اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب منهج السالكين - كتاب البيوع [9] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


كتاب منهج السالكين - كتاب البيوع [9] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
إن الإسلام العظيم أجاز الشركة بأنواعها المختلفة إذا كانت خالية من الجهل والغرر والظلم، وكانت من مكلَّف رشيد، وإذا خلت من هذه الشروط بأن وقع فيها ظلم وغرر وجهل فإن الشارع يمنعها.
تعريف الشركة
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل. وبعد: يقول المؤلف رحمه الله: [باب الشركة:وقال صلى الله عليه وسلم: ( يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما ), رواه أبو داود . فالشركة بجميع أنواعها كلها جائزة، ويكون الملك فيها والربح بحسب ما يتفقان عليه إذا كان جزءاً مشاعاً معلوماً]. قول المؤلف: (باب الشركة), الشركة في تعريف الفقهاء: هي اجتماع في استحقاق أو تصرف.وهذا التعريف يدخل فيه شركة الأملاك, وشركة العقود. وشركة الأملاك: هي اجتماع في استحقاق, مثل أن أشترك أنا وأنت في ملكية هذه الأرض، وتكون مشاعة بيننا, لي النصف ولك النصف. ومثل: أن يتوفى شخص فيرثه أبناء, فهؤلاء الأبناء شركاء مع بعضهم البعض في هذه الأرض, فتكون شركة أملاك. والقسم الثاني: شركة عقود: وهي أن يجتمعا في تصرف, فيتصرف كل واحد من الشركاء أصالة عن نفسه ووكالة عن غيره, وهذه يسميها العلماء: شركة عقود, وشركة العقود في الفقه الإسلامي لها أنواع كما ذكرها المؤلف رحمه الله.
 

مشروعية الشركة
والأصل في الشركة أنها جائزة, ومجمع عليها في الجملة, كما نقل الإجماع ابن المنذر و ابن قدامة وغيرهم.وهي ثابتة كما قال الله تعالى في كتابه: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [ص:24], وهذا يدل على أن الشراكة موجودة في عهد الإسلام وقبل عهد الإسلام.وأما الدليل من السنة: فقد روى النسائي من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أنه قال: اشتركت أنا و عمار و سعد بن أبي وقاص في معركة بدر, فجاء سعد بعبدين, ولم أجئ أنا ولا عمار بشيء, وهذا يدل على جواز الشركة في الجملة. وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للسائب بن يزيد حينما جاءه فقال: ( يا رسول الله! ألا تعرفني؟ قال: بلى, ألست شريكي الذي لا تماري ولا تداري؟), رواه أبو داود وسنده لا بأس به. والأحاديث في هذا من حيث الجملة ثابتة. وإذا ثبت هذا فاعلم أن المؤلف ذكر أصلاً في هذا وهو حديث الباب, ومن طبيعة المؤلف أنه يذكر أولاً الأصل في الباب, سواء كان آية, أو حديثاً؛ ليبين أصلها, إلا أنه رحمه الله ذكر هذا الحديث من باب أن الله سبحانه وتعالى مع الشركاء. والحديث رواه أبو داود وغيره كـالدارقطني و البيهقي وغيرهم, ولكن في سنده بعض الضعف, إذ يرويه سعيد بن حيان عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً, و سعيد بن حيان مجهول, ولهذا أشار غير واحد من أهل العلم كـابن القطان الفاسي إلى أن الحديث ضعيف, وأعله الدارقطني أيضاً بالإرسال, وقال ابن عبد الهادي: هذا منكر.وأصح شيء في الباب كما مر معنا هو حديث: ( ألست شريكي الذي لا تماري ولا تداري؟), وكذلك حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه, كما سوف يأتي بيانه, ورواية أبي عبيدة عن أبيه مقبولة.
