اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , زاد المستقنع - كتاب البيع [2] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


زاد المستقنع - كتاب البيع [2] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
تعتبر الإجارة من العقود اللازمة التي لا تنفسخ إلا بتلف العين المؤجرة أو عدم القدرة على استيفاء المنفعة منها، وإن انتفع المستأجر بالعين فترة ثم تلفت لزمته الأجرة فيما انتفع فقط، وإن وجد عيباً في العين المؤجرة فله أن يفسخ العقد، ومن استؤجر لعمل خاص أو مشترك فلا يضمن ما أتلفه إذا لم يتعد أو يفرط.
ذكر ما ينفسخ به عقد الإجارة وما لا ينفسخ

 انفساخ عقد الإجارة عند وجود عيب في العين المستأجرة
قال المؤلف رحمه الله: [وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ وعليه أجرة ما مضى].يعني بذلك: إن وجد المستأجر بالعين المعقود عليها عيباً فإنه يجوز له أن يفسخ الإجارة، فلو استأجرت برجاً فوجدت أن الكيبلات في البرج لا تتحمل لفتح كل البرج، فبمجرد فتح دور أو دورين ينطفئ النور، فهذا عيب كبير، فيجوز لك أن تفسخ العقد. ولو حدث عيب من غير سبب من المستأجر، مثل أن يستأجر برجاً فيفاجأ أن الصرف الصحي يطفح على الدور الأول كثيراً، فهذا عيب حادث قد يكون أحياناً المسدات تمنع فهو حادث، فنقول: لو كان العيب أيضاً حادثاً فإن المستأجر يجوز له الفسخ؛ لقول المؤلف: (وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب) يعني: في المستقبل فله الفسخ، ولكن نقول: إذا جاز له الفسخ فيما بقي فللمؤجر أجرة مثله فيما مضى، لكن لو زال العذر فليس للمستأجر الفسخ، مثل: لو استأجر برجاً فوجد أن الصرف الصحي يطفح فجاءت شركة الصرف الصحي فأصلحته، فهذا عذر قد زال، فحينئذٍ ليس له الفسخ. ولهذا يقول المؤلف: (وعليه أجرة ما مضى) لماذا؟ لأن الخراج بالضمان، وقد استوفى المستأجر شيئاً من منفعة عين المؤجر، والأصل حرمة أموال الناس إلا بالرضا أو المعاوضة، وحينئذٍ استيفاء المنفعة فيما مضى يجب على المستأجر أن يبذلها للمؤجر في أجرة المثل.وهنا مسألة وهي: بعض كبار السن لا يعلم عن هذه المسائل الفقهية شيئاً، فربما استأجر عمارة، فلما انتهت المدة علم أنه بهذا العيب الحادث الذي منعه من الانتفاع بالعين المؤجرة انتفاعاً كاملاً على ما نص عليه في العقد له حق الفسخ، ولما انتهى قال: والله إني استأجرت سنتين الفلة الفلانية وقد تضررت وبقيت، قالوا له: لك حق أن تطالب بالفسخ، قال: والله ما علمت، قالوا: أيضاً لك حق الأرش، وهذه هي المسألة: هل للمستأجر مطالبة المؤجر بأرش العيب الحادث بعد مضي المدة؟أما قبل مضي المدة فليس له إلا البقاء على ما هو عليه أو الفسخ، لكن لو مضت المدة هل له ذلك؟ قولان عند أهل العلم، والأقرب والله تبارك وتعالى أعلم أن يقال: إن كان العيب يمنع من الانتفاع بالعين المؤجرة انتفاعاً له وقع في الثمن، أو يتضرر المستأجر بوجوده فله الأرش، فإن لم يطالب بأرشه في المدة وهو يعلم أن له الحق في المطالبة فإن حقه حينئذٍ يكون ساقطاً، فإن لم يعلم أن له حقاً جاز ويكون يمينه فاصلة للنزاع، يعني: أنه يقول المؤجر: احلف بالله أنك ما تعلم أن لك الحق فيحلف، والله أعلم.
