اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بلوغ المرام - كتاب الطهارة [4] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


بلوغ المرام - كتاب الطهارة [4] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
نهى الشارع عن البول في الماء الدائم، لكونه مظنة النجاسة، ويجوز الوضوء والغسل من هذا الماء ما لم يتغير أحد أوصافه، كما أن الماء الدائم يبقى طاهراً بعد انغماس الجنب فيه ما لم يسلبه طهوريته، ويكون هذا الماء رافعاً لحدث الجنب وغيره.
تابع شرح الأحاديث الواردة في النهي عن التبول في الماء الدائم واغتسال الجنب فيه
بسم الله الرحمن الرحيم.إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد:فقد ذكر فيما سبق حديث النهي عن البول في الماء الراكد، وذكرنا مسألتين متعلقتين به والآن نواصل المسائل المتعلقة به.
 الماء الذي وقع فيه بول
المسألة الخامسة: حكم الماء الذي تبول فيه.المسألة قالوا: اختلف العلماء فيه على قولين:القول الأول: قالوا: يختلف الحكم من كون الماء كثيراً أم قليلاً, فإن كان كثيراً فإنه طهور ما لم يسلبه الطهورية بالنجاسة, إلا أن يكون قد تغير بالنجاسة, وهذا هو قول أبي حنيفة و الشافعي و أحمد بناء على اختلافهم في تقسيم المياه, وأنهم يرون أن المياه تنقسم إلى ثلاثة أقسام. القول الثاني في المسألة: الماء طهور مطهر ما لم يتغير بالنجاسة, وهذا هو قول مالك ورواية عند الإمام أحمد واختارها أبو العباس بن تيمية , وهو قول ابن المنذر و ابن حزم , وقد ذكره ابن المنذر في الأوسط عن علي و ابن عمر و أبي أمامة وهو قول عطاء و الحسن البصري و مكحول و النخعي .وهل التغوط مثل التبول أم لا؟ أكثر أهل العلم يرى أن التبول كالتغوط, وذهب الحنابلة إلى أن التغوط أشد, بل إن الحنابلة حرموا التغوط في الماء الدائم, أو الماء الذي يجري؛ لأن النفوس تستقذره ولا تستعمله, ولو لم يكن فيه نجاسة, وبالغ الظاهرية رحمهم الله وقالوا: إنه لا بأس بالتغوط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن التبول, مع أنكم ربما تتعجبون؛ ولأجل هذا القول الذي قال داود الظاهري و ابن حزم بالغ المالكية في الشناءة على مذهب الظاهرية, وأنتم تعملون أن الظاهرية, مهما كان الإنسان الذي يعيش مع مخالفه أكثر حدة مع من لم يعش معه.فتجد أن المالكية شديدي الغلظة على الظاهرية؛ لأن الظاهرية كانوا في الأندلس, والمالكية في الأندلس, فكانت المناظرة بين ابن حزم وبين المالكية شديدة جداً, واقرأ المحلى تجد إنكار ابن حزم على مذهب المالكية كثيراً حتى جاء أبو الوليد الباجي إلى الأندلس, ففرح المالكية وقالوا: الآن يفلج أبو الوليد الباجي ابن حزم , فتناظرا في مجالس كثيرة, حتى يقال: إن السامع يجد أن قول أبي الوليد الباجي أظهر, إلا أنهم يقولون: تعادلا حينما أراد أبو الوليد الباجي أن يعتذر في قلة بضاعته في العلم, الله المستعان! قال لـابن حزم : سامحني! فإنني لا أكاد اقرأ الكتب إلا على ضوء القمر, يعني: أنا ما عندي سراج أشعل فيه الكتب لأقرأ, يعني: ما أستطيع أسهر في الليل إلا على حسب القمر, قال ابن حزم وكان وزيراً, قال: وأنت اعذرني! فإني لا أكاد أقرأ الكتب إلا على ضوء بريق الذهب والفضة, يعني: أن انشغالي بالعلم مع غناي أقوى من انشغالك مع فقرك, فكان الناس يقولون: إن كل واحد منهما قد غلب على صاحبه, والمقصود ليس في المناظرة أن يفلج الآخر صاحبه, وهذا من الخطأ الذي كان السلف يعنفون عليه؛ ذلك أن السلف كانت المناظرة بينهم في الفروع, يعني: في الفروع الفقهية مقصوداً بها إظهار الحق, وإعذار الخلق؛ ولهذا ما أجمل ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله بقوله: قولي صواب, يحتمل الخطأ, وقول غيري خطأ يحتمل الصواب؛ ولهذا كانت مناظرة السلف هو أبين لك وجهة نظري حتى تعذرني, وتبين لي وجهة نظرك حتى أعذرك, أما اليوم يقول الواحد منا: تعال أقنعك, يعني: هو واضع في نفسه وأن قوله هو الحق الذي لا مرية فيه ولا ريب, وهذا من الأخطاء الكثيرة؛ ولهذا تجد في المناظرة والمناقشات أن كل واحد يبدي رأيه, فيقول الآخر: قبل أن يكمل, كذا! طيب, تعال: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى [سبأ:46], ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سبأ:46], دائماً عود نفسك في المناقشات إذا جاءك وارد لا ترده بسرعة؛ لأنك كأنك ترد على الله وعلى رسوله من غير برهان, ربما لم تبحث هذه المسألة, ولا تتكلف الرد على الأحاديث وأنت لم تتحملها, ولهذا دائماً أنا أغضب حينما أقرأ بعض البحوث الماجستير أو