اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب الصلاة [8] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


شرح زاد المستقنع - كتاب الصلاة [8] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
من شروط صحة الصلاة استقبال القبلة، ومن جهل جهتها قلد بعد البحث والاجتهاد، كذلك نية الصلاة شرط من شروط صحتها، وينبغي الجزم بالنية وعدم إحباطها أو تغييرها، إلا ما كان فيه مصلحة للصلاة.
تابع استقبال القبلة في الصلاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفرض من قَرُبَ من القبلة إصابة عينها، ومن بَعُدَ جهتها، فإن أخبره ثقة بيقين، أو وجد محاريب إسلامية عمل بها، ويستدل عليها في السفر بالقطب، والشمس، والقمر، ومنازلهما، وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهةً لم يتبع أحدهما الآخر، ويتبع المقلد أوثقهما عنده، ومن صلى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده، ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة، ويصلي بالثاني ولا يقضي ما صلى بالأول، ومنها النية، فيجب أن ينوي عين صلاة معينة، ولا يشترط في الفرض والأداء، والقضاء، والنفل، والإعادة نيتهن، وينوي مع التحريمة، وله تقديمها عليها بزمن يسير في الوقت، فإن قطعها في أثناء الصلاة، أو تردد بطلت، وإن قلب منفردٌ فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز، وإن انتقل بنية من فرض إلى فرض بطلا، ويجب نية الإمامة والائتمام، وإن نوى المنفرد الائتمام لم تصح كنية إمامته فرضاً].كنا قد توقفنا على شرط استقبال القبلة، فذكرنا أن من شروط صحة الصلاة استقبال القبلة، وذكرنا دليل ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن المسلمين مجمعون على ذلك، وتقدم لنا الحالات التي يعفى فيها عن استقبال القبلة، وذكرنا من هذه الحالات ما إذا كان هناك ضرر في استقبال القبلة، أو إذا كان عاجزاً عن استقبال القبلة، أو كان يلحقه حرج ومشقة في الاستقبال، ففي مثل هذه المسائل يسقط عنه الاستقبال.وكذلك أيضاً: تقدم لنا من الحالات التي يسقط فيها الاستقبال: المتنفل في السفر إذا كان ماشياً، سواء كان راكباً أو راجلاً، وتقدم أن المؤلف رحمه الله تعالى يرى أن المتنفل إذا كان راكباً فإنه يلزمه أن يفتتح الصلاة إلى القبلة، وذكرنا الرأي الثاني في هذه المسألة: أنه لا يلزمه أن يفتتح الصلاة إلى القبلة.والراكب هل يلزمه أن يركع وأن يسجد إلى القبلة، أو لا يلزمه؟ قلنا: بأن هذا لا يخلو من أمرين:الأمر الأول: أن يكون المكان واسعاً، كما في حال السفينة الواسعة بحيث يتمكن من أن يقوم ويركع ويسجد تجاه القبلة، أو مثلاً في الطائرة إذا كان هناك مكان مخصص للصلاة، أما إذا كان لا يتمكن، كما لو كان في السيارة أو كان -مثلاً- في الطائرة وليس فيها مكان معدّ للصلاة فإنه يتنفل ويسجد ويركع إلى جهة سيره. وكذلك أيضاً: الافتتاح -كما تقدم لنا- يكون إلى جهة سيره إن استطاع كما سلف، ولو صلى وهو جالس فإن هذا لا بأس به؛ لأن صلاة النفل تصح أن يكون جالساً ويومئ بالركوع والسجود، وإذا كان يتمكن من أن يسجد سجد، وإذا كان لا يتمكن أومأ بالسجود، هذا إذا كان راكباً، فإن كان ماشياً فالمؤلف يقول: يلزمه أن يفتتح الصلاة إلى القبلة، وأن يركع وأن يسجد إلى القبلة. وقلنا: إن الصواب في هذه المسألة أنه لا يلزمه أن يركع وأن يسجد إلى القبلة؛ لأن النفل شرع في مثل هذه الحالات لتكثير النفل وللتوسعة، وليكون المسلم على صلة بربه عز وجل، وكوننا نشترط هذه الشروط ونضع هذه القيود التي لم تثبت في الكتاب والسنة فهذا فيه نظر، فالصحيح أنه يمشي ويركع ويسجد إلى جهة سيره، أما إن كان المسافر نازلاً فهذا يجب عليه أن يستقبل القبلة، ولا يسقط عنه استقبال القبلة.كذلك أيضاً: لو كان الإنسان في البلد غير مسافر، فإنه ليس له أن يصلي على الراحلة ويترك الاستقبال... إلى آخره؛ لكن لو كان مسافراً ثم دخل البلد، مثلاً: سافر إلى مكة ودخل إلى البلد، وهو في طريقه إلى المسجد الحرام تنفل وهو على السيارة، نقول: بأن هذا جائز ولا بأس به؛ لأنه مسافر حتى ولو كان داخل البلد ما دام أنه مسافر؛ لكن إذا كان ليس مسافراً فإنه لا يسقط عنه استقبال القبلة كما لو كان في بلده.
