اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [1] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [1] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
الحدود زواجر مقدرة شرعاً وبينها وبين التعازير فروق، ولا يقام حد على صاحبه إلا بشروط، كما لا يثبت الحد إلا بشروط أيضاً، وإقامة الحد حق للإمام، ولا تجوز الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام
تعريف الحد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الحدود:لا يجب الحد إلا على بالغ، عاقل، ملتزم، عالم بالتحريم، فيقيمه الإمام أو نائبه في غير مسجد، ويضرب الرجل في الحد قائماً بسوط لا جديد، ولا خلق، ولا يمد، ولا يربط، ولا يجرد، بل يكون عليه قميص أو قميصان، لا يبالغ بضربه بحيث يشق الجلد ويفرق الضرب على بدنه، ويتقي الرأس، والوجه، والفرج، والمقاتل، والمرأة كالرجل فيه، إلا أنها تضرب جالسة، وتشد عليها ثيابها، وتمسك يداها لئلا تنكشف، وأشد الجلد جلد الزنا، ثم القذف، ثم الشرب، ثم التعزيز، ومن مات في حد فالحق قتله، ولا يحفر للمرجوم في الزنا.باب: حد الزنا:إذا زنى المحصن رجم حتى يموت].تقدم لنا ما يتعلق بالقسامة، وذكرنا أنها طريق من طرق إثبات القتل، سواء كان قتل عمد، أو شبه عمد، أو خطأ، وأن القسامة كانت موجودة في الجاهلية فأقرها الإسلام على ما كانت موجودة عليه في الجاهلية، وذكرنا الأصل فيها، وأن الأصل فيها السنة، وأن الأئمة يتفقون عليها، وقد خالف فيها بعض السلف، وذكرنا ما يتعلق بمخالفة القسامة للدعاوى من وجوه، أو أنها تخالف الأصول من وجوه، وذكرنا هذه الوجوه، وأجبنا عليها، وتقدم لنا أيضاً ما يتعلق بشروط القسامة وأن القسامة يشترط لها شروط، ومن أهم شروطها اللوث: واختلف العلماء رحمهم الله في تفسير اللوث على قولين: القول الأول: أن المراد به العداوة الظاهرة. والقول الثاني: أنه كل ما يغلب على الظن صدق الدعوى به.وقلنا: إن هذا مذهب الإمام مالك رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وذكرنا صوراً للوث، وتقدم لنا: إذا نكل الورثة عن الأيمان فإن الذي يحلف هو المدعى عليه، وذكرنا بأن حلف المدعى عليه ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: أن يرضى المدعون بيمينه، وهنا يحلف وتبرأ ذمته. القسم الثاني: ألا يرضى المدعون بيمينه، وهنا الحكم أن الإمام يفديه من بيت المال، فإذا رضي المدعون بأيمان المدعى عليه ولم يحلف فالمالكية قالوا: إنه يحبس حتى يحلف أو يموت في السجن. والحنابلة يقولون: إنه لا يسجن، لكن يلزم بالدية كما تقدم.والرأي الثالث رأي الشافعية: أن الأيمان ترد على المدعين. بقينا في مسألة أخيرة في القسامة، وهي: هل القسامة يثبت بها القود وهو القصاص، أو أن القسامة لا يثبت بها إلا الدية؟المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وكذلك أيضاً مذهب مالك ، وهو قول الظاهرية: أن القسامة يثبت بها القود، يعني على حسب الدعوى، إن كانت الدعوى في القسامة بقتل عمد ثبت بها القصاص إذا توفرت شروطها، وإن كانت بشبه عمد، أو خطأ يثبت بها الدية، إلا أن المالكية كما تقدم لا يرون شبه العمد.واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فتستحقون دم صاحبكم، وقال: فيدفع إليكم برمته). والرأي الثاني: رأي الشافعية أن القسامة لا يثبت بها القصاص، وإنما تثبت بها الدية، فإن كانت الدعوى بخطأ أو شبه عمد فالدية على العاقلة، وإن كانت الدعوى بعمد فالدية في مال الجاني، والصحيح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنابلة المالكية.