ذكر من يسقط عنهم الضمان ومن لا يسقط في الإجارة

 عدم سقوط الضمان عن الأجير المشترك فيما تلف بفعله وسقوطه فيما تلف من حرزه
قال المؤلف رحمه الله: [ويضمن المشترك].يعني: الأجير المشترك، فهناك أجير خاص وأجير مشترك والمشترك هو الذي يشاركه غير المؤجر في المنفعة، وبتعريف آخر: هو من قدر نفعه بالعمل، وتقبل أعمالاً لجماعة في وقت لا يختص نفعه لواحد منهم، فهذا هو الأجير المشترك، مثل الخياط والغسال، والإسكافي الذي يصلح الأحذية، وعلى هذا فسر، فهؤلاء يقول المؤلف أنهم يضمنون، وقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لا يصلح الناس إلا ذاك يعني: لا يصلحهم إلا الضمان رواه مالك في المدونة و عبد الرزاق في المصنف. والضمان هنا إنما هو ما تلف بفعله، فإذا تلف بفعله فإنه يضمن مثل الخياط الذي بدأ يخيط، فتغيرت المكينة عليه فالتف ذات اليمين وذات الشمال فأضاع شيئاً من الثوب، أو ضيق الثوب على صاحبه، فإنه يضمن ما تلف بفعله، كتخريق الثوب وغلطه في تفصيله، روي ذلك عن علي و عمر ، ولكن إسناد الحديث عن عمر فيه ضعف، ضعفه الشافعي و الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، واستدلوا على الضمان بما جاء عند أهل السنن من حديث الحسن البصري عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه )، قالوا: فهذا يدل على أنه يجب عليه أن يؤديه كما أخذه وإلا ضمن، وهذا الحديث صححه جمع من المتأخرين وضعفه الإمام أحمد رحمه الله.واستدل الذين يقولون بالضمان فقالوا: إن الأجير المشترك قد قبض العين لمنفعته، وكل من قبض مال غيره لمنفعته من غير استحقاق -يعني: من غير حق له فيه- فإنه يضمن كالمستعير، والمسألة فيها خلاف كثير، وهي من المسائل المشكلة في القضاء.مثاله: لو أن شخصاً يحمل للناس أمتعتهم من الرياض إلى مكة، فحمل الناس في باصه ووضع أمتعتهم في مكانها المعتاد وسار بهم، وفجأة حصل التماس كهربائي في السيارة والسيارة موديلها جديد فاحترقت، وتضرر بعض الناس وتضررت أمتعتهم، فعلى مذهب الحنابلة أن الأجير الخاص والأجير المشترك يضمن.إذاً: الأخير المشترك يضمن، والأجير الخاص لا يضمن، وصاحب الباص أجير مشترك فهو ضامن وهذا فيه ضرر، وربما تكون شركات كبيرة أدت لبعضهم أن يؤمنوا، ولهذا ذهب أكثر المالكية إلى قول فيه نوع من الاعتدال، وإعطاء كل ذي حق حقه، فقال أكثر المالكية: إن الأجير المشترك يضمن ما تلف تحت يده إذا كان مما يعاب عليه، ولم يعلم سبب إلا بقوله، ولا يضمنه إذا كان مما ثبت تلفه بالبينة من غير تضييع، يعني: أن فحوى كلام المالكية يقولون: إذا كان