 تكرار العارف لاجتهاده في القبلة عند كل صلاة
قال: (ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة).هذا المجتهد هل يجب عليه أن يجتهد لكل صلاة، أو يكفي الاجتهاد الأول؟ مثلاً: في الصحراء يعرف الأدلة واجتهد عند صلاة المغرب فتبين له أن هذه هي جهة القبلة، ثم جاء وقت العشاء، هل يجتهد مرة أخرى؟ يقول المؤلف رحمه الله: نعم يجتهد مرة أخرى؛ لأن الصلاة الثانية واقعة متجددة فتستدعي طلباً جديداً.والرأي الثاني: أنه لا يجب عليه أن يجتهد مرة أخرى ما لم يوجد سبب يقتضي ذلك، فإذا وجد سبب يقتضي ذلك، كما لو حصل عنده شك، أو جاءه شخص يقول: ليست هذه جهة القبلة، ونحو ذلك.. إلى آخره، وأحدث في قلبه شيئاً، فنقول: هنا يجب عليه في هذه الحالة أن يعيد الاجتهاد مرة أخرى، أما إذا لم يحصل شيء من ذلك فإنه لا يجب عليه.قال: (ولا يقضي ما صلى بالأول).لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، فإذا اجتهد أن هذه هي جهة القبلة وصلى، ثم بعد ذلك شك واجتهد فتبين أن غيرها هي القبلة، نقول: الصلاة الأولى التي صلاها إلى الجهة الأولى صحيحة؛ لأنه خرج من العهدة بامتثال الأمر، وما ترتب على المأذون غير مضمون، والاجتهاد لا ينقض بمثله.
النية في الصلاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( ومنها النية ).هذا الشرط الأخير من شروط صحة الصلاة، وهو النية، والنية في اللغة: القصد، وأما في الاصطلاح: فهو العزم على فعل العبادة تقرباً إلى الله عز وجل.والنية دليلها القرآن، والسنة، والإجماع:أما القرآن: فقول الله عز وجل: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114] . قال: ابتغاء، أي: قصد مرضاة الله، وأيضاً: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف:29] .. إلى آخره.أما السنة: فحديث عمر : ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ).والإجماع قائم على ذلك، والنية محلها القلب، فهي من أعمال قلوب وليست من أعمال الجوارح، ولهذا العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: التلفظ بها بدعة.