 الفروق بين الحد والتعزير
وهناك فروق بين الحدود والتعازير:الفرق الأول: أن الحد عقوبة مقدرة، وأما التعزير فعقوبة غير مقدرة كما سيأتينا في بابه. الفرق الثاني: أن الحد لا يقام إلا على مكلف، بخلاف التعزير فإنه يقام على الصبي؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم على ذلك وهم أبناء عشر ).الفرق الثالث: أن الحد إذا بلغ الإمام يجب إقامته، بخلاف التعزير فإنه حتى بعد بلوغ الإمام فللإمام أن يسقطه أو أن يخفف عنه بالتوبة.وذكر بعض العلماء من الفروق أن الحد لا يضرب فيه الرأس، بخلاف التعزير فجوز بعض أهل العلم ضرب الرأس فيه، لكن إذا قيل بجواز ضرب الرأس فإن ضرب الرأس كما سيأتينا من المقاتل، فيتحاشا ولو حصل فإنه يكون شديداً.
شروط إقامة الحد
قال رحمه الله: (لا يجب الحد إلا على بالغ عاقل ملتزم).قوله: (لا يجب الحد) إقامة الحد واجبة، ويدل لذلك قول الله عز وجل: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم )، هذه أوامر، والأصل في أوامر الشارع الوجوب. قال رحمه الله: (لا يجب الحد إلا على بالغ).هنا شرع المؤلف رحمه الله في ذكر الشروط العامة للحد، فهناك شروط عامة للحد، فهناك شروط خاصة لكل حد، فالزنا له شروط خاصة، وكذلك القطع في السرقة، وحد الحرابة، هذه كلها لها شروط خاصة ستأتينا إن شاء الله، .الشرط الأول من الشروط العامة: أن يكون الجاني مكلفاً، وعلى هذا إذا كان غير مكلف بأن كان صغيراً، أو كان مجنوناً، فإنه لا حد عليه، وإنما يعزر، ويدل لذلك حديث عائشة : ( رفع القلم عن ثلاثة -وذكر النبي صلى الله عليه وسلم- المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يبلغ ) وهذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه والنسائي والدارمي وغيرهم. وإسناده حسنه الإمام أحمد . قال رحمه الله: (ملتزم).هذا الشرط الثاني: أن يكون ملتزماً، أي بأحكام الشريعة، والملتزم بأحكام الشريعة اثنان: المسلم، والذمي.أما المسلم فهو ملتزم بأحكام الشريعة بمجرد إسلامه، فإذا فعل ما يوجب الحد وجب عليه الحد.الثاني: الذمي، وهو الذي يبذل الجزية مقابل إقراره على دينه والتزامه بأحكام ملة الإسلام، وعلى هذا فالمستأمن ليس ملتزماً، يعني لو أن عاملاً من العمال دخل بلاد المسلمين للعمل بأمان وسرق لا تقطع يده؛ لأنه ليس ملتزماً بأحكام الإسلام.إذاً الملتزم لأحكام الإسلام اثنان: المسلم، والذمي، أما المعاهد والمستأمن فهذان ليسا ملتزمين لأحكام الإسلام، لكن للإمام أن يعزرهما بما يراه.قال رحمه الله: (عالم بالتحريم).هذا هو الشرط الثالث، وهو أن يكون عالماً بالتحريم، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].وأيضاً ورد عن عمر وعثمان وعلي أنه لا حد إلا على من علمه، وهذا أخرجه عبد الرزاق وهو ثابت.بقي من الشروط شرط لم يذكره المؤلف -وليته ذكره- هنا، وإنما ذكره في باب حد الزنا وهو: انتفاء الشبهة، لما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ادرءوا الحدود عن المسلمين بالشبهات ما استطعتم ) وهذا الحديث ضعيف، وسيأتينا إن شاء الله الكلام على ذلك في باب حد الزنا. الشرط الخامس: ثبوت الحد.وهذا سيأتينا أيضاً في كل باب بحسبه، وسيأتينا أيضاً: أن الحد يثبت بواحد من أمور ثلاثة: إما البينة ، أو الاعتراف، أو القرائن.