الأجير المشترك قد أتلف هذا الشيء من يده مما يعاب عليه يعني: كون الخياطة يعاب عليها فإنه يضمن، ولا يضمنه إذا أثبت ببينة أن هذا العيب ليس من يده، وليس من فعله. فحينئذٍ نقول: إنه لا يضمن إذا ثبت بالبينة، وهذا القول قوي، وهو أن الأصل أنه يضمن إلا إذا أثبت بالبينة أن هذا الخلل ليس من عمل يده، مثل صاحب السيارة الذي ذكرنا إذا كان الالتماس ليس من يده، وأثبت أهل الخبرة أن هذا ليس فيه تعدٍ ولا تفريط فإنه لا يضمن؛ لأن هذا قضاء وقدر، وإلا للزم الناس في ذلك ضرر كبير.قال المؤلف رحمه الله: (ويضمن المشترك) يعني: الأجير المشترك [ما تلف بفعله، ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله، ولا أُجرة له].يعني: لو خاط الثوب، وقال للشخص: تعال استلمه، فهلك أو لم تتم خياطته على ما أراده المستأجر، فإنه لا يضمن ما تلف بحرزه، قالوا: لأنه أمين، وعلى مذهب المالكية يجب عليه إثبات البينة وإلا ضمن، ومثل ذلك ما لو احترق المحل، فإنه يجب عليه أن يثبت البينة، والبينة تكون واضحة، لكن لو ادعى السرقة فلا بد من وجود البينة وإلا ضمن، وكما قال علي رضي الله عنه: لا يصلح الناس إلا ذلك.يقول المؤلف: (ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله) قالوا: لأن العين في يده أمانة، والأقرب كما قلنا في تفصيل مذهب المالكية.يقول المؤلف: (ولا أجرة له)، يعني: لا يجمع له بين عدم الضمان وطلب الأجرة؛ لأن الخراج بالضمان فلا يجمع له العوضين، وهو عوض عدم المطالبة بالهلاك والضياع، ومطالبة العمل؛ لأن عمله حينئذٍ يكون هباءً.
وقت إيجاب دفع الأجرة
قال المؤلف رحمه الله: [وتجب الأجرة بالعقد].هذا مذهب الحنابلة أن الأجرة تجب بالعقد، ويجب تسليمها بتسليم العين، يعني: تسليم الثمن، والتمكين من الانتفاع، فلو أن المؤجر أبرم العقد مع المستأجر فاستأجر هذه العين مدة سنة بمائة ألف، فإن الأجرة تجب بمجرد العقد، فلو قال المستأجر: لا، لا يجب علي أن أعطيك حتى تنتهي المدة؛ لأنك لم تشترط بالعقد، قلنا: الأصل أن العقد يوجب دفع الأجرة، ولكنها تستحق ويلزم كمالها بمضي مدة الانتفاع. وصورتها أن نقول: لو أن زيداً أجر على بكر برجاً بمائة ألف، فنقول لبكر: إن الأجرة التي هي مائة ألف يجب عليك أن تدفعها لزيد لمجرد إبرام العقد، لكن هذا المبلغ لا يستحق لزيد كاملاً إلا بعد مضي كامل المدة، فلو هلكت العين المؤجرة جاز لبكر أن يطالب زيداً بفسخ العقد وإرجاع أجرة باقي المدة التي لم ينتفع فيها، ولهذا قال المؤلف: (وتستحق بتسليم العمل الذي في الذمة)، أو باكتمال العين المؤجرة وانتفاعها.