 

حكم الشركة
قول المؤلف رحمه الله: ( فالشركة بجميع أنواعها كلها جائزة ) المؤلف رحمه الله جوز جميع الشركات التي تحدث عنها الفقهاء, وهي: شركة العنان, وشركة المضاربة, وشركة الوجوه, وشركة الأبدان, وشركة المفاوضة, بشروط معتبرة قد قرروها في كتبهم, والحنابلة أوسع المذاهب في تجويز أنواع الشركات, وأضيقهم الشافعية, ثم يأتي بعد ذلك الحنفية, ثم المالكية.وأجمع العلماء على أن الشركة جائزة ولكنها لا تصح إلا من جائز التصرف، وهو المكلَّف الحر, الرشيد, والرشيد ضد السفيه، وهو من لم يحجر عليه ماله, فهذا هو أعظم شرط في الشركة بأنواعها، وهو أن تكون من جائز التصرف.
 

شروط الشركة
ذكر المؤلف رحمه الله شروط الشركة على وجه عام, والمؤلف رحمه الله اختار هذه الشروط, ولم يذكر شروط الحنابلة أو شروط المالكية في الشركة؛ لأنه يرى أن هذه الشروط ليس عليها دليل. ‏
 عدم الجهل والغرر والربا
الشرط الثالث: عدم الجهل والغرر والربا, فلا يجوز في الشركة جهالة رأس المال, ولا يجوز أن يكون العمل مجهولاً ولا يعلم, ولا يجوز أيضاً أن يقول: هذه الرحلة إلى إندونيسيا من أجل بيع البخور لي ربحها, لأنه جائز ألا تربح هذه الرحلة, وجائز أن تربح، فيكون فيه ضرر، وأكل لأموال الناس بالباطل.وعلى هذا فإذا قال: لي ربح معلوم, أو لي عشرون ألفاً, أو لي ثلاثون ألفاً, أو أربعون ألفاً زائداً على الربح الذي سوف يحصل بيننا, فهذا فيه من الغرر ما لا يخفى.وقد أجمع أهل العلم كما نقل ابن المنذر وغيره على أنه لو قال: لي ربح السفرة المعلومة, أو الربح المعلوم أو الدراهم المعلومة فإن ذلك محرم؛ لأن ذلك من الغرر, فجائز ألا يبقى من المال إلا هذا الربح الذي قد جعل لفلان دون فلان, ولهذا من الأخطاء أيضا أن يقول الشخص: الأرض التي في الجهة الشرقية لي, أو هذا الحوض لي؛ لأنه يجوز ألا يبقى إلا هذا الحوض, وبقية الأحواض تخسر, أو العكس, فيحصل فيه من التنازع والاختلاف ما لا يخفى. إذاً: ثلاثة شروط.أما قول البعض: لا بد من كون المال نقداً, ليس عليه دليل صحيح, وقول بعضهم: إذا كان عمل أحدهما أكثر من الآخر, فلا بد أن يكون ربحه أكثر من الآخر, أيضاً ليس عليه دليل إذا تراضيا على ذلك. وإذا ثبت هذا فإن المؤلف ذكر أن يكون الملك فيها والربح بحسب ما يتفقان عليه, وإذا كان جزءاً مشاعاً معلوماً, يعني: من الربح الذي سوف يأتي.
شركة العنان
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [فدخل في هذا شركة العنان: وهي أن يكون من كل منهما مال وعمل].
 صور شركة العنان
الراجح -والله أعلم- أن شركة العنان لها صورتان: الصورة الأولى كما ذكرها المؤلف: أن يكون كل واحد منهما يبذل شيئاً من المال ويبذل شيئاً من العمل, فمنهما المال ومنهما العمل. الصورة الثانية من شركة العنان: أن يكون المال من كل واحد منهما ويكون العمل من أحدهما, فيصدق عليه أن تكون شركة عنان, إلا أن الحنابلة رحمهم الله ذكروا في هذه الصورة شرطاً: هو أن يكون ربح صاحب العمل أكثر من ربح صاحب المال لأجل العمل, والراجح والله أعلم أنه لا بأس أن يقتسما الربح فيما بينهما مشاعاً إذا تراضيا على ذلك. فلو دفعت مائة ألف, وعبد الملك دفع ستين ألفاً, لكن عبد الملك يعمل, فقال: العمل والمال القليل مني والمال الكثير منك فالقسمة بيننا خمسين بالمائة من الربح لي, وخمسون بالمائة من الربح لك, فهذا لا بأس به, لكن الحنابلة قالوا: لا بد أن يكون لعمل عبد الملك جزءاً من الربح, فلو قلنا: مني مائة, ومنك مائة والربح بيننا, فإن الأحناف يقولون: هو جائز, لكن الحنابلة يقولون: لا يجوز, لأنه إذا انفرد أحدهما بالعمل فلا بد أن ينال شيئاً من الربح, والراجح -والله أعلم- أنهما إذا تراضيا فلا حرج, لأن المال لا يعدوهما, وجائز أن يرضى الطرف الآخر إذ كان له في هذه الشركة مصلحة.فلو أن عندي أرضاً وأرى أنها فرصة استثمارية, وقيمتها مليون, وليس عندي إلا خمسمائة ألف, وأنا محتاج إلى خمسمائة ألف أخرى لكي أربح، علماً بأن هذه الأرض لو اشتريتها بمليون فإن ربحها قيمتها, فأنا مستفيد بدخول عبد الملك معي, وإذا كنت سوف أعمل فيها عملاً بمزايدة وذهاب إلى كتابة العدل, وعرضها في الأسواق, فإن دخول عبد الملك معي فيه منفعة لي, ولو كان الربح بيننا والعمل قد تفردت به, فإن الراجح جواز ذلك.
شركة المضاربة
يقول المؤلف رحمه الله: (وشركة المضاربة: بأن يكون من أحدهما المال ومن الآخر العمل). سميت مضاربة من الضرب؛ وذلك أن الإنسان يأخذ مال الغير ليضرب به في الأرض, يعني: يسافر به, وقد جاءت المضاربة بهذا الاسم على لغة أهل العراق, فإنما يسمونها مضاربة, وقد جاء القرآن على لغة أهل العراق في تسميتها مضاربة, قال تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل:20], وأما أهل الحجاز فيسمونها: قراضاً, ومعنى القراض: هو القرض, وهو القطع, فكأن كل واحد منهما يقطع لصاحبه جزءاً: هذا يقطع جزءاً من ماله, وهذا يقطع جزءاً من عمله, والله تبارك وتعالى أعلم. ‏
 شرط شركة المضاربة
واعلم أن شروط المضاربة كشروط العنان, وعلى هذا فإذا أعطيتك شيئاً من المال على أن تضارب به, فضاربت, فلا بد في ربح كل واحد من الشركاء أن يكون معلوماً, فإن عمل عبد الملك بهذا المال وظهر شيء من الربح, كأن ذهب واشترى كيلو بخور بألف ريال, ثم قريباً من رمضان صار الكيلو بثلاثة آلاف ولم يبع, فنقول: لا يستحق عبد الملك من الربح حتى تكون البضاعة ناضة, ومعنى ناضة: أي أن تحول من عرض إلى نقد, فلا يستحق عبد الملك شيئاً؛ لأنه يجوز أن تزيد السلعة في زمن, أو تخسر في زمن آخر, لكن إذا بيعت ثبت ربح كل واحد من الشركاء. وإذا خسر بأن اشتراه بألف ريال, ثم نزل السوق فلم يستطع بيعها إلا بتسعمائة ريال, فتكون الخسارة مائة, ولا يربح عبد الملك شيئاً ونقول: عبد الملك خسر عمله, وأنا خسرت شيئاً من المال. والله تبارك وتعالى أعلم.
شركة الوجوه
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ وشركة الوجوه: بما يأخذان بوجوههما من الناس ].شركة الوجوه سميت وجوهاً؛ لأن كل واحد من الشركاء يتقبل بوجهه من الناس, فيأخذ منهم البضاعة على أن يقوم بتصريفها, فإذا حصل له شيء من المال أعاد رأس مال البضاعة إلى أصحابها, وبقي له شيء من الربح, فسميت وجوهاً بهذا الاسم. وهي جائزة على مذهب أحمد بن حنبل ومذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عن الجميع, وأما مالك و الشافعي فمنعوها؛ قالوا: لأن الشركة لا تكون إلا بمال أو عمل, وليس في شركة الوجوه مال ولا عمل, والصحيح: أن شركة الوجوه فيها الأخذ وفيها الإعطاء, وفيها الذمة، وهذا كله يعد عملاً, والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم. وعلى هذا فالراجح والله أعلم: أن شركة الوجوه لا بأس بها, ومن ذلك: أن نتفق أنا وعبد الملك وليس عندنا شيء من المال, فأقول لعبد الملك: تعال, نفتح مكتباً عقارياً, نقوم فيه بتسويق العقار على الناس -وهذا عمل- فنأخذ البضاعة من الآخرين بمائة ألف, على أن نسددها بعد شهر أو شهرين أو بعد سنة, ثم نقوم بعرضها على السوق ببيعها, وما حصل من الربح نأخذه، والباقي يعود رأس المال على أصاحبها الذين اشتريناها منهم, فهذه تسمى: شركة وجوه.
 شرط شركة المضاربة
واعلم أن شروط المضاربة كشروط العنان, وعلى هذا فإذا أعطيتك شيئاً من المال على أن تضارب به, فضاربت, فلا بد في ربح كل واحد من الشركاء أن يكون معلوماً, فإن عمل عبد الملك بهذا المال وظهر شيء من الربح, كأن ذهب واشترى كيلو بخور بألف ريال, ثم قريباً من رمضان صار الكيلو بثلاثة آلاف ولم يبع, فنقول: لا يستحق عبد الملك من الربح حتى تكون البضاعة ناضة, ومعنى ناضة: أي أن تحول من عرض إلى نقد, فلا يستحق عبد الملك شيئاً؛ لأنه يجوز أن تزيد السلعة في زمن, أو تخسر في زمن آخر, لكن إذا بيعت ثبت ربح كل واحد من الشركاء. وإذا خسر بأن اشتراه بألف ريال, ثم نزل السوق فلم يستطع بيعها إلا بتسعمائة ريال, فتكون الخسارة مائة, ولا يربح عبد الملك شيئاً ونقول: عبد الملك خسر عمله, وأنا خسرت شيئاً من المال. والله تبارك وتعالى أعلم.
شركة الأبدان
يقول المؤلف رحمه الله: [وشركة الأبدان: بأن يشتركا بما يكتسبان بأبدانهما من المباحات من حشيش ونحوه، وما يتقبلانه من الأعمال].
 أنواع شركة الأبدان
اعلم أن شركة الأبدان نوعان: النوع الأول: أن يشتركا بما يكتسبان بأبدانهما من المباحات, مثل أن نأخذ أنا وإياك السيارة, ثم نذهب ونحتطب, وما حصل من هذا الحطب بعد أن نبيعه نقتسمه, وهذا يسميه العلماء: اشتراك بما يكتسبانه من المباحات, كالاحتطاب والحشيش, وغير ذلك مثل صيد السمك ونحوه, وما يتقبلانه من الأعمال مثل: أن يفتح شريكان محل خياطة, أو محل نجارة, أو محل حدادة وما حصل لهما من المال فإنه يكون بينهما, فهذا لا بأس به, وهو مذهب جمهور أهل العلم, إلا أن المالكية قالوا: يجب أن يكون العمل الذي يتفقان عليه متحداً, فلو اشترك أحدهما في الخياطة, والآخر في الحدادة, فإن المالكية يقولون: لا يجوز, والصحيح: الجواز, ولا يشترط اتحاد العمل الذي يعملان به, هذا هو الراجح والله تبارك وتعالى أعلم. قول المؤلف: (وما يتقبلانه من الأعمال), فلو أنهما فتحا محل حدادة, فجاء شخص فتقبل عمل فلة, على أن يقوم بصناعة الأبواب لها, فيجب على الآخر أن يلتزم بما التزم به شريكه؛ لأنهما اتفقا على هذا الأمر والله تبارك وتعالى أعلم.
شركة المفاوضة
يقول المؤلف رحمه الله: [ وشركة المفاوضة: وهي الجامعة لجميع ذلك وكلها جائزة ].شركة المفاوضة: هي الاشتراك في كل شيء. وهي قسمان: القسم الأول: أن يدخلا في الشركة الأكساب النادرة, كما لو قال أحدهما: أنا وإياك شركاء في كل شيء, حتى لو وجدت لقطة فأنا وإياك شركاء, وحتى لو ورثت من والدك فأنا وإياك شركاء, وحتى لو أصبت بجناية ما دون النفس, فجاءت حكومة فأنا وإياك شركاء في الدية, وحتى لو قطعت يدك خطأ فأعطيت الدية فأنا وإياك, هذه يسميها العلماء: أن يشتركا ويدخلا في الشركة الأكساب النادرة, فهذا باطلة عند عامة أهل العلم؛ لما فيها من كثرة الغرر, والجهالة وليس من أحدهما عمل. القسم الثاني: أن يفوض كل واحد منهما صاحبه في شراء أو في عمل, أو في جاه, أو في مال, فيدخل فيه شركة عنان ومضاربة ووجوه وأبدان, فهذه معنى شركة المفاوضة. صورتها: أن أدفع مائة ألف وتدفع أنت مائة ألف, وأعمل أنا, فهذه شركة: عنان. ويمكن أن تكون مضاربة؛ لأن منك المال, ومني عمل لمال غير مالي. ويمكن أن ندخل في هذه الشركة على أننا نتقبل من الناس شيئاً من البضائع على أن نقوم بتصريفها, فتكون شركة وجوه, أو أن نفتح محلاً, على أن نعمل فيه, وما حصل فهو ربح بيننا, فهي شركة أبدان, وهذا يدل على جوازها. والله تبارك وتعالى أعلم، ولهذا قال المؤلف: (وكلها جائزة).
 أنواع شركة الأبدان
اعلم أن شركة الأبدان نوعان: النوع الأول: أن يشتركا بما يكتسبان بأبدانهما من المباحات, مثل أن نأخذ أنا وإياك السيارة, ثم نذهب ونحتطب, وما حصل من هذا الحطب بعد أن نبيعه نقتسمه, وهذا يسميه العلماء: اشتراك بما يكتسبانه من المباحات, كالاحتطاب والحشيش, وغير ذلك مثل صيد السمك ونحوه, وما يتقبلانه من الأعمال مثل: أن يفتح شريكان محل خياطة, أو محل نجارة, أو محل حدادة وما حصل لهما من المال فإنه يكون بينهما, فهذا لا بأس به, وهو مذهب جمهور أهل العلم, إلا أن المالكية قالوا: يجب أن يكون العمل الذي يتفقان عليه متحداً, فلو اشترك أحدهما في الخياطة, والآخر في الحدادة, فإن المالكية يقولون: لا يجوز, والصحيح: الجواز, ولا يشترط اتحاد العمل الذي يعملان به, هذا هو الراجح والله تبارك وتعالى أعلم. قول المؤلف: (وما يتقبلانه من الأعمال), فلو أنهما فتحا محل حدادة, فجاء شخص فتقبل عمل فلة, على أن يقوم بصناعة الأبواب لها, فيجب على الآخر أن يلتزم بما التزم به شريكه؛ لأنهما اتفقا على هذا الأمر والله تبارك وتعالى أعلم.
فساد الشركة
يقول المؤلف رحمه الله: [ ويفسدها إذا دخلها الظلم والغرر لأحدهما، كأن يكون لأحدهما ربح وقت معين، وللآخر ربح وقت آخر، أو ربح إحدى السلعتين، أو إحدى السفرتين، وما يشبه ذلك ]. من شروط الشركة عدم الجهالة والظلم والغرر والربا, فإذا دخلها الظلم أو الغرر دل على فساد الشركة, مثل أن يقول: أنا لي ربح هذه السفرة التي سوف أسافر بها إلى شرق آسيا, وعام 1432هـ لك أنت ربحها, فهذا لا يجوز؛ لأن هذا من الغرر, فجائز ألا يكون الربح في هذه السفرة ويكون في السفرة الأخرى, فيغنم أحدهما ويغرم الآخر, وكل معاملة دخل أحدهما بين الغرم المتحقق وبين الغنم المتوقع, فهي داخلة في قاعدة القمار والميسر. وتكون الشركة فاسدة مثل أن يشترط المضارب أن يتحمل جزءاً من رأس المال, وهذا كثير مع الأسف في شركات الناس اليوم, يقول المضارب: من أجل أن أعطي الثقة والأمان لرب المال أقول: إن حصلت خسارة فأنا أتحمل خمسين بالمائة, فهذه مضاربة فاسدة؛ لأنه لا يجوز للمضارب أن يتحمل شيئاً من الخسارة؛ لأنه تحمل خسارة عمله, فلا يتحمل خسارة المال, بل يتحملها رب المال. والله أعلم. فإذا قلنا: إن المضاربة فاسدة, فما الحكم؟ ذهب الجمهور ومنهم الحنابلة إلى أن المضاربة إذا فسدت فإن الربح كله لصاحب المال وليس للمضارب, أو الذي اتجر بالمال إلا أجرة المثل. وأجرة المثل تقدر بما تعارف عليه الناس, يعني: مثل الذي يضارب بمليون فإن أجرة المثل تكون عشرة آلاف, مع أن ربحها صار مائة بالمائة. ولو كانت المضاربة صحيحة لربح أربعين بالمائة فيكون له أربعمائة ألف, إذاً يقول الجمهور: هناك فرق؛ لأن المضاربة إذا فسدت فسد كل توابعها, والراجح والله أعلم هو مذهب ابن تيمية رحمه الله, وهو قول عند بعض المالكية, قالوا: إن المضاربة إذا فسدت فإن لكل واحد منهما مضاربة المثل, وإذا فسدت الجعالة فإن لكل واحد منهما جعل المثل, كما أنه إذا لم يذكر المهر في النكاح فإن للمرأة مهر المثل, يقول ابن تيمية : فهذا من العدل, والله أعلم. وعلى هذا فيسأل أهل الاختصاص, عن الرجل الذي عمل في المال كم يكون له من المضاربة في العادة؟ فإذا قالوا: له ثلاثون بالمائة صار له ثلاثون, وإذا قالوا له: أربعون بالمائة صار له أربعون, وعلى هذا فقس, وهذا الراجح والله تبارك وتعالى أعلم.