 الفروق بين الحد والتعزير
وهناك فروق بين الحدود والتعازير:الفرق الأول: أن الحد عقوبة مقدرة، وأما التعزير فعقوبة غير مقدرة كما سيأتينا في بابه. الفرق الثاني: أن الحد لا يقام إلا على مكلف، بخلاف التعزير فإنه يقام على الصبي؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم على ذلك وهم أبناء عشر ).الفرق الثالث: أن الحد إذا بلغ الإمام يجب إقامته، بخلاف التعزير فإنه حتى بعد بلوغ الإمام فللإمام أن يسقطه أو أن يخفف عنه بالتوبة.وذكر بعض العلماء من الفروق أن الحد لا يضرب فيه الرأس، بخلاف التعزير فجوز بعض أهل العلم ضرب الرأس فيه، لكن إذا قيل بجواز ضرب الرأس فإن ضرب الرأس كما سيأتينا من المقاتل، فيتحاشا ولو حصل فإنه يكون شديداً.
من له الحق في إقامة الحد
قال رحمه الله: (فيقيمه الإمام أو نائبه). الحد لا يقيمه إلا الإمام أو نائب الإمام، ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة في الصحيحين: ( واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها )، فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا أناب أنيساً لكي يقيمه، ولما اعترف ماعز بالزنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اذهبوا به فارجموه) فالصحابة نابوا عن الإمام في الرجم.قال رحمه الله: (فيقيمه الإمام أو نائبه) لأنه أيضاً يفتقر إلى اجتهاد الإمام.قال رحمه الله: (في غير مسجد).ويحرم أن يقام الحد في المسجد؛ لما جاء في قصة الأعرابي لما بال في المسجد أن المساجد لا تبنى لمثل هذا؛ ولأن المساجد إنما بنيت للصلاة وقراءة القرآن، ولأن الحد إذا حصل في المسجد فإنه سيترتب على ذلك شيء من اللغط ورفع الصوت، ونحو ذلك مما ينافي حرمة ومكانة المسجد.وقد جاء في حديث حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يستقاد في المسجد وأن تنشد فيه الأشعار) هذا أخرجه أبو داود وفي إسناده ضعف، لكن ما ذكرنا يكفي، وهذا باتفاق الأئمة أن الحدود لا تقام في المساجد. ويستثنى من قوله: (فيقيمه الإمام أو نائبه) السيد مع رقيقه، فإن السيد مع رقيقه له أن يقيم الحد عليه، وهذا خاص بالجلد فقط، ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب )، رواه البخاري ومسلم ، وحديث علي في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم )، أما القتل وإتلاف النفس فإنه لا يقيمه، وإنما يتولى إقامته الإمام.
 الفروق بين الحد والتعزير
وهناك فروق بين الحدود والتعازير:الفرق الأول: أن الحد عقوبة مقدرة، وأما التعزير فعقوبة غير مقدرة كما سيأتينا في بابه. الفرق الثاني: أن الحد لا يقام إلا على مكلف، بخلاف التعزير فإنه يقام على الصبي؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم على ذلك وهم أبناء عشر ).الفرق الثالث: أن الحد إذا بلغ الإمام يجب إقامته، بخلاف التعزير فإنه حتى بعد بلوغ الإمام فللإمام أن يسقطه أو أن يخفف عنه بالتوبة.وذكر بعض العلماء من الفروق أن الحد لا يضرب فيه الرأس، بخلاف التعزير فجوز بعض أهل العلم ضرب الرأس فيه، لكن إذا قيل بجواز ضرب الرأس فإن ضرب الرأس كما سيأتينا من المقاتل، فيتحاشا ولو حصل فإنه يكون شديداً.
