اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحكام الصيام للشيخ : خالد بن علي المشيقح


أحكام الصيام - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
إن المؤمن ينبغي له أن يسارع بفعل الطاعات، واغتنام القربات خاصة في أوقات النفحات، كشهر رمضان والأشهر الحرمات، فمن أفضل الطاعات المحافظة على الأوراد من تلاوة القرآن وقيام الليل والمحافظة على النوافل والإكثار من الصدقات، وإصلاح ذات البين، وصلة الأرحام، والإك
المسارعة في الطاعات
بسم الله الرحمن الرحيم.إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا عليم يا حكيم، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وبعد:فالذي يجب أن نتكلم حوله ما سمعناه من قراءة إمامنا وفقه الله في أول ركعة، سمعنا قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]، الله عز وجل يأمرنا في هذه الآية الكريمة بالمسارعة إلى فعل الخيرات، وإلى امتثال الأوامر، وإلى اجتناب النواهي، وأمثال هذه الآيات كقول الله عز وجل: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد:21]، وقال سبحانه وتعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة:10]، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:11]، وقال سبحانه وتعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148]، وقال سبحانه وتعالى: وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32].فالله سبحانه وتعالى يثني على المؤمنين لمسابقتهم إلى فعل الطاعات، والتزيد من النوافل، وما شرع صيام هذا الشهر وما شرعت فيه العبادات المتنوعة إلا لكي يسابق.فنحن -أيها الأحبة!- في هذا الشهر الفضيل في شهر رمضان، هذا الشهر الذي يعتبر ميزاناً للمسابقة والمسارعة إلى فعل الخيرات، والصيام إنما شرع لحكمة عظيمة ومقصد سامٍ وهو تقوى الله سبحانه وتعالى، والمسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إليها، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].فحكمة الصيام وغايته ومقصده الشامل التقوى التي هي سبب محبة الله عز وجل لعبده، وفي الحديث القدسي حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم روى عن ربه سبحانه وتعالى أنه قال: ( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه )، فالمسارعة والمسابقة إلى نوافل الطاعات وإلى الإكثار من السنن والآداب والعبادات المشروعة سبب لمحبة الله عز وجل، وسبب لتوفيق العبد في هذه الحياة، وسبب لتأييده وتسديده.(لئن سألني لأعطينه)، سبب لإجابة الدعاء، (ولئن استعاذني لأعيذنه)، سبب لعصمته من الشرور والآفات، وكنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، يعني: أنك تسدد وتوفق، فإذا صار الإنسان مسارعاً ومسابقاً إلى الطاعات ومواطن الخيرات، فيبشر بالسداد والتوفيق وإجابة الدعاء، وبولاية الله سبحانه وتعالى ونصره وتأييده، وبسعادته في الدنيا وفي الآخرة، وبكونه من المتقين، ويفوز حينئذ برضا الله سبحانه وتعالى وثوابه.فحري بنا أن نتأمل ذلك ونحن نعيش في شهر رمضان، وعلينا أن نغتنم هذا الشهر في تربية النفس على المسابقة إلى فعل الخيرات واغتنام الطاعات.
 السنن الرواتب والنوافل
كذلك أيضاً: المسابقة إلى المحافظة على السنن الرواتب، ففي حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(من صلى لله في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة إلا بني له بهن بيت في الجنة)، قالت أم حبيبة: فلم أدعهن منذ سمعتهن من النبي صلى الله عليه وسلم.قال النعمان بن سالم الراوي عن أم حبيبة: فلم أدعهن منذ سمعتهن من أم حبيبة. قال عمرو بن عوف الراوي عن النعمان: فلم أدعهن منذ سمعتهن من النعمان. كل ذلك يدل على محبة السلف للخير ومسارعتهم لذلك، ومسابقتهم وتعظيمهم للسنة.معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) ثم ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أبواب الخير: (الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16]).كذلك أيضاً -في الأخير- المسارعة إلى الصدقة والإحسان.وروي عن بعض السلف في تفسير قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَال [النور:36]، قال: هي صلاة الضحى، يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ، قال: صلاة الضحى في كتاب الله، ولا يغوص عليها إلا غواص، وذكر هذه الآية.