 نية الإمامة والائتمام
قال رحمه الله: (ويجب نية الإمامة والائتمام).نية الإمامة والائتمام هل تجب أو لا تجب؟ نقول: تجب نية الإمامة والائتمام في ابتداء الصلاة، يعني: عندما نريد أن نشرع في الصلاة، أو نقول: هذه المسألة تنقسم إلى قسمين:القسم الأول: نية الإمامة والائتمام في ابتداء الصلاة.والقسم الثاني: نية الإمامة والائتمام في أثناء الصلاة.أما القسم الأول: وهي نية الإمامة والائتمام في ابتداء الصلاة فالمشهور من المذهب أن هذا واجب، يعني: يجب أن ينوي الإمام أنه إمام في أول الصلاة، وكذلك المأموم ينوي أنه مأموم.والرأي الثاني: رأي الحنفية والشافعية، والشافعية هم أسعد الناس فيما يتعلق بنية الإمامة والائتمام، فهم يقولون: إن نية الإمامة والائتمام غير واجبة، إلا أن الحنفية -رحمهم الله- يستثنون النساء، فيقولون: لابد أن ينوين إمامة هذا الرجل لهن، يعني: ائتمامهن بهذا الرجل، وأيضاً المالكية يقولون: لا يجب إلا في أربع صور.والصواب في ذلك: أن نية الإمامة والائتمام في ابتداء الصلاة ليست واجبة، وعلى هذا لو نوى أنه مأموم يصح أن يكون إماماً، ولو نوى أنه إمام صح أن يكون مأموماً، ولو نوى أنه منفرد صح أن يكون إماماً وصح أن يكون مأموماً، ويدل لهذا: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في حجرته منفرداً، فصلى بصلاته رجال من الصحابة رضي الله تعالى عنهم) كما في الصحيحين، والنبي صلى الله عليه وسلم ما نوى الإمامة. ومثل ذلك أيضاً: حديث ابن عباس لما بات عند النبي صلى الله عليه وسلم في بيت خالته ميمونة قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، والنبي صلى الله عليه وسلم نوى الإنفراد، فقام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وائتم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فنوى النبي صلى الله عليه وسلم الإمامة، هنا انتقل النبي صلى الله عليه وسلم من كونه منفرداً إلى كونه إماماً وهكذا، يعني: هذا كثير جداً، وعمر رضي الله تعالى عنه لما طعن استخلف عبد الرحمن بن عوف ، فانتقل من كونه مأموماً إلى كونه إماماً، وعلى هذا نقول: صور هذه المسألة كلها جائزة: الصورة الأولى: أن ينوي الإمامة، ثم ينتقل إلى الائتمام.والصورة الثانية: ينتقل من كونه مأموماً إلى كونه إماماً.الثالثة: من كونه منفرداً إلى كونه إماماً.الرابعة: من كونه منفرداً إلى كونه مأموماً.الخامسة: يكون إماماً ثم ينتقل إلى كونه منفرداً.السادسة: يكون مأموماً ثم ينتقل إلى كونه منفرداً.فهذه الصور كلها جائزة، فلو شرع شخص يصلي منفرداً ثم جاء شخص وائتم به بجانبه، ونوى المنفرد أنه إمام وهذا يكون مأموماً، صح ذلك، أو كان يصلي منفرداً ثم جاء الجماعة وشرعوا ثم لحق وائتم بهم، فإن هذا يصح ويكون انتقل من كونه منفرداً إلى كونه مأموماً.على العموم هذه الصور الست كلها جائزة كما هو مذهب الشافعية رحمهم الله واختيار السعدي رحمه الله تعالى، وأما في أثناء الصلاة فأيضاً هذه الانتقالات جائزة من باب أولى.قال رحمه الله تعالى: ( وإن نوى المنفرد الائتمام لم تصح كنية إمامته فرضاً ).وهذا كما تقدم لنا أنهم يشترطون نية الإمامة والائتمام في ابتداء الصلاة، فإذا نوى المنفرد الائتمام يقول لك: لا يصح، فمثلاً: هذا يصلي منفرداً، ثم جاء ناس يصلون ونوى أن يأتمّ بهم، يقول لك المؤلف: لا يصح.أيضاً قال: (كنية إمامته فرضاً).يعني: هذا يصلي منفرداً، ثم بعد ذلك جاء شخص واقتدى به، ونوى هذا المنفرد أنه إمام والذي اقتدى به يكون مأموماً، يقول لك المؤلف رحمه الله: لا يصح.وقال المؤلف رحمه الله: ( فرضاً ).يؤخذ من كلامه أن هذا يصح بالنفل، يعني: لو قام رجل يصلي من الليل، ثم جاءت زوجته ووقفت خلفه تأتمّ به، ثم نوى أن يكون إماماً، فعلى كلام المؤلف رحمه الله تعالى: أن هذا يصح، وهذه المسألة مما خالف فيها صاحب الزاد المذهب، ففي المذهب هذا لا يصح لا في الفرض ولا في النفل؛ لأنه لم ينو في الابتداء، كما ذكرنا أنهم يقولون: لابد أن ينوي في الابتداء.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب الصلاة [8] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net