كيفية إقامة الحد

 الحفر للمرجوم في حد الزنا
قال رحمه الله: (ولا يحفر للمرجوم في الزنا).إذا حصل تعدٍّ سواء في الكمية كأن زاد جلدة أو جلدتين، أو في الكيفية كأن شدد بالضرب فإنه هنا يضمن؛ لأنه خارج عن أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، قال رحمه الله: (ولا يحفر للمرجوم في الزنا).وظاهر كلام المؤلف أنه سواء كان رجلاً أو امرأة.والمرجوم في الزنا لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون رجلاً ، فجمهور العلماء أنه لا يحفر له، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر لـماعز، ولم يحفر للجهنية، ولا لليهوديين.والرأي الثاني: قال به بعض المالكية: إن ثبت الزنا بالشهادة يحفر له، وإن ثبت بالإقرار لا يحفر له، هذا إذا كان المرجوم رجلاً.الحالة الثانية: أن يكون المرجوم أنثى؛ فيرى جمهور العلماء أنه لا يحفر لها، وعند الشافعية يحفر إن ثبت الزنا بالبينة دون الإقرار.والخلاف هنا كالخلاف في الأقوال لكن نسبة الأقوال تختلف، والسنة حديث بريدة في قصة الغامدية في صحيح مسلم : ( ثم أمر بها فحفر لها حفرة، إلى صدرها )، وفي حديث بريدة أيضاً في قصة رجم ماعز : ( فلما كان في الرابعة حفرنا له حفرة )، وفي حديث أبي سعيد في قصة ماعز : ( فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه ) يعني ما ربطناه، فقوله: (ولا أوثقناه) يستدل به على أنه لا يربط كما تقدم لنا: أنه لا يمد ولا يربط. وأيضاً لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحفر لليهوديين، ولا لقصة: ( ... واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذه فإن اعترفت فارجمها ).الذي يظهر -والله أعلم- أن الخلاصة في هذه المسألة أن يقال: إن هذا يرجع إلى اجتهاد الإمام فإن رأى الإمام أن يحفر حفر، وإن رأى ألا يحفر فإنه لا يحفر، ولا بد عند إقامة الحد من حضور الإمام أو نائب الإمام؛ لما تقدم أن الذي يتولى إقامة الحد هو الإمام، وأيضاً السنة أن يحضر طائفة من المؤمنين لقول الله عز وجل: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2].
حكم الشفاعة في الحدود أو تأخير إقامتها
قبل أن ندخل في باب حد الزنا نقول: إن الشفاعة في الحدود محرمة، ويدل لهذا حديث عائشة في قصة المخزومية التي سرقت، فشق ذلك على أهلها فقالوا: ( من يكلم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أسامة حبه وابن حبه! فكلم أسامة النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم خطب فقال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ).وهي سيدة نساء أهل الجنة ومع ذلك حلف النبي صلى الله عليه وسلم -وهو البار- أنها لو سرقت لقطع يدها.فإذا بلغ الإمام تحرم الشفاعة، والمراد بالإمام هنا الذي يظهر والله أعلم أنه الأمير، فإذا بلغت الإمارة حرمت الشفاعة.مسألة: هل يؤخر الحد لمرض، أو لحر، أو لبرد، ونحو ذلك.نقول: المرض ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: مرض لا يرجى زواله، أي: مزمن، فهذا لا يؤخر الحد؛ لأننا لو قلنا بتأخير الحد فإن ذلك يؤدي إلى تعطيل الحد، إذ لا منتهى لهذا التأخير، لكن نجلده جلداً يليق به، فنأتي بسوط خفيف ونجلده بهذا السوط الخفيف، كل بحسبه، فالصحيح له سوط، والمريض نأتي له بسوط يناسب حاله، وقال بعض العلماء: نأتي بشمراخ لجلده، فحد الزنا مثلاً مائة جلدة نضربه ضربة واحدة، لكن هذا أنكره الإمام مالك ، والصحيح أننا نضربه ضرباً يليق بحاله بحيث لا يهلكه وإنما يؤلمه، فنأتي بسوط خفيف، ونضربه ضرباً خفيفاً بحيث لا يؤدي إلى إهلاكه، بل يؤدي إلى إيلامه، كل بحسبه، هذا القسم الأول إذا كان مريضاً مرضاً لا يرجى زواله. القسم الثاني: أن يكون مريضاً مرضاً يرجى زواله، فالمشهور من المذهب أنه لا يؤخر؛ لأن إقامة الحد تجب على الفور؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ). والرأي الثاني: وهو قول أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي أنه يؤخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الغامدية إلى أن تلد.ويظهر -والله أعلم- أنه يؤخر إلى أن يشفى، مادام أنه يرجى زواله؛ لئلا يؤدي ذلك إلى زيادة المرض أو تأخر البرء ونحو ذلك.المسألة الأخيرة: هل يؤخر لشدة الحر، أو لشدة البرد ونحو ذلك، المذهب -كما تقدم- أنه لا يؤخر والدليل على ذلك أنه يجب على الفورية. والقول الثاني: أنه يؤخر، ويظهر -والله أعلم- أن يقال في مثل هذا: أن ينظر إذا كان سيؤدي ذلك إلى ضرره، أو يشق عليه مشقة شديدة فحينئذ يؤخر، وإلا فلا يؤخر.