وفي صحيح مسلم أنها تعدل ستين وثلاثمائة صدقة: (يصبح على كل سلامى -أي كل عضو- من أحدكم صدقة)، ثم بعد ذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم وجوه الصدقات، (كل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى).فأقول أيها الأحبة: هذه الآية التي سمعناها في قراءة الإمام آية شاملة وعامة في المسابقة إلى نوافل الطاعات، من صلوات وصيام وصدقات، وشهر رمضان إنما شرع لمثل هذه الأشياء، فعلينا أن نستفيد من شهرنا هذا، وأن نأخذ من بركاته، وأن نربي أنفسنا على ذلك. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من المسابقين المسارعين إلى فعل الخيرات، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بقوم فتنة أن تقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك الجنة وما يقربنا إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما يقربنا إليها من قول أو عمل، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
الأسئلة

 نصيحة إلى الذين يضيعون أوقاتهم في مشاهدة الأفلام والمسلسلات خاصة في رمضان
السؤال: كثير من الإخوة يرجون من الشيخ توجيه نصيحة للذين يقضون أوقاتهم في مشاهدة القنوات لمتابعة المسلسلات في هذا الشهر الكريم.الجواب: هذا السائل جزاه الله خيراً سؤاله جيد، وأشكره على مثل هذا السؤال، وأقول كما ذكرت في أول حديثي: إن الله عز وجل إنما شرع الصيام وما في هذا الشهر من عبادات متنوعة لكي نرجع إلى الله عز وجل، ولكي نتوب ولكي ننيب، ولكي نحاسب أنفسنا، ولكي ننظر في سيرنا إلى الله سبحانه وتعالى، ننظر في حقوق الله، ننظر في حقوق الآدميين، لم يشرع مثل هذا الشهر لكي نكثر من الذنوب والخطايا، بل المشروع أن نتخفف من الذنوب والخطايا، وأعداء الإسلام أجلبوا على المسلمين بخيلهم ورجلهم، وأغرقوهم في مثل هذه الأشياء؛ في مثل هذه المسلسلات والأفلام إلى آخره لكي يصدوهم عن ذكر الله وعن الصلاة، ولكي يفسدوا عليهم هذه المدرسة العظيمة مدرسة رمضان، ويفسدوا عليهم رجوعهم إلى الله عز وجل؛ لأن المسلمين إذا رجعوا إلى الله سبحانه وتعالى، واتحدت قلوبهم وأبدانهم، كان في ذلك العز والنصر والفلاح لهم، أما أعداء الإسلام فيسوؤهم ذلك، ولهذا يجلبون على المسلمين، ويزينون لهم الذنوب والمعاصي بالأفلام والمسلسلات، ويقومون بالإعلان عن مثل هذه الأشياء، وفعل الذنوب والمعاصي يدل على عدم تقوى القلب، والله عز وجل يقول: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30]، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، كونك تعظم شعائر الله هذا من تقوى القلوب، فإذا كنت تريد الخيرية فعظم حرمات الله عز وجل.وكان السلف الصالح رحمهم الله تعالى تبعاً للنبي عليه الصلاة والسلام الذي كان يتعبد لله عز وجل بأنواع العبادات، بالصلاة والصيام والجهاد والدعوة إلى الله عز وجل، كلما مضى شيء من الشهر ازداد عبادة، حتى إنه كان يعتكف العشر الأواخر، ويختلي بالله سبحانه وتعالى، ويجمع قلبه على الله عز وجل، ويكثر من التبتل والدعاء والذكر والقراءة، وقيام الليل، وتحري هذه الليلة الفضيلة ليلة القدر، بخلاف ما عليه كثير من الناس -نسأل الله السلامة لهم- الآن يسهرون كما ذكر السائل على شيء من اللهو الباطل، وشرب الدخان، واللعب، وربما غيبة ونميمة، ومشاهدة النساء ونحو ذلك، وهذا كله خلاف حكمة الصيام ومقصده، وكل هذا يدل على عدم تقوى الله عز وجل، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30].وهذا كله مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومخالفة لسنة الصحابة، ومخالفة لسنة السلف الصالح رحمهم الله الذين كانوا يحبسون أنفسهم في المساجد ويقرءون القرآن، وكما سمعنا أنهم يختمون أكثر من ختمه في الشهر، يختمون عدة ختمات، ويجتهدون في الصلاة وفي الدعاء وفي إطعام الطعام إلى آخره، فنقول: حري بالرجال والنساء جميعاً أن يتوبوا إلى الله عز وجل، وأن يحفظوا أسماعهم وأبصارهم، وأن يتخذوا من هذا الشهر الفضيل فرصة في العودة إلى الله عز وجل، والتوبة من هذه القنوات وهذه المسلسلات والشاشات وشرب الدخان وغير ذلك.أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني والجميع لما يحبه ويرضاه، اللهم تب على التائبين، واغفر ذنوب المذنبين، اللهم اجعل صيامنا إيماناً واحتساباً، وقيامنا إيماناً واحتساباً، ووفقنا لقيام ليلة القدر يا ذا الجلال والإكرام، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحكام الصيام للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net