 عدم سقوط الضمان عن الأجير المشترك فيما تلف بفعله وسقوطه فيما تلف من حرزه
قال المؤلف رحمه الله: [ويضمن المشترك].يعني: الأجير المشترك، فهناك أجير خاص وأجير مشترك والمشترك هو الذي يشاركه غير المؤجر في المنفعة، وبتعريف آخر: هو من قدر نفعه بالعمل، وتقبل أعمالاً لجماعة في وقت لا يختص نفعه لواحد منهم، فهذا هو الأجير المشترك، مثل الخياط والغسال، والإسكافي الذي يصلح الأحذية، وعلى هذا فسر، فهؤلاء يقول المؤلف أنهم يضمنون، وقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لا يصلح الناس إلا ذاك يعني: لا يصلحهم إلا الضمان رواه مالك في المدونة و عبد الرزاق في المصنف. والضمان هنا إنما هو ما تلف بفعله، فإذا تلف بفعله فإنه يضمن مثل الخياط الذي بدأ يخيط، فتغيرت المكينة عليه فالتف ذات اليمين وذات الشمال فأضاع شيئاً من الثوب، أو ضيق الثوب على صاحبه، فإنه يضمن ما تلف بفعله، كتخريق الثوب وغلطه في تفصيله، روي ذلك عن علي و عمر ، ولكن إسناد الحديث عن عمر فيه ضعف، ضعفه الشافعي و الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، واستدلوا على الضمان بما جاء عند أهل السنن من حديث الحسن البصري عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه )، قالوا: فهذا يدل على أنه يجب عليه أن يؤديه كما أخذه وإلا ضمن، وهذا الحديث صححه جمع من المتأخرين وضعفه الإمام أحمد رحمه الله.واستدل الذين يقولون بالضمان فقالوا: إن الأجير المشترك قد قبض العين لمنفعته، وكل من قبض مال غيره لمنفعته من غير استحقاق -يعني: من غير حق له فيه- فإنه يضمن كالمستعير، والمسألة فيها خلاف كثير، وهي من المسائل المشكلة في القضاء.مثاله: لو أن شخصاً يحمل للناس أمتعتهم من الرياض إلى مكة، فحمل الناس في باصه ووضع أمتعتهم في مكانها المعتاد وسار بهم، وفجأة حصل التماس كهربائي في السيارة والسيارة موديلها جديد فاحترقت، وتضرر بعض الناس وتضررت أمتعتهم، فعلى مذهب الحنابلة أن الأجير الخاص والأجير المشترك يضمن.إذاً: الأخير المشترك يضمن، والأجير الخاص لا يضمن، وصاحب الباص أجير مشترك فهو ضامن وهذا فيه ضرر، وربما تكون شركات كبيرة أدت لبعضهم أن يؤمنوا، ولهذا ذهب أكثر المالكية إلى قول فيه نوع من الاعتدال، وإعطاء كل ذي حق حقه، فقال أكثر المالكية: إن الأجير المشترك يضمن ما تلف تحت يده إذا كان مما يعاب عليه، ولم يعلم سبب إلا بقوله، ولا يضمنه إذا كان مما ثبت تلفه بالبينة من غير تضييع، يعني: أن فحوى كلام المالكية يقولون: إذا كان الأجير المشترك قد أتلف هذا الشيء من يده مما يعاب عليه يعني: كون الخياطة يعاب عليها فإنه يضمن، ولا يضمنه إذا أثبت ببينة أن هذا العيب ليس من يده، وليس من فعله. فحينئذٍ نقول: إنه لا يضمن إذا ثبت بالبينة، وهذا القول قوي، وهو أن الأصل أنه يضمن إلا إذا أثبت بالبينة أن هذا الخلل ليس من عمل يده، مثل صاحب السيارة الذي ذكرنا إذا كان الالتماس ليس من يده، وأثبت أهل الخبرة أن هذا ليس فيه تعدٍ ولا تفريط فإنه لا يضمن؛ لأن هذا قضاء وقدر، وإلا للزم الناس في ذلك ضرر كبير.قال المؤلف رحمه الله: (ويضمن المشترك) يعني: الأجير المشترك [ما تلف بفعله، ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله، ولا أُجرة له].يعني: لو خاط الثوب، وقال للشخص: تعال استلمه، فهلك أو لم تتم خياطته على ما أراده المستأجر، فإنه لا يضمن ما تلف بحرزه، قالوا: لأنه أمين، وعلى مذهب المالكية يجب عليه إثبات البينة وإلا ضمن، ومثل ذلك ما لو احترق المحل، فإنه يجب عليه أن يثبت البينة، والبينة تكون واضحة، لكن لو ادعى السرقة فلا بد من وجود البينة وإلا ضمن، وكما قال علي رضي الله عنه: لا يصلح الناس إلا ذلك.يقول المؤلف: (ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله) قالوا: لأن العين في يده أمانة، والأقرب كما قلنا في تفصيل مذهب المالكية.يقول المؤلف: (ولا أجرة له)، يعني: لا يجمع له بين عدم الضمان وطلب الأجرة؛ لأن الخراج بالضمان فلا يجمع له العوضين، وهو عوض عدم المطالبة بالهلاك والضياع، ومطالبة العمل؛ لأن عمله حينئذٍ يكون هباءً.