 الحفر للمرجوم في حد الزنا
قال رحمه الله: (ولا يحفر للمرجوم في الزنا).إذا حصل تعدٍّ سواء في الكمية كأن زاد جلدة أو جلدتين، أو في الكيفية كأن شدد بالضرب فإنه هنا يضمن؛ لأنه خارج عن أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، قال رحمه الله: (ولا يحفر للمرجوم في الزنا).وظاهر كلام المؤلف أنه سواء كان رجلاً أو امرأة.والمرجوم في الزنا لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون رجلاً ، فجمهور العلماء أنه لا يحفر له، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر لـماعز، ولم يحفر للجهنية، ولا لليهوديين.والرأي الثاني: قال به بعض المالكية: إن ثبت الزنا بالشهادة يحفر له، وإن ثبت بالإقرار لا يحفر له، هذا إذا كان المرجوم رجلاً.الحالة الثانية: أن يكون المرجوم أنثى؛ فيرى جمهور العلماء أنه لا يحفر لها، وعند الشافعية يحفر إن ثبت الزنا بالبينة دون الإقرار.والخلاف هنا كالخلاف في الأقوال لكن نسبة الأقوال تختلف، والسنة حديث بريدة في قصة الغامدية في صحيح مسلم : ( ثم أمر بها فحفر لها حفرة، إلى صدرها )، وفي حديث بريدة أيضاً في قصة رجم ماعز : ( فلما كان في الرابعة حفرنا له حفرة )، وفي حديث أبي سعيد في قصة ماعز : ( فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه ) يعني ما ربطناه، فقوله: (ولا أوثقناه) يستدل به على أنه لا يربط كما تقدم لنا: أنه لا يمد ولا يربط. وأيضاً لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحفر لليهوديين، ولا لقصة: ( ... واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذه فإن اعترفت فارجمها ).الذي يظهر -والله أعلم- أن الخلاصة في هذه المسألة أن يقال: إن هذا يرجع إلى اجتهاد الإمام فإن رأى الإمام أن يحفر حفر، وإن رأى ألا يحفر فإنه لا يحفر، ولا بد عند إقامة الحد من حضور الإمام أو نائب الإمام؛ لما تقدم أن الذي يتولى إقامة الحد هو الإمام، وأيضاً السنة أن يحضر طائفة من المؤمنين لقول الله عز وجل: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2].
حد الزنا
قال رحمه الله: (باب حد الزنا).
 تعريف الزنا وأدلة تحريمه
الزنا في اللغة: الفجور. وأما في الاصطلاح: فهو فعل الفاحشة في قُبُل محرم، أي: فعل الفاحشة في فرج آدمية محرم.والزنا محرم بإجماع الشرائع، وأجمعت الشرائع أيضاً على أن عقوبة الزاني المحصن الرجم، ولهذا فإن آية الرجم في التوراة، ولهذا أتى اليهود باليهوديين اللذين زنيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ائتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فأمره عبد الله بن سلام أن يرفع يده فإذا فيها آية الرجم )، الشرائع السماوية، والفطر السليمة تجمع على عقوبته وأن عقوبته الرجم، والأدلة على تحريمه ظاهرة من القرآن والسنة، يقول: الله عز وجل: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان:68]، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:69].وحديث ابن عباس في الصحيحين: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) وحديث سمرة في الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنه رأى رجالاً عراة، ونساء عراة في تنور من نار، ويأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا جاءهم ذاك اللهب ضوضو -حصل لهم ضجيج- فسأل النبي صلى الله عليه وسلم من معه من الملائكة فقال: هؤلاء هم الزناة والزواني ).قال رحمه الله: (إذا زنى المحصن رجم حتى يموت).سيأتينا إن شاء الله من هو المحصن وتفسير الإحصان، وكما سبق أن أشرنا أن الإحصان مصطلح يختلف باختلاف أبواب الفقه، وسيأتينا في الحدود اصطلاح الإحصان في باب حد الزنا، وأيضاً في باب حد القذف.المحصن له عقوبتان:العقوبة الأولى: الرجم وهذه بالإجماع، لم يخالف في ذلك إلا من شذ كـالنظام من المعتزلة والخوارج، يعني خالف بعض الخوارج في الرجم لكن الإجماع منعقد على ذلك، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين وماعزاً ، والغامدية في حديث أبي هريرة .العقوبة الثانية: الجلد وهذه موضع خلاف سيأتينا إن شاء الله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [1] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net