اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب منهج السالكين - كتاب البيوع [4] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


كتاب منهج السالكين - كتاب البيوع [4] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
شرع الله تعالى للناس كل وسيلة فيها مصلحة لهم في دينهم ودنياهم، من ذلك: البيع والشراء. وحرم كل ضرر قد يحصل لأحد المتبايعين، فقد أثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيار في الإمضاء أو الفسخ ما داما في مجلس العقد ولم يتفرقا، وإذا غبن المشتري في السعر أو السلعة فإن له الخيار، وإذا اختلف البائع والمشتري في الثمن فالقول قول البائع إذا حلف.
تعريف الخيار وذكر أقسام العقود
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفر، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علماً وعملاً يا كريم وبعد: وصلنا إلى (باب الخيار وغيره) من كتاب: منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الخيار وغيره.إذا وقع العقد صار لازماً إلا لسبب من الأسباب الشرعية.أنواع الخيار فمنها: خيار المجلس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع )، متفق عليه]. قول المؤلف: (باب الخيار وغيره).الخيار في اللغة بمعنى: الاصطفاء والاختيار.وأما في الاصطلاح: فهو حق العاقد في اصطفاء خير الأمرين بين إمضاء العقد أو فسخه.والعقد ينقسم إلى قسمين: عقد صحيح، وعقد غير صحيح.والعقد الصحيح ينقسم إلى قسمين: عقد نافذ، وعقد موقوف.والعقد الموقوف: يتوقف على إجازة المالك أو الولي، مثل: تصرف الفضولي، فإنه موقوف على إجازة المالك، ومثل: تصرف الصبي فإنه موقوف على إجازة وليه، هذا يسمى عقد موقوف.والعقد النافذ: ينقسم إلى قسمين: عقد لازم، وعقد غير لازم.فالعقد اللازم: هو العقد الذي توفرت فيه الشروط والأركان، ولم يستقل أحد المتعاقدين بفسخه، وهذا مثل عقد البيع إذا تفرقا، وعقد الإجارة، والعتق، والخلع وغير ذلك، فإذا تم البيع وتفرق الطرفان فهل يجوز لواحد من الطرفين أن يفسخ العقد؟ الجواب: لا يجوز، وإذا تمت الإجارة فهل يجوز لواحد من المتعاقدين أن يفسخ العقد؟ الجواب: لا، فيسمى هذا عقد لازم.العقد الغير لازم: فهو الذي يكون عقده ليس تاماً، بل يجوز لكل واحد من المتعاقدين أن يفسخه، أو يكون في العقد عيب أو سبب يخول المتضرر بإمضائه أو فسخه.ولهذا قال المؤلف: (وإذا وقع العقد صار لازماً إلا بسبب)، وكلمة: (إلا بسبب)، يعني: إلا إذا كان غير لازم فيكون بسبب العقد نفسه، مثل: عقد الوكالة، وعقد الشركة فهو غير لازم، فيجوز لكل واحد من المتعاقدين أن يفسخ العقد، فهذا بسبب العقد، وأيضاً يكون بسبب العين نفسها، مثل: أن يكون في العين عيب، فيجوز لمن تضرر ألا يلزمه، ويكون أيضاً بسبب وجود شرط في العقد، وهو شرط الخيار أو خيار المجلس، فهذا عقد صحيح ولكنه غير لازم.وأحياناً يكون عقداً لازماً من طرف غير لازم من طرف آخر، مثل: عقد الرهن، فهو لازم على الراهن غير لازم على المرتهن، فإذا قبض المرتهن الرهن فإنه يجوز أن يمضيه ويجوز أن يفسخه، لكن الراهن هل له أن يفسخ بعد ما قبض المرتهن؟ الجواب: لا يجوز له ذلك. هذا التقسيم رأيت أنه من الأهمية بمكان، خاصة ونحن سوف نشرح غالب هذه الأقسام، وعلى هذا فالعقد لازم، ولا يمكن أن يكون غير لازم إلا بوجود سبب من الأسباب.