ما يلزم من تسلم عيناً بعقد فاسد
يقول المؤلف: [ومن تسلم عيناً بإجارة فاسدة وفرغت المدة لزمه أجرة المثل].القاعدة كما مرت معنا: أن الحنابلة يرون أن من انتفع من مال الغير بعقد فاسد كما لو لم تكتمل الشروط فإن المستأجر لا يلزمه دفع الثمن الذي تم عليه العقد، ولكن يلزمه أجرة المثل.والقول الثاني وهو اختيار ابن تيمية : أنه يلزمه أجرة أو قيمة أمثال العقد، يعني: العقد في رمضان ليس كالعقد في غيره، والعقد مع شركات ليس مثل العقد مع أفراد، فهذا هو الفرق بينهما، وحينئذٍ نقول: يجب تسلم المنفعة؛ لأن المنفعة قد انتفع منها ولا تبطل؛ لأن الأصل أن من انتفع بكامل المنفعة من الغير وجب عوضها، ولكنه لا يلزم ما اتفق عليه بالعقد؛ لأن الإجارة فاسدة على مذهب الحنابلة تكون إجارة مثل، وعلى الرأي الآخر تكون أجرة أمثالها من أصحاب العقود.نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
 عدم سقوط الضمان عن الأجير المشترك فيما تلف بفعله وسقوطه فيما تلف من حرزه
قال المؤلف رحمه الله: [ويضمن المشترك].يعني: الأجير المشترك، فهناك أجير خاص وأجير مشترك والمشترك هو الذي يشاركه غير المؤجر في المنفعة، وبتعريف آخر: هو من قدر نفعه بالعمل، وتقبل أعمالاً لجماعة في وقت لا يختص نفعه لواحد منهم، فهذا هو الأجير المشترك، مثل الخياط والغسال، والإسكافي الذي يصلح الأحذية، وعلى هذا فسر، فهؤلاء يقول المؤلف أنهم يضمنون، وقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لا يصلح الناس إلا ذاك يعني: لا يصلحهم إلا الضمان رواه مالك في المدونة و عبد الرزاق في المصنف. والضمان هنا إنما هو ما تلف بفعله، فإذا تلف بفعله فإنه يضمن مثل الخياط الذي بدأ يخيط، فتغيرت المكينة عليه فالتف ذات اليمين وذات الشمال فأضاع شيئاً من الثوب، أو ضيق الثوب على صاحبه، فإنه يضمن ما تلف بفعله، كتخريق الثوب وغلطه في تفصيله، روي ذلك عن علي و عمر ، ولكن إسناد الحديث عن عمر فيه ضعف، ضعفه الشافعي و الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، واستدلوا على الضمان بما جاء عند أهل السنن من حديث الحسن البصري عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه )، قالوا: فهذا يدل على أنه يجب عليه أن يؤديه كما أخذه وإلا ضمن، وهذا الحديث صححه جمع من المتأخرين وضعفه الإمام أحمد رحمه الله.واستدل الذين يقولون بالضمان فقالوا: إن الأجير المشترك قد قبض العين لمنفعته، وكل من قبض مال غيره لمنفعته من غير استحقاق -يعني: من غير حق له فيه- فإنه يضمن كالمستعير، والمسألة فيها خلاف كثير، وهي من المسائل المشكلة في القضاء.مثاله: لو أن شخصاً يحمل للناس أمتعتهم من الرياض إلى مكة، فحمل الناس في باصه ووضع أمتعتهم في مكانها المعتاد وسار بهم، وفجأة حصل التماس كهربائي في السيارة والسيارة موديلها جديد فاحترقت، وتضرر بعض الناس وتضررت أمتعتهم، فعلى مذهب الحنابلة أن الأجير الخاص والأجير المشترك يضمن.