الله، ولو قاضاه وأخذ أجرته، يعني: حملت شخصاً أجرة للمثل، وأنا أقصد بذلك أجر الله وثوابه، وأنا أحملها اتصل عليّ وتغير تعامله معي، فغضبت، وعندما انتهيت من حمل السيارة قلت له: أعطني أجرتي، قضاءً له ذلك، لكنه بينه وبين الله فإنه يأكله سحتاً؛ لأنه تقرب إلى الله بهذا فلا يجوز له، فهو مثل ( العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه ).

اختلاف المعير والمستعير

يقول المؤلف رحمه الله: (وإذا قال: آجرتك).

(آجرتك) بتخفيف الجيم، والعامة أو الناس الآن يقولون: أجرتك، واللغويون يقولون: إن هذا خطأ، ومجمع اللغة العربية جوز ذلك، فيجوز أن تقول: أجرتك، والقاعدة عند مجمع اللغة العربية: أن كل ما أمكن قياسه سماعاً وأمكن تصحيح كلام الناس فهو ممكن.

(إذا قال: آجرتك)، يعني: أن المالك قال للمستعير: إنما أعطيتك السلعة إجارة، فقال المستعير: بل أعرتني، أو بالعكس بأن قال المالك: إنما أعرتك، وقال القابض: إنما أجرتني، فالآن المؤلف شرع في أحكام اختلاف المتعاقدين، يفرق بينهما على حالات:

اختلاف المعير والمستعير عقب إبرام العقد

الحالة الأولى: أن يكون خلافهما عقب العقد، يعني: عقب القبض، فإذا قبض القابض وقال القابض: أنت أعرتني، وقال المالك: بل أجرتك، فإن القاعدة هنا إذا كان التراد عقب العقد بأن يأخذ المالك سلعته وملكه وينتهي العقد؛ قالوا: لأنه لو قلنا: إجارة، فالإجارة لا يثبت فيها ضمان إذا لم تستعمل مقدار مدة معينة، فهو عقب العقد فيفسخ العقد، ولو قلنا: إنها إعارة فالإعارة لم تهلك، وليس فيها أجرة على المنفعة فيردها أيضاً، فحينئذٍ نقول: فإنه يردها. والمؤلف يقول: (قبل قول مدعي الإعارة مع يمينه)؛ لأن الأصل عدم عقد الإجارة؛ ولأن الأصل عدم المعاوضة وبراءة ذمة من بيده العين، فالمؤلف هنا قال: (قول مدعي الإعارة)؛ لأن الإعارة ليست معاوضة.

يقول: (مع يمينه) قالوا: لأنها لو كانت إجارة فالإجارة الأصل فيها لزومية العقد، فينتفع المالك بذلك، ولهذا طلبنا من مدعي الإعارة اليمين. فلو كان مدعي الإعارة هو المستعير -يعني: القابض- فالقول قوله؛ لأنه يدعي عدم المعاوضة، ولو ادعى المالك الإعارة والمستعير -القابض- الإجارة فالقول قول المالك.

سؤال: كيف يدعي القابض الإجارة وهي عليه؟ يعني: قد يقول قائل: ماذا يستفيد القابض بدعوى الإجارة وهي معاوضة عليه؟ إذا أخذها منه، أيهما أفضل: أن تكون أجرة المنفعة عقد لازم عليه، أم ليس عقداً لازماً عليه؟

يعني نقول: إن العين المقصودة في العقد قد تكون لها وقع في الثمن من حيث منفعتها، فلو قلنا: إنه لا يتضرر القابض بذلك، وفي الحقيقة أنه ربما يتضرر، أو ربما تفوت عليه منفعة، وعلى هذا فقس، هذه الحال الأولى؛ وهي: أن يختلفا عقب العقد.

اختلاف المعير والمستعير بعد مدة من إبرام العقد

الحالة الثانية: وهي قول المؤلف: (وبعد مضي مدة قول المالك).

يعني: أن يكون الخلاف بعد مضي مدة لها أجرة المثل، أما لو كان الخلاف عقب العقد فليس له أجرة المثل، فالمؤلف يقول: فالقول قول المالك، هذا مذهب جمهور الفقهاء، واختاره أبو العباس بن تيمية رحمه الله؛ قالوا: إذا مضت مدة فالأصل في مال الغير الضمان، فإذا مضت مدة فلو قلنا: القول قول القابض لأدى ذلك إلى انتفاع غير المالك بملك غيره من غير معاوضة، والقاعدة: أن ما جرت به العادة أن الإنسان في الغالب لا يبذل ماله للغير إلا لعوض، وهذا هو الدليل؛ لأن الأصل في مال الغير الضمان.