الدكتوراه أو البحوث التكميلية, فيأتي الطالب وقد وضع في خلد نفسه قولاً, فإذا جاء حديث قال: وهذا الحديث يحتمل كذا, ويحتمل كذا, ويحتمل كذا, والحديث إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال, وبس تنتهي, هذا خطأ يا أخي! الاحتمال لا بد أن يكون بدليل, ليس احتمالات عقلية, لابد أن تكون احتمالات يعضدها الدليل, وإلا فإنه لا يجوز للإنسان أن يحمل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم إلا على ما أراده الله وأراده رسوله صلى الله عليه وسلم, لا على ما أراده المجتهد في نفس الأمر كما يقول أبو العباس بن تيمية ؛ ولهذا أنا أنصح نفسي وأنصح إخواني أنه إذا جاءهم مسألة أو قول لم يروه أو لم يتأملوه أن يتعظوا, ولا يلزم إذا رجحت قولاً أن ترد على كل حديث, يمكنك أن ترجح قولاً, وإذا جاءك حديث يعارضه تسكت فيه؛ ولهذا جمعت عن أحمد مسائل يرجح أحد القولين ويسكت عن القولين, كل ذلك تعظيماً للنص الشرعي.ولهذا قال ابن القيم في شفاء العليل: وليس من وظيفة المجتهد أن يرد على كل شبهة؛ ولهذا قال أحمد في رواية الميموني و أبي طالب قال: كنت أقول بطلاق السكران ثم تبينته, فلو أوقعته لوقعت في ثلاثة محاذير, ولو لم أوقعه لوقعت في محذورين, فرأى أن يقع في محذورين أولى من أن يقع في ثلاث, قال: لأني إن أوقعته حرمتها على زوجها الأول, وأبحتها لزوجها الثاني, وإذا أبقيتها فقد أحللتها لزوجها الأول, وهذا يدل على فقه الإمام أحمد رحمه الله؛ ولهذا يجب علينا أن نتمشى على منهاج وسيرة سلفنا, نظفر بالحسنيين, وننعم برضا ربنا سبحانه وتعالى, نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأسئلة

 نصيحة في كيفية قضاء الإجازة السنوية وأخذ المسائل العلمية
السؤال: ما هي نصيحتك لنا في الإجازة القادمة؟ وكيف ينظر طالب العلم المسائل؟ وهل يشترط أن يحفظ كل شيء بالسنة والفقه؟الجواب: هذه المسألة طويلة, لكن أنا أقول: لا بد لطالب العلم في كل فن بكتاب, ولو قل, فالفقه يمسك كتاباً في الفقه, ويكون هذا في حله وترحاله, الزاد, دليل الطالب, ثم يمسك شرحاً لهذا الكتاب ويقيد فيه هذه المسائل, بحيث لو طلب منه أن يشرح أو يفتي أو غير ذلك, يراجع هذا الكتاب, فكل ما جاء قول غريب, أو قول يخالف ما في الكتاب مثل الزاد, نقول: واختارت اللجنة الدائمة كذا, ويستدل بدليله, أو ابن تيمية , أو ابن عبد البر , أو ابن رجب , أو ابن حجر ويقيد, فيجد أنه بين الفينة والأخرى وهو يراجع هذه المسائل, فإذا جاء الحج قرأ في الحج, وإذا جاء في الصيام قرأ في الصيام والزكاة, وإذا كان في الصلاة يراجعها بين الفينة والأخرى, والعلم بالمذاكرة, ولهذا الإمام البخاري عندما سئل: ما علاج النسيان؟ قال: مداومة المذاكرة, فهذا يجعل طالب العلم يحفظ, وطبيعي يا إخوان! أن الذي يبدأ بالعلم والفن ربما ينسى, لكني أنا أقول: أنه ما في شيء اسمه النسيان, إذاً ما الذي فيه؟ الذي فيه هو أنك تحفظ الآن, فإذا طلب منك التسميع حفظت والحمد لله, لكن ما الذي يكون؟ هو آلة بيان الحفظ هي ليست عندك, وهذه بسيطة, أحياناً يكون الهارد فيه المعلومة, لكن إذا طلبت بحثاً, تبحث بالملفات لكن ما تبحث بكل السي, آلة البحث عندك تحتاج إلى تقوية, فأنت عود نفسك تقوية استذكار المحفوظ, وهذا يتأتى إذا جاءت مسألة تجلس تقول: وهذا فيها حديث كذا فيها كذا, وهذه فيها حديث كذا وفيها حديث كذا, تجد أن مرة ومرتين وعشر وعشرين, سنة وسنتين، تجد أنك إذا جاءت مسألة تأتيك الأحاديث كأنها بين عينيك, هذا يسميها العلماء قوة الاستحضار, إذاً قوة الاستحضار شيء والحفظ شيء آخر, ولهذا عود نفسك قوة الاستحضار, لا تقول: يكفي حديث واحد, ولو قلته للناس حديث واحد, لكن استحضر, فتجيك الحديث الأول, الثاني, الثالث, أول الأمر صعب عليك, لكن عود نفسك هذا, إذا جاءك وقال لك: ما الدليل على كذا؟ استحضر القرآن بسرعة, الدليل فيه آية كذا, يجيك الثاني كذا, وبعدين تبدأ تكررها, الدليل على وجوب طاعة الله آية كذا, آية كذا, آية كذا, آية كذا, آية كذا, إذا سئلت, فتجد أنك تذكر ثلاث أربع خمس آيات بهذه الطريقة. وكذلك أقول لك: اجعل لك وقتاً في الفقه, ووقتاً في الحديث, ووقتاً في الأصول, ووقتاً في المصطلح, ووقتاً في العقيدة, ووقتاً في التفسير ومراجعة القرآن على طريقة جداول الدراسة, شيئاً فشيئاً حتى يشتد عودك, ويرتفع صيتك, وتكون إماماً بإذن الله إذا أنت أصلحت النية وأحسنت العمل, نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , بلوغ المرام - كتاب الطهارة [4] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net