اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب التوحيد - باب الشفاعة للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


كتاب التوحيد - باب الشفاعة - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
عرف أهل العلم الشفاعة بأنها التوسط للغير لدفع ضر أو لجلب نفع، وافترق الناس في الشفاعة بين مثبت لها بالكلية، ومنكر لها، ومتوسط فيها وهو مذهب أهل السنة والجماعة، فهم يثبتون ما أثبته الله عز وجل وقررته السنة المطهرة في ثبوت الشفاعة بالشروط الثلاثة: إذن الله للشافع، ورضاه عنه، ورضاه عن المشفوع له.
الشفاعة معناها وحقيقتها وشروطها وأنواعها
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد: يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الشفاعة.وقول الله عز وجل: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام:51].وقوله: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44].وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة :255].وقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26].وقوله : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [سبأ:22] الآيتين.قال أبو العباس : نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونًا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال الله: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28] فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده -لا يبدأ بالشفاعة أولاً- ثم يقال له: ( ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تُعط، واشفع تُشفع ).وقال أبو هريرة : (من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود. فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.قال الشارح: قوله: وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [الأنعام:51]، وقوله: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام:51] قال الزجاج: موضع (ليس) نصب على الحال كأنه قال: متخلين من ولي وشفيع والعامل فيه (يخافون)، وقال ابن كثير: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ [الأنعام:51] يومئذ شفيع من عذابه إن أرادهم به لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام:51] فيعملون في هذه الدار عملاً ينجيهم الله به من عذابه يوم القيامة ].
 أنواع شفاعته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة
يقول المؤلف رحمه الله: [ والحاصل أن الشفاعة الثابتة هي التي تطلب من الله بإذنه لمن يرضى قوله وعمله، والله لا يرضى إلا التوحيد، والمنفية هي التي تطلب من غير الله، أو بغير إذنه، أو لأهل الشرك به، إذا تبين هذا فشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في القيامة ستة أنواع: الأول: الشفاعة الكبرى التي يتأخر عنها أولو العزم حتى تنتهي إليه.الثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخولها. الثالث: شفاعته لقوم من العصاة من أمته ألا يدخلوا النار.الرابع: شفاعته في إخراج العصاة من أهل التوحيد من النار.الخامس: شفاعته لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورفع درجاتهم.السادس: شفاعته في تخفيف العذاب عن أبي طالب.فيه مسائل:الأولى: تفسير الآيات.الثانية: صفة الشفاعة المنفية.الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود.الخامسة: صفة ما يفعله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد، فإذا أذن الله له شفع.السادسة: من أسعد الناس بها؟السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله.الثامنة: بيان حقيقتها ].قول المؤلف: (إذا تبين هذا فشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في القيامة ستة أنواع) هذه قد ذكرها العلماء رحمهم الله واستدلوا لها. أما الأولى: (الشفاعة الكبرى التي يتأخر عنها أولو العزم) فهي الشفاعة لأهل الموقف كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، حينما يأتي أهل الموقف إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيقولون: ( يا محمد! أنت خاتم الأنبياء غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: أنا لها أنا لها ).الشفاعة الثانية: (شفاعته لأهل الجنة في دخولها) كما في صحيح مسلم من حديث أنس : (آتي باب الجنة فأستفتح فيقول: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحدٍ قبلك).الشفاعة الثالثة: قوله: (شفاعته لقوم من العصاة من أمته ألا يدخلوا النار) هذه الشفاعة يقول فيها ابن القيم : لا أجد لها دليلاً إلا الإجماع. أقول: والواقع أن فيها حديثاً، وذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة: (أن أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم فاجتوى المدينة، فشقصت أصابعه، فجزع فقطع براجمه فمات، فرآه أحد أصحابه في المنام، قال: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي لهجرتي مع نبيه، قال: ما لي أراك مغطياً يدك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت) إذاً سوف يعذب بسببها، فهو استحق دخول النار، (قال: فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: اللهم وليديه فاغفر)، وهذا يدل على أنه استحق دخول النار فلن يدخلها.الشفاعة الرابعة: (شفاعته في إخراج العصاة من أهل التوحيد) وهذه ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن الأنبياء والملائكة والمؤمنين يشفعون كما في الصحيحين.الشفاعة الخامسة: (شفاعته لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورفع درجاتهم)، وهذه أيضاً ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21].الشفاعة السادسة: (شفاعته في تخفيف العذاب عن أبي طالب) هذا مع العلم أن من شروط الشفاعة أن يرضى سبحانه عن المشفوع له، ولكن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، لقوله: ( ولولا أنا، لكان في الدرك الأسفل من النار )، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأسئلة

 الاكتفاء بقول: (لا إله إلا الله) لنيل الشفاعة والنجاة من النار
السؤال: [ شفاعته صلى الله عليه وسلم لمن قال: لا إله إلا الله واستحق النار، هل يكفي قول: لا إله إلا الله لنيل الشفاعة؟ ]الجواب: لا، القول مع التصديق، والتصديق عمل قلبي، فكما قال ابن تيمية : إن الإيمان تصديق مقيد، ليس تصديقاً فقط مثل تصديق الإخبار، لا، هو تصديق فيه معنى الانقياد، ولهذا صار فيه عمل القلب، وإلا لو كان تصديقاً مجرداً لصار قول القلب؛ لأن قول القلب هو المعرفة، والمعرفة هي إذا أنك عرفت الشيء صدقته، فلا بد فيه من قول القلب وعمل القلب، وعمل الجوارح يأتي تبعاً لعمل القلب، ولهذا لا يمكن أن يقول شخص: أنا منقاد لأمر الله، لكني لن أفعل ذلك في جوارحي، هذا لا يمكن. وأما الأنصاري الذي أسلم فلم يعمل عملاً ودخل الجنة الحقيقة أنه عمل، أما قول الرسول: (لم يعمل) يعني: لم يعمل عمل الجوارح التي بها الإسلام التي هي الصلاة أو الصوم وغيره، وإلا فقد عمل، ما هو العمل؟ أولاً: الجهاد والجهاد دلالة على ما في قلبه.الثاني: انقياده وقبوله للعمل، هذا أيضاً عمل، قبولك لأن تعمل هو عمل، والله أعلم.وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب التوحيد - باب الشفاعة للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net