إذاً: الأخير المشترك يضمن، والأجير الخاص لا يضمن، وصاحب الباص أجير مشترك فهو ضامن وهذا فيه ضرر، وربما تكون شركات كبيرة أدت لبعضهم أن يؤمنوا، ولهذا ذهب أكثر المالكية إلى قول فيه نوع من الاعتدال، وإعطاء كل ذي حق حقه، فقال أكثر المالكية: إن الأجير المشترك يضمن ما تلف تحت يده إذا كان مما يعاب عليه، ولم يعلم سبب إلا بقوله، ولا يضمنه إذا كان مما ثبت تلفه بالبينة من غير تضييع، يعني: أن فحوى كلام المالكية يقولون: إذا كان الأجير المشترك قد أتلف هذا الشيء من يده مما يعاب عليه يعني: كون الخياطة يعاب عليها فإنه يضمن، ولا يضمنه إذا أثبت ببينة أن هذا العيب ليس من يده، وليس من فعله. فحينئذٍ نقول: إنه لا يضمن إذا ثبت بالبينة، وهذا القول قوي، وهو أن الأصل أنه يضمن إلا إذا أثبت بالبينة أن هذا الخلل ليس من عمل يده، مثل صاحب السيارة الذي ذكرنا إذا كان الالتماس ليس من يده، وأثبت أهل الخبرة أن هذا ليس فيه تعدٍ ولا تفريط فإنه لا يضمن؛ لأن هذا قضاء وقدر، وإلا للزم الناس في ذلك ضرر كبير.قال المؤلف رحمه الله: (ويضمن المشترك) يعني: الأجير المشترك [ما تلف بفعله، ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله، ولا أُجرة له].يعني: لو خاط الثوب، وقال للشخص: تعال استلمه، فهلك أو لم تتم خياطته على ما أراده المستأجر، فإنه لا يضمن ما تلف بحرزه، قالوا: لأنه أمين، وعلى مذهب المالكية يجب عليه إثبات البينة وإلا ضمن، ومثل ذلك ما لو احترق المحل، فإنه يجب عليه أن يثبت البينة، والبينة تكون واضحة، لكن لو ادعى السرقة فلا بد من وجود البينة وإلا ضمن، وكما قال علي رضي الله عنه: لا يصلح الناس إلا ذلك.يقول المؤلف: (ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله) قالوا: لأن العين في يده أمانة، والأقرب كما قلنا في تفصيل مذهب المالكية.يقول المؤلف: (ولا أجرة له)، يعني: لا يجمع له بين عدم الضمان وطلب الأجرة؛ لأن الخراج بالضمان فلا يجمع له العوضين، وهو عوض عدم المطالبة بالهلاك والضياع، ومطالبة العمل؛ لأن عمله حينئذٍ يكون هباءً.
الأسئلة

 مثال على هلاك العين المعقود عليها
السؤال: ما هو المثال على هلاك العين المعقود عليها بعد مضي مدة؟الجواب: قلنا إذا هلكت العين المعقود عليها بعد مضي مدة وجب عليه أجرة المثل في المدة التي مضت، فإذا عالج الطبيب المريض فقرروا له أربع عمليات، أولاً: تخييط جمجمة الرأس، ثم عملية تجميل على الوجه، ثم المأمومة يعني: ضربة في بطنه، فعالجوا هذه بثلاثين ألفاً فلما جاء البطن مات، فنقول: لهم حق العمليتين، لكن الباقي ما لهم حق؛ لأنها تلفت العين المؤجرة، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , زاد المستقنع - كتاب البيع [2] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net