المؤلف يقول: فالقول قول المالك بأجرة المثل، وهذا القول لعله قوي، وفيه قول آخر قالوا: يلزم الأقل من المسمى في العقد الذي يدعيه المالك أو أجرة المثل، فلو كان المالك يقول: إنما أجرتك بمائة ألف، وأجرة المثل تسعون ألفاً، فأقل الأمرين أجرة المثل.

ولو آجره بمائة ألف، فأجرة المثل بمائة وعشرين، فالأصل يرجع إلى المسمى في العقد، وهذا قوي في حال تلف المعقود عليه، وأما في غير ذلك فالأصل والأقرب هو أجرة المثل والله أعلم.

اختلاف المعير والمستعير في ثبوت الإعارة من عدمها

يقول المؤلف: (وإن قال: أعرتني، أو قال: أجرتني، قال: بل غصبتني).

يعني: وإن قال القابض غير المالك: أعرتني، أو قال: أجرتني، فقال مالك السلعة: بل غصبتني، يعني: أنك أخذتها قهراً، واستوليت على مالي من غير رضامني، فما الحكم؟ يقول المؤلف: (القول قول المالك) لماذا؟

إن قال: غصبتني، وقال الرجل الآخر: بل أعرتك، ما فيه ثمرة نقول: رد الغصب وانتهينا، أليس كذلك؟

ما هو التلف؟ يقول لك: بل آجرتك والبهيمة تالفة، إذا كانت البهيمة تالفة فيترتب على الغصب ضمان، وإن لم تكن البهيمة تالفة، فهذه مسألة أخرى، فيرى الجمهور خلافاً لـأبي حنيفة أن المنافع تضمن، فلو غصبه داراً أو عقاراً فإنه له أن يطلب منه أجرة المثل، فلو قال: غصبتني قال: لا، بل أعرتني، والمعقود عليه باقياً، فالقول قول المالك؛ لأن الأصل في مال الغير أنه لا يبدل إلا بعوض، ولا عوض في العارية فيكون غصباً، فيجب عليه أن يرجع وإن كان لها وقع في المنفعة، فللمغصوب أن يطالب بأجرة كما سوف يأتي إن شاء الله في باب الغصب.

أما لو كانت البهيمة تالفة، وقال المالك: أعرتك، وقال: بل أجرتني، الآن من الذي يدعي الإعارة؟ البهيمة الآن تالفة في غير ما استعملت له، فقال المالك: بل أعرتك، قال المستأجر: بل أجرتني، والبهيمة تالفة، فيه فرق؟

نعم؛ لأن المستأجر أمين، فلا يضمن إلا بالتعدي والتفريط، وأما المستعير فإنه يضمن ولو لم يتعد أو يفرط إلا في حالة إذا استعملها في ما وضعت له فإنه لا يضمن لو تلفت.

يقول المؤلف: (فقول المالك)؛ لأن القاعدة: أن الأصل في مال الغير الضمان، يقول المؤلف: أو اختلفا في رد قبض المستعير البهيمة، ثم بعد ذلك ادعى ردها، فقال المالك: لا، ما رديتها، يقول: فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم الرد مطلقاً.

لو إني أعطيتك وديعة وأنت أمين، ثم ادعيت أنت الرد وأنا أنكرت، فهل نقول: الأصل قول مدعي الرد مطلقاً؟ ليس قول مدعي الرد مطلقاً، بل نقول: إن الأصل أن من قبض لحظ نفسه فالقول قول عدم الرد، الآن المستأجر قبض لحظ نفسه أليس كذلك؟ المستعير قبض لحظ نفسه أليس كذلك؟ فالقول قول المالك، أما من قبض لغير حظ نفسه فإن القول قول الأمين الذي هو المودع؛ لأنه أمين، المهم يأخذه لحظ نفسه، فقول المؤلف: (أو اختلفا في رد فقول المالك) يقصد بذلك هنا، ولكن ليس قول مدعي الرد عدم الرد؛ لأنه ليس دائماً، وعلى هذا فإذا كان القابض لحظ نفسه فالقول قول المالك، وإن كان القابض لغير حظ نفسه بل لحظ مالكه فإن القول قول مدعي الرد.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , زاد المستقنع - كتاب البيع [4] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

https://audio.islamweb.net