 

أنواع الخيار في البيع
والمؤلف في هذا الباب ذكر أنواع الخيار.
 خيار العيب
قال رحمه الله تعالى: [وإذا اشترى معيباً لم يعلم عيبه فله الخيار بين رده وإمساكه، فإن تعذر رده تعين أرشه].قول المؤلف: (وإذا اشترى معيباً لم يعلم عيبه)، الأصل أن الإنسان إذا اشترى شيئاً لم يعلم عيبه، فكل جزء من المعقود عليه يقابله جزء من الثمن سليم، فإذا علم أن بعض أجزاء المعقود عليه معيباً، لم يكن المقابل له من الثمن مساوياً، فلأجل هذا جعل الشارع للمتضرر الخيار، وهو خيار العيب، وهو: حق العاقد بين إمضاء العقد أو فسخه؛ لوجود عيب في المعقود عليه.وأفادنا المؤلف بقوله: (لم يعلم عيبه)، على أنه لو علم بالعيب ثم اشتراه على أنه معيب فإنه قد دخل بهذا العقد على علم وبصيرة، وحينئذ فليس له حق الخيار؛ لأن كل جزء من المعقود عليه قابله جزء من الثمن مساوياً، والله أعلم.قول المؤلف: (فله الخيار)، أي المشتري بين الإمضاء والفسخ، وهذا من فقه المؤلف رحمه الله، حيث أنه خير المشتري بين أن يفسخ؛ لأنه متضرر، وبين أن يبقي المعقود عليه بالثمن، وهذا هو مذهب أبي حنيفة و مالك واختيار ابن تيمية وهو رواية عند الإمام أحمد خلافاً للرواية المشهورة عند الحنابلة على أن المشتري إذا اشترى المعيب ولم يعلم به أن له الخيار بين فسخ العقد وبين إمضائه ومطالبة الأرش، والصحيح: ليس له المطالبة بالأرش؛ لأن الضرر الحاصل بوجود العيب في المعقود عليه يمكن تلافيه بالفسخ، والأرش معاوضة جديدة يترتب عليها ما يترتب على أصل العقود وهو الرضا، فإذا أمضى العقد وطالب بالأرش صار من غير رضا، فالبائع يقول: أن لن أعطيك الأرش، أعطني سلعتي، فالبائع آثم ولكن عقوبته لا تكون بأن يمضى العقد عليه ويطالب بالثمن؛ ولأجل هذا ذهب الجمهور إلى أن الأرش معاوضة جديدة لا بد فيها من رضا الطرفين. فإذا قال المشتري: أنا لن أقبل بهذا المعقود عليه، سوف أرده أو تعطيني الأرش، فإن تراضيا على ذلك وإلا فليس للمشتري إلا الفسخ أو الإمضاء بالأرش، ودليل ذلك حديث المصراة، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فهو بعد بخير النظرين بعد أن يحلبها، إما أن يبقيها وإما أن يردها )، وهل حكم النبي صلى الله عليه وسلم لمن أبقاها معه أن يأخذ أرش قلة اللبن؟ الجواب: لا، بل حكم النبي صلى الله عليه وسلم بأمرين: بين أن يبقيها مع وجود عيبها وأن يفسخها. إذاً: الأصل في العيوب لمن اشترى عيباً أنه بخير النظرين، إما أن يبقيها بلا أرش، وإما أن يفسخ العقد، إلا إذا تراضيا على معاوضة جديدة.قول المؤلف: (فإن تعذر رده تعين أرشه)، وهذه مسألة جديدة، وهي أن المشتري إذا اشترى المعقود عليه فتعذر الرد، فحينئذ يبقى حقه في وجود عيب في المعقود عليه فله أن يطالب بالأرش. إذاً: يجوز للمشتري أن يطالب بالأرش إذا تعذر الرد، ويتعذر الرد في أمور:هلاك المعقود عليه، فإذا هلك عند المشتري فلا يرجع إلى البائع.أو تعيب المعقود عليه في يد المشتري، فإذا تعيب عيباً آخر فلا حق للمشتري أن يعيده وفيه عيب إلا بمعاوضة ورضاً جديد، لكن له أن يطالب بالأرش.