 أنواع شركة الأبدان
اعلم أن شركة الأبدان نوعان: النوع الأول: أن يشتركا بما يكتسبان بأبدانهما من المباحات, مثل أن نأخذ أنا وإياك السيارة, ثم نذهب ونحتطب, وما حصل من هذا الحطب بعد أن نبيعه نقتسمه, وهذا يسميه العلماء: اشتراك بما يكتسبانه من المباحات, كالاحتطاب والحشيش, وغير ذلك مثل صيد السمك ونحوه, وما يتقبلانه من الأعمال مثل: أن يفتح شريكان محل خياطة, أو محل نجارة, أو محل حدادة وما حصل لهما من المال فإنه يكون بينهما, فهذا لا بأس به, وهو مذهب جمهور أهل العلم, إلا أن المالكية قالوا: يجب أن يكون العمل الذي يتفقان عليه متحداً, فلو اشترك أحدهما في الخياطة, والآخر في الحدادة, فإن المالكية يقولون: لا يجوز, والصحيح: الجواز, ولا يشترط اتحاد العمل الذي يعملان به, هذا هو الراجح والله تبارك وتعالى أعلم. قول المؤلف: (وما يتقبلانه من الأعمال), فلو أنهما فتحا محل حدادة, فجاء شخص فتقبل عمل فلة, على أن يقوم بصناعة الأبواب لها, فيجب على الآخر أن يلتزم بما التزم به شريكه؛ لأنهما اتفقا على هذا الأمر والله تبارك وتعالى أعلم.
المساقاة والمزارعة
يقول المؤلف رحمه الله: [كما يفسد ذلك المساقاة والمزارعة, وقال رافع بن خديج : ( كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الماذيانات، وأقبال الجداول، وشيء من الزرع, فيهلك هذا ويسلم هذا, ويسلم هذا ويهلك هذا, ولم يكن للناس كراء إلا هذا؛ فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به ), رواه مسلم , ( وعامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ), متفق عليه.فالمساقاة على الشجر: بأن يدفعها للعامل، ويقوم عليها بجزء مشاع معلوم من الثمرة.والمزارعة: بأن يدفع الأرض لمن يزرعها بجزء مشاع معلوم من الزرع، وعلى كل منهما ما جرت العادة به، والشرط الذي لا جهالة فيه، ولو دفع دابة إلى آخر يعمل عليها، وما حصل بينهما جاز ].
 تعريف المزارعة وما يلزم المتعاقدين في المساقاة والمزارعة
المؤلف عرف المساقاة على الشجر, وأما المزارعة فإنها: زرع الأرض, بأن يدفع صاحب الأرضِ الأرض لعامل, على أن يقوم العامل بزرعها, وما حصل من هذا الزرع فهو بينهما على ما يتفقان عليه مشاعاً, والله أعلم. وقول المؤلف: (وعلى كل منهما ما جرت العادة به), فإذا جرت العادة بأن يقوم الإنسان بالسقي صباحاً ومساءً فيجب عليه أن يصنع ذلك, أما أن يقول: لا, أنا ما عندي دوام, أو أنا لا أريد أن أعمل, فإننا نقول له: بل يجب عليك؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً, والله تبارك وتعالى أعلم.قول المؤلف: (والشرط الذي لا جهالة فيه), يعني: يجب أن يكون الشرط معلوماً, فإذا اشترط أحدهما شرطاً مجهولاً فلا يجوز؛ لعدم إمكانية تحقيقه. قول المؤلف: (ولو دفع دابة إلى آخر يعمل عليها, وما حصل بينهما جاز؛ لعدم ما يفسد ذلك, وقد اتفقا عليه), ومن ذلك ما يقوم به بعض الناس من أخذ سيارة أجرة, ثم يعطيها العامل على أن ما حصل من هذه الأجرة فالربح بينهما, فلا حرج في ذلك, ولو أجرها على العامل, كل ذلك لا حرج. أما أن يقول للعامل: أنا أريد منك في اليوم مائتي ريال, فإن كانت المائتان ليس فيها ظلم, ويمكن أن يحصل عليها العامل, فهذا إيجار يومي لا حرج فيه, وأما إذا كان فيه نوع من المشقة عليه, فهو أكل لأموال الناس بالباطل, واستغلال لضعف هذا العامل, حيث أنه قد يقبل على مضض؛ بسبب أنه لا يجد عملاً إلا هذا. ونكون بهذا قد انتهينا من باب الشركة, وإن شاء الله ندخل في باب إحياء الموات.والله أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب منهج السالكين - كتاب البيوع [9] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net