كذلك إذا باع المشتري ولم يعلم بعيبه فإنه يجوز له ذلك على الراجح بشرط أن يحلف عند القاضي بعدم العلم بالعيب.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا اختلفا في الثمن تحالفا ولكل منهما الفسخ].قول المؤلف: (وإذا اختلفا في الثمن)، لا يخلو الاختلاف بين البائع والمشتري من ثلاثة أشياء، لكن نحن نذكر أمرين مشهورين: الأمر الأول: أن يختلفا في الثمن، فيقول البائع: إنما بعتك السلعة بمائة ألف، فيقول المشتري: إنما بعتنيها بتسعين ألفاً، فالخلاف حاصل في الثمن.الأمر الثاني: أن يختلفا في عين المبيع، فيقول المشتري: إنما اشتريت منك شاة نجدية، فيقول البائع: إنما بعتك شاة نعيمي، هذا الاختلاف في عين المبيع، أو يقول المشتري: إنما اشتريت منك بضاعة من صنع اليابان، فيقول البائع: إنما اشتريت مني من صنع تايوان، فإذا اختلفا فمن كان عنده بينة فالحمد لله لا يوجد إشكال، لكن إذا لم يكن عندهما بينة، فالراجح والله أعلم أن القول ما يقوله البائع بيمينه. والمسألة فيها أحاديث رواها البيهقي من حديث ابن مسعود : ( إذا اختلف المتبايعان فالقول ما يقوله البائع أو يتتاركان )، وفي رواية: ( فيتحالفان )، والمؤلف يقول: (تحالفا ولكل منهما الفسخ)، والأظهر أن يحلف البائع أنه باعه شاة نجدية، فإن قبل المشتري أو حلف فسخ العقد، فإذا لم يحلف المشتري فقد مضى العقد، فإن حلف المشتري جاز لكل واحد منهما إمضاء العقد أو فسخه، والله أعلم.وإنما طلب اليمين من البائع -أولاً- لأن الأصل أن القول قول صاحب الأصل، أو قل: إن القول قول المنكر، أو إن القول قول عدم الضمان، فإذا كان القول قول المشتري فخرج ملك البائع من ملكه، والأصل أن العين ملك للبائع. فلا يقال القول قول المنكر، أو صاحب الأصل؛ لأن اليمين إنما تتوجه لمن له الأصل، أرأيت ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر )، فيحلف المدعى عليه؛ لأن الأصل براءة ذمته، وكذلك يقال في البائع: أن الأصل براءة ذمته من وجود البيع بهذه الطريقة التي تخالف رأيه، فإن حلف المشتري جاز له أن يفسخ، وإلا فالأصل أنه ماض عنده.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال صلى الله عليه وسلم: ( من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته )، رواه أبو داود و ابن ماجه ].الإقالة: هي رفع العقد وإلغاء حكمه وآثاره، ولا تكون الإقالة إلا بعقد لازم، وأما العقد الغير اللازم فيجوز أن يفسخه بلا إقالة. وهل الإقالة بيع أم فسخ؟ الراجح والله أعلم أن الإقالة بيع، ولو قلنا: فسخ، فيجوز بزيادة في الثمن، ولا بأس بذلك، وعلى هذا فإذا باعه بمائة ألف ثم قال: يا فلان! أنا اشتريت منك بمائة ألف فأقلني، قال: لن أقيلك حتى تعطيني عشرة آلاف، فأقاله وأعطاه عشرة آلاف وأخذ هذا الثمن جاز، هذا هو الراجح وله أجر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته )، رواه أبو داود و ابن ماجه . والله أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب منهج السالكين - كتاب